"هذا حقا صعب"
مع عدم وجود ضوء ينير المكان، كان من الصعب فهم أين هو أو رؤية ما أمامه.
كان الظلام مدقعا، وشعر برطوبة غير طبيعية في الهواء، ورائحة حديد صدئ اجتاحت أنفه.
"أنت على وشك خسارة كل شيء، وأهم شيء ستخسره هو ذاتك، هل أنت راض بذلك؟"
تردد صوت عميق دوى إلى أذنيه.
رمش وسط الظلام ومد يده، لم يكن أمامه أي شيء،
لم ير شيئا.
فقط صدى الصوت السابق يتردد.
حاول أن يتلمس أي شيء، لكن كان الفضاء المظلم يحيط به من جميع الجهات.
"سيكون من الصعب العيش بعد ذلك، لكن... طالما أن هذا سيغير مصير كون كامل... طالما أن وطني سينتصر بعد ذلك... فخسارتي لكل شيء ثمن يسير"
أجاب، لكن لم يكن يعرف ما الذي يقوله، لم يفهم ما الذي نطق به، صدر الصوت تلقائيا من حنجرته.
صمت الصوت العميق لوهلة، ثم أجاب بعمق.
"هكذا إذن، كن ذلك الشيطان الذي اخترته"
وعند هذه النقطة تحديدا.
هوى جسده.
ومن الأسفل.
اجتاحه ضوء أحمر قوي.
كأنه ابتلعه من كل الجهات، وسلب قدرته على التنفس.
حتى أحس بأنه يغرق وسط الضوء، أو المياه الحمراء إن صح التعبير.
كان يتلوى وسط الجسم الغريب الذي اجتاحه.
تبعثرت مخيلته، برؤية مشاهد عشوائية غريبة.
غابات تحترق، جثث مكدسة، حيوانات ممزقة،
بيوت مهدمة، شوارع فارغة، أراض خالية،
حضارات غريبة محطمة.
وفجأة.
جفل واهتز جسده بعنف، وفتح أجفانه وكانت عيناه الخضراوان متسعتين إلى أقصاهما بشحوب.
"هاه.."
ما إن حاول الكلام أحس بخدر بفمه فلم يستطع إخراج أي كلمة.
"ليو؟... استيقظت أخيرا، حاولت إيقاظك لكن لم أستطع، كنت غارقا بالنوم لدرجة الهذيان، ما الذي كنت تحلم به بالضبط؟"
صدر صوت ثقيل متسائل من يمينه وما إن نظر إلى صاحب الصوت الثقيل.
كان شابا ذا شعر أصفر طويل، مجموع خلف رأسه، وعينين زرقاوين واسعتين ذواتي نظرة رحيمة.
ما إن رأى الشخص ملامح ليو، رفع يده بحالة من التوتر وأردف.
"ما بك تبكي؟ أأثر بك الحلم لهذه الدرجة؟ ألا يجب أن تكون سعيدا بمثل هذا الموقف؟"
رمش ليو لكن جفنيه كانا أثقل من العادة، لم يفهم مقصده من السؤال.
"أبكي؟ من؟ أنا؟"
لم يدرك أن عينيه كانت تذرف دموعا بغير وعي.
لكن عندما تلمس خده بأصابعه فهم السؤال الذي وجه إليه، عندها سارع بمسح خديه وعينيه.
وما إن رفع رأسه مرة أخرى للنظر إلى صاحب الصوت، جعد حاجبيه وقال.
"ليام؟... أنت ليام صحيح؟"
كان ليو بحالة من الذهول، كان متأثرا لدرجة أن استيعابه لما حوله كان بطيئا، بطيئا جدا.
الشخص الذي أمامه الآن والذي سماه بليام كان ينبغي أن يعرفه، لكنه رأى أن هنالك أشياء غير طبيعية تختلف عما كان عليه.
ليام "رؤيتك تشكك بمعرفتك بي بهذا الشكل هذا يثبت أن ما أراه من باقي جسدي حقيقي وليس مجرد تخيلات أو حلم، رغم أنني قرصت نفسي بالفعل، في الحقيقة أنا أيضا شككت بهويتي لفترة قبل استيقاظك، لا ألومك، هذا جيد، نعم أنا ليام صديقك"
أومأ برأسه إيجابا ردا على سؤال ليو.
كان ليام بحالة جسدية ممتازة، لم يكن سمينا أو ضخما، لكن جسده بشكل عام بحالة ممتازة، وهذا تحديدا ما استغربه ليو.
ليو "لكن... كيف؟ لحظة..."
صمت ليو ولف نظره حولهما.
عند شجرة كبيرة خلف ظهره، وخلف الشجرة نهر.
وأمامه تلال وجبال بعيدة، يزينها العشب الأخضر والزهور الملونة،
منظر شد عضلات كتفيه بتوتر، وفي حيرة من أمره سأل.
"م—ما هذا المكان، اين نحن؟"
نظر ليام أيضا حولهما، وفي ذات الحيرة أجاب.
"هممم، في الحقيقة لا أعلم، المنظر الذي نراه الآن يختلف كليا عما عشنا فيه طوال حياتنا، لكن يبدو أننا بمكان مختلف، منطقة مختلفة ربما، أو مكان آخر من الأرض"
وبذهول ردد ليو.
"مكان آخر من الأرض..."
أخذ ليو نفسا عميقا دون زفير، اجتاح أنفه رائحة الزهور والعشب المبلول، كانت أزكى بكثير من رائحة الحديد الصدئ التي خدشت أنفه سابقا.
للحظة أحس أنه في الجنة.
فمع معرفته السابقة بتدهور أحوال الأرض وعجزها عن الإنبات، رؤية نباتات مختلفة بهذه الكثافة حوله
كانت أقرب للخيال منها للواقع.
إذ إنه لم يمتلك بمخيلته صورة واحدة حول منظر مشابه للمنظر الذي أمامه.
"هل حقا أنت ليام؟ ماذا حدث لك تحديدا لتكون بهذا الشكل؟"
سأل ليو مجددا، بعينين تفحص.
لم يصدق ليو أن ليام بجسد مختلف الآن، بمعرفته بضعف جسد ليام كانت رؤيته الحالية تختلف كثيرا.
لدرجة أحس أنه شخص مختلف، ليس هو فقط، بل محيطه الحالي، كل شيء حوله مختلف عما عاش فيه حياته السابقة.
"إن تكرر سؤالك بهذا الشكل، فأنت توترني أكثر، أنا أيضا لا أعلم تحديدا ماذا حدث لي... لكن مهما كان فأنا متشكر له، في الحقيقة لو عرفت السبب لقدسته طوال حياتي"
طريقة كلام ليام وصوته عهدهما ليو لم يستغرب ذلك، بالعكس تماما هما الخيط الوحيد الذي ربط معرفته بليام، لكن ما زال الشعور بالغربة قائما في صدره.
«ليام كان ضعيف الجسد وقبل أن يغمى عليّ كان مصابا بكدمات وبضعة أضلاع مكسورة، فكيف بليلة واحدة أن يتغير جسده بهذا الشكل ويتعافى؟ هل اعتنى به شخص؟ لكن حتى لو كان ذلك صحيحا ستأخذ جراحه أياما عديدة لتشفى»
حدث ليو نفسه محاولا تحليل ما جرى لكن بسبب أنه كان مغمى عليه لم يمتلك أي فكرة عما حدث
له أو ليام بعد ذلك.
"ليام أخبرني، كم من الوقت مضى وأنا مغمى عليّ؟"
مد ليو قدميه أمامه وفي حجره وضع يده وشابك أصابعه.
نظر ليام إليه وأجاب.
"استيقظت قبلك بوقت قليل ولا أملك أدنى فكرة عن ذلك، آخر شيء أتذكره، عندما أيقظتني ونحن نقترب من هاوية الموت، ولا أعرف ماذا جرى بعد ذلك، كانت أضلاعي مكسورة وجسدي كله يؤلمني، حتى وصمة العار على جبهتي شفيت كأنها لم تحدث، وأنت أيضا، فالسؤال الحقيقي هو كم مضى من الوقت على إغمائنا قبل أن نستيقظ؟ وكيف وصل بنا الحال إلى هنا؟"
وضع ليام إصبعه على جبهته الكبيرة يتفحصها وأكمل كلامه الأخير متسائلا، ظنا منه أن ليو يمتلك فكرة عما جرى سابقا إلا أن ليو ذاته لم يكن يعرف حقيقة ما جرى بعدها.
"فشلت بالوصول إلى الهاوية، استنفدت طاقتي قبل ذلك، ولا أدري كيف جرت الأمور بعدها، هل تعتقد أن أليكواردو له علاقة بما حدث؟"
لفت انتباه ليام اسم غريب نطقه ليو، التفت إليه بسرعة وسأل.
"أليكواردو؟ من هذا؟"
رفع ليو حاجبيه وأوحت ملامحه بأنه تذكر شيئا.
"آه صحيح، أنت لا تعرفه، هذا يزيد الأمور تعقيدا"
ذكر ليو شخصا قدم له العون في مرحلة معينة لكن لا شيء يثبت أنه التقى به مرة أخرى، مع إبقاء فترة إغمائهما مبهمة، كانت التحليلات التي يفصلها حول ما حدث زادت الأمور تعقيدا لدرجة أحس دماغه ثقل، بعد كل تلك الأفكار أحس ليو بصداع في رأسه فلم يستطع التركيز لأي منها.
تنهد ليام قائلا.
"هذا ليس مهما حاليا، أنا متأكد أن فترة إغمائنا كانت طويلة لذلك ليس باليد حيلة حول الأمر، لننسَ هذا حاليا، علينا التركيز على ما هو أهم بكثير الآن"
صحيح، الوضع الذي هما فيه لا يستوجب التفكير بالماضي، فالسير مع الحاضر ومعرفة المكان حولهما أهم بكثير من كل شيء، لكن مع عدم وجود أي فكرة عن أي شيء حولهما، كان من الصعب التحرك نحو شيء واحد مهم، كانت الكثير من الأمور تستوجب فعل شيء حيالها، لذلك عليهما حاليا وضع خطة معينة يسيران عليها.
صمت الاثنان للحظة يتأملان الأجواء حولهم.
لم يكن ليو يعرف إن كان ما يراه حلما، أو واقعا.
في عينيه رسمت صورة لبيوت من الطين والأرض الصلبة، صورة أشبه بصحراء قاحلة بدون رمال.
استرخت عضلاته المتوترة، زفر بأريحية وبابتسامة مرضية قال.
"أنا سعيد برؤيتك بصحة جيدة"
ابتسم ليام بصمت وهو يتأمل رائحة الأزهار والعشب حوله.
استقام جسد ليو ورفع يديه مشددا عضلاته.
زفر بعدما حبس أنفاسه للحظة وخطى أمام ليام ومد يده له.
"لنر في أي مكان نحن بالضبط"
أمسك ليام يد ليو الممدودة له، استشعر ليو حجم يد ليام وكانت أكبر وأثقل مما اعتاد، أحس داخله براحة كأن ثقلا أزيح عن صدره.
"أشعر بالخوف، رغم واقعية الأحداث حولنا أخشى أن تكون حلما"
بعد سماع كلمات ليام وخوفه، ضغط ليو أصابع ليام في يده.
"أخخخخ، ماذا تفعل؟ هذا مؤلم"
شخر ليام وتجعد وجهه من الألم وأجاب ليو بعدما رخى قبضته.
"هل ما زلت تشك بكونه حلما؟"
رفع ليو ليام ورد الأخير.
"بالحقيقة لم يكن بذلك الألم، لو فعلتها بجسدي السابق لكان الألم أقوى من هذا بكثير، بدأت أشك أكثر بكونه حلما"
ضحك ليو وبدآ يسيران نحو الجبال البعيدة أمامهما.
كانت الأرض تحتهما تجعلهما يشعران أنهما يمشيان على أرض غير مستقرة، اسفنجية ان صح التعبير، مقارنة بالارض الصلبة التي عاشا عليها طوال حياتهما.
شعور لم يعهدانه سابقا، ولم يحلما به حتى، لم يستطيعان ذلك كونهما لا يمتلكان ادنى فكرة عن النباتات التي حواهما واسمائها.
فبعد عيش سنين طويلة، كل حياتهما التي عاشاها منذ ان بدا وعيهما يتكون وحتى اخر لحظة من استيقاظهما، لم يتصورا يوما بان يكونا بمكان كهذا ابدا.
كان من المحزن تصور وجود جنة مخفية عنهما وعن اجدادهما، وكذلك اهالي المنطقة التي ترعرعا فيها.
وجود مكان كهذا اصابهما بنوع من الحزن والاذى، كانه جرح قديم فتح وسال دمه.
الناس الذين ماتوا جوعا ومرضا، الاطفال الذين تمنوا ان يناموا شبع، الامهات والاباء الثكالى، شعرا بآسى مرير يخدش روحيهما.
وبعد قطع مسافة كبيرة، بعد الظهيرة تحديدا.
تعبا من المشي فقررا أن يستريحا عند شجرة.
كانت شجرة قصيرة وأوراقها كثيفة.
تحمل ثمارا حمراء وأخرى خضراء، والقليل منها كان أسود.
توقفا عندها وكانا يفحصانها بأيديهما.
أشواك الشجرة كانت كثيفة، خدشت أيديهما وهما يلتقطان ثمارها.
لم يعرفا ما نوعها لكن بدت شهية، ثمار صغيرة بألوان مختلفة، شدت انتباههما عندما مرا بها.
نظر أحدهما للآخر بتوتر، لم يقررا أن يبدآ بأكلها أو لا، خشيا أن تكون سامة أو بطعم سيء.
شد ليام عزمه، وأومأ قائلا.
"حسنا، إن أصابني شيء، فاعتنِ بأطفالي وزوجتي،
أنت الوحيد الذي أثق به"
عقد ليو حاجبيه قائلا.
"كلها فحسب"
"حسنا، حسنا، لا تستعجلني، سآكلها الآن،... سآكلها... هل أنت جاهز؟"
"ولمَ أكون جاهزا؟ إن لم تأكل سآكل أنا"
أخذ ليو حبة من بين يده وقربها من فمه وقبل أن يضعها، أمسك ليام يده وقال.
"لا، أخشى أن تصاب بأذى"
"هل أنت أمي؟"
صاح ليو بغضب، ثم وضع ليام حبة من الثمار في فمه ومضغها ببطء.
ما إن عصرت أسنانه الحبة حتى شعر بطعم حلو وحامض يلاطف لسانه.
فتح عينيه بذهول وصرخ قائلا بفرحة.
"ما هذا الشيء، إنه لذيييذ!"
رفع ليو حاجبيه بذهول وأردف.
"حقا؟"
رفع ليو حبة الفاكهة ونظر إليها يتفحصها.
ثم وضعها بفمه.
وما إن مضغها حتى فهم قصد ليام وعلق.
"لم أتوقع أن تكون بهذه اللذة"
نظر ليو لليام الذي كان منتفخ الخدين ويمضغ ما في فمه بصعوبة.
"أوفثك، الوأي، إنعا جيته"
كانت الفاكهة تملأ فمه لدرجة أنه لم يقل أي كلمة مفهومة.
"هل... كيف أكلت هذه الكمية بسرعة؟"
وفجأة.
من العدم حرفيا.
انبثق جسد شخص من جسم غير مرئي.
كأنه ظهر من بوابة غير مرئية، قدمه أولا، ومن ثم بقية جسده تدريجيا.
كان شابا طويلا ضخما قليلا، ذا شعر أبيض طويل ممشط بعناية ومربوط بالخلف، وملامح صلبة بوجه طويل وفك عريض، كان صاحب بشرة حنطية فاتحة، لكن أكثر ما ميزه تحديدا هي نظرات عينيه الحادة من قزحيته الحمراء، كان يرتدي قميصا أبيض مع بنطال قماش أحمر داكن مخطط بالطول باللون الصحراوي الداكن، وحزام أسود.
عندما رأى وجهي ليو وليام تفاجأ الشخص وأصدر صوت جفلة غير مسموع.
"أنتما الاثنان ماذا تفعلان هنا؟"
بهتت ملامح ليو وليام اللذين دب الخوف بقلبيهما حتى شعرا ببرود غير طبيعي ينتشر من أطرافهما.
ظهر شخص من العدم أمام أعينهم.
حدث غير طبيعي أبدا جرى أمامهما مباشرة، لم يعهدا شيئا من هذا القبيل أبدا
رغم استغرابهما سابقا بشأن المرج، وتغيير جسد ليام من الأضعف إلى الأقوى، كانت أقوى صدمة عاشاها حتى هذه اللحظة هي هذه اللحظة تحديدا.
"ماذا؟ ألا تفهمان ما أقول؟"
ابتلع ليام ريقه بصعوبة وسأل بصوت بالكاد يسمع.
"هل... أنت ساحر؟"
قطب الشاب حاجبيه للحظة مستغربا سؤال ليام فرد.
"ساحر؟ أتقصد فعل تلك الأشياء التي تصيب الناس بالذهول؟"
"نعم"
"لا أعرف كيف أخذت هذه الفكرة عني، لكن لا، لست كذلك، بالمناسبة احذر أن تقول مثل هذه الأشياء لغيري، فهذه تعد إهانة إن كنت لا تعلم"
"لا، لا يقصد الإهانة، أعتذر منك إن فهمته بهذا الشكل، لأكون صريحا نحن غرباء هنا ولا نمتلك أدنى فكرة عن وجودنا هنا"
ارتبك ليو وحرك يديه نفيا، وحاول أن يغطي على سوء الفهم الذي حدث أمامه.
"أستطيع أن أعرف أنكما غريبان بمجرد النظر إليكما، هل أنتما تائهان؟"
هدأ ليو، وأحس بخفة الأجواء حوله، لم يكن الرجل الذي أمامه عدوانيا، بالعكس تماما كان متفاهما وصاحب صوت عذب، لم يشعر ليو بأي خطر منه لذلك استرخت أكتافه المشدودة.
بالنظر إلى ليام وليو كانا يضعان أقمشة تالفة يلفانها حول أجسادهما، كان ليو ذا بشرة بيضاء، وشعر أسود يصل طوله إلى أكتافه، وعينين خضراوين واسعتين وحادتي النظرة، وبنيته الجسدية قوية، كانت عضلاته بارزة تقريبا مما يوحي بأنه كان يتمرن، أو يعمل عملا شاقا، كانت هنالك شامة تحت عينه اليسرى وحواجبه مستقيمة،
كانت عضلات فكيه بارزة، ورقبته طويلة،
كان طوله حوالي 6.07 قدم. لم يمتلك شيئا يميزه عدا كثافة رموشه الطويلة.
أما ليام لم يمتلك عضلات مثل ليو لكن جسده كان جيدا، كان فكه حادا وجبهته طويلة قليلا.
ذو بشرة حنطية وطول أقرب لطول ليو لكن الفرق بينهما سنتيمترين فقط.
صمت ليو قليلا يفكر ثم أجاب.
"لا أعرف إن كان وصفنا بالتائهين صحيحا، لكن نعم استيقظنا سابقا ووجدنا أنفسنا هنا"
كان الشاب يقيس شيئا بنظراته نحوهما.
كأنه يفكر داخله بشيء عجز عن فهمه.
أومأ رأسه وهو يستمع لليو وعندما أنهى ليو كلامه رد
"حسنا، لا بأس هل تودان اصطحابكما معي؟ سأسر بضيافتكما"
وبصوته العذب قال كلماته برحمة استشعراها من نبرته وابتسامته مع آخر جملة.
عكس مظهره المخيف، كأن هالة مخيفة حوله تلاشت وبدلت مكانها هالة النبلاء.
وضع ألبرت راحة يده اليمنى فوق صدره، فوق قلبه وقال.
"آه صحيح، عذرا على وقاحتي لم أعرّف عن نفسي، أنا ألبرت، أريد معرفة اسميكما إن سمحتما"
أومأ ألبرت برأسه اعتذارا وطلب منهما التعريف عن نفسيهما باحترام لم يشعرا به من قبل، دهشا قليلا ونظر أحدهما للثاني ثم بصمت استقاما بجسديهما.
مد ليو يده قائلا.
"أنا ليو أريوس، من منطقة تسمى أرض السواد"
عندما رأى ألبرت يد ليو الممدودة إليه شعر بدهشة بانت على ملامحه وشرع بمصافحة يده بثبات.
استغرب ليو رد فعل ألبرت لكن لم يعلق عليه.
صافح ألبرت يد ليام أيضا بعدما عرف عن نفسه هو الآخر.
نظر ألبرت إلى يده بعدما صافح الاثنين قبضها وأحس ببهجة غير مفهومة.
كان ليام صامتا، يحاول فهم الشخص الذي أمامه بعمق وفهم نواياه، الاحترام الذي أحسه من ألبرت هو تحديدا ما جعله يشك بتصرفاته، لمَ عليه إظهار الود بسرعة لأناس التقى بهم لتوه؟
هل هو شخص طيب؟
هل هو شخص استغلالي؟
بمعنى آخر بدا ليام حذرا.
لم يكن مرتاحا لألبرت لكن وجود شخص يفهم بطبيعة المنطقة حولهم يدر عليهم بالفائدة، وذلك أفضل من سيرهم بدون وجهة محددة للوصول حيث يسكن الناس.
لذا تبعه رفقة ليو بصمت.
"بالمناسبة، قلت إنك من دولة تسمى أرض السواد صحيح؟ أين تقع هذه الدولة تحديدا؟"
سأل ألبرت ليو الذي يسير بجانبه، وعليه رد ليو.
"لا أفهم تحديدا ماذا تقصد بدولة، ولا أعرف مكانها تحديدا، لكن إنها منطقة فقيرة جدا، ليس فيها نباتات أو أشجار مثل هذه، بصراحة تلك الأشياء التي حولنا الآن كانت تسمى أساطير، رئيس المنطقة اسمه مارلوس هل تعرفه؟"
كان ألبرت يومئ برأسه وهو يستمع إلى كلمات ليو رغم أنه لم يكن يفهم طبيعة المنطقة التي عاش فيها ليو ولم يكذبه أيضا، صمت قليلا ثم قال.
"لا، لا أعرفه، أعتذر ولكن لا توجد دولة، أو منطقة كما تسميها أنت بهذا الاسم أو الوصف"
"منطقة باتت النباتات والأشجار فيها تروى كأساطير، هذا يفسر سبب ما ترتديانه، لكن من الصعب تصديق قصتك"
نظر ألبرت إلى ليام بنظرة سريعة كأنه يسأل إن كان كلام ليو حقيقيا، توتر ليام للحظة وأجاب.
"ما قاله صحيح، ذلك هو المكان هو موطننا"
"هممم، مع عدم معرفتي بدولتكما سيصعب علي مساعدتكما حقا، لحظة، إن كنتما تحملان شارتكما الخاصة، فبإمكاني التعرف من أي دولة أنتما، هلا ترياني؟"
مع وضع يده على ذقنه، ويسند بمرفقها على يده الأخرى على بطنه، سأل ألبرت عن شيء غامض بالنسبة لهما، وجهه كان يوحي بأنه وجد القطعة المفقودة من اللغز، لكن نظرات ليو وليام المستغربة خيبت أمله للحظة.
ليو "ماذا تقصد بشارتكما؟"
أخرج ألبرت من جيبه قطعة أشبه بمعين متعدد الجوانب مزخرفة من كل جانب برسمة أشبه بنسر لكن بأرجل أربعة ومخالب كبيرة وحادة، في عيون النسر كانت هنالك أحجار متوهجة زهرية اللون.
كانت القطعة تحمل شرخا يلتف حولها.
"مثل هذه، هذا برهان انتمائك لدولة معينة ويصدر خصيصا لك من الدولة ذاتها"
أصاب الذهول ليو وليام وهما ينظران إلى الشارة التي وسط راحة يد ألبرت، مع تدوير شفاههما بتعجب.
قال ليو.
"أوووه، هذا عظيم حقا، لم أرَ شيئا بهذا الجمال بحياتي، وبالنسبة لسؤالك فلا، لا نعرف ما هذا الشيء أصلا"
كانت الشارة تؤدي غرض بطاقة الهوية للشخص،
أراد ألبرت معرفة هوية ليو وليام الحقيقية بشتى الطرق لكنه يصطدم بجدار عدم المعرفة في كل مرة.
مع عدم وجود شيء يثبت انتماءهما كانا بحال أسوأ من مجرد تائهين، كانا أقرب للطفيليين إن صح التعبير.
لكن ما أربك ألبرت تحديدا، كان عدم شعوره بالكذب منهما، حتى الأشياء الطبيعية بالنسبة له كانت تبهرهما برؤيتها، لذلك كان مترددا بالحكم عليهما، ومقيدا لا يمكنه تقديم المساعدة الممكنة.
توقف ألبرت مكانه وعيناه صوب الأرض، وتبعه كل من ليو وليام بالتوقف، نظر إليهما بعينيه الحمراوين وقال.
"يؤسفني قول هذا ولكن، إن دخلنا المدينة الآن ستُعتقلان بتهمة التجسس على دولة لوردفينيسا"
الاستيقاظ بعالم غريب
ام الثالوث · بقلم رضوان عباس