NOVELFLEX

عشيرة الدم النقي

ام الثالوث · بقلم رضوان عباس

تردد صوت البرت في أركان قاعة المكتبة، وخيم الصمت عليهم، وبنظرة حادة توجهت نحو ليو سلبت قدرته على الحركة.

​إليكواردو الشخص الغامض الذي التقى به ليو منذ فترة، مجرد ذكر اسمه استفز البرت وتغيرت نظرته الرحيمة إلى نظرة تفيض بالكراهية والحقد الدفين.

​فتح ليو فمه فتردد قبل أن ينطق وما خرج منه سوى:

​"ها؟"

بدهشة.

​لم يفهم لماذا تغيرت نبرته العطوفة وأخذ ذلك الوجه الجدي، وما كان مفاجئاً بالنسبة لليو أن البرت غضب، هذا الرجل اللطيف والذي لا تنعكس شخصيته العطوفة بوجهه المخيف قد أغضبه أمر ما كان ينبغي أن يغضبه.

​خيم الصمت على المكان حتى نطق البرت مجدداً.

​"ألم تسمع سؤالي؟، دعني أكرر ذلك بصيغة أفضل، مِمَّن، ومتى تحدداً سمعت باسم إليكواردو؟، وأنصحك أن تلتقط كلماتك بحكمة."

​عينا البرت مشدودة ونظرته ثابتة على ليو.

​انكسرت صلابة ليو تحت عيني البرت الحمراوين.

​أراد أن يهدئه وألا يأخذ عليه انطباعاً آخر بسبب سوء الفهم الحاصل.

​قال:

​"إنه رجل التقيت به قبل مدة لا أعرف إن كانت قصيرة أم طويلة، لكن كانت قبل أن أستيقظ في هذا المكان، في هذا العالم إن صح التعبير، وبصراحة لا أعرف سوى اسمه."

​لم يعرف ليو ما المدة الحقيقية التي استغرقاها غائبين الوعي للوصول لهنا— حيث وجدا أنفسهما بالمرج سابقاً.

بطبيعة ليو الصادقة قدم لألبرت تبريراً حقيقياً وصادقاً لطبيعة معرفته بأليكواردو الرجل الغامض.

لكن لم يرى ليو أي تغيير بنظرة الكراهية والحقد التي تتغلغل بعيني البرت.

لكن ما جعل ليو غير مستقر نفسياً في إجابته كان سؤال البرت المبهم وطريقة طرحه.

​استقام البرت بجسده وبيده الخريطة مطوية، أرجعها إلى مكانها وأثناء ذلك قال:

​"تدعيان أنكما من عالم آخر!... ومن ثم تذكران اسم رجل ميت!... وفوق هذا تقول إنك التقيت به؟، هل تهزء بي؟ هل تظنني أحمق؟"

​في اللحظة التي قال بها البرت أن ذاك الرجل ميت كانت كأنها صاعقة نزلت على صدر ليو، ارتجفت أعصابه داخله، وشعر بحرقة في صدره يصعد سناها على رقبته، إليكواردو الرجل الذي بدا لليو كائناً يتعذر فهمه، ليس في جسده الذي لا يُضاهى فقط، بل كل جزء منه بتفكيره وطريقة كلامه وحتى حركاته كل هذه الأشياء التي التمسها ليو في إليكواردو لا ينبغي أن يموت بهذا الوقت القصير.

​لم يعرف ليو المدة الحقيقية التي استغرقها فاقداً للوعي إلا أنه فكر بأنها مهما طالت، لابد أن تكون قصيرة.

الرجل الذي يكن ليو له احتراماً، والذي لا يمكن أن يكون من عالم ليو وليام نفسه، بل من عالم آخر ذاته الذي عاشه البرت ويعيشاه الآن.

سماع بأنه ميت كان كفيلاً بجرح ليو.

​انكمش وجهه إثر ادعاءات البرت ولم يستطع القول سوى "ميت!!" بصدمة.

​ليام شعر بأن هنالك سوء تفاهم، إن كان ذلك الرجل ميت حقاً، وليو التقى به مؤخراً فمن الممكن أنه يكون شخص مختلف باسم مشابه، خاصة أنه التقى به في أرض السواد.

لكنه رغب برؤية ما ستؤول إليه الأمور لذا بقي صامتاً ويدرس تحركات الآخرين.

أراد أن يعرف إن كان البرت يمكن الوثوق به أم لا.

​"أخبرتك أن اقتلهما لكنك رفضت، أنت تستحق ذلك مولاي، ها"

​تكلم سايمون بسخرية وأنهى حديثه بضحكة ساخرة، مقاطعاً يديه على بطنه ومتكئاً على باب الدخول للقاعة.

سايمون شبيه البرت كان يبدو مخيفاً مثل ما يوحي مظهره القاسي، على عكس البرت الذي لا تشبه شخصيته ملامحه.

الجو الخانق الذي يخلقه سايمون بمجرد بحضوره

كان ثقيلاً على صدر ليو وليام، فضلاً عن نطقه لقتلهما كأنه شيء عادي سابقاً، والآن يؤنب البرت لعدم استماعه له.

​رمقه ليام بطرف عينه ولم يعقب على كلامه.

إلا أنه شعر أنهما بورطة كبيرة ولا يفهم سببها.

لا يزال ليام يدرس تحركاتهم وحتى أقل تغيير يطرأ عليهم وبالأخص كان يدرس البرت.

​لا يمكن أن يهزأ ليو بشخص يحترمه، شخصيته الصادقة ومبادئه التي تربى عليها لا تسمح له بذلك.

​"لا أهزأ بك... ولا أظنك أحمق... بل أراك مذهل حقاً.

أنت رجل صالح ولا أريد أن يكون هنالك سوء تفاهم بيننا، لذلك أخبرني لماذا أزعجك كلامي؟"

​مع نهاية كلامه نصب ليو نظره بتردد على البرت.

​بينما تجاهل البرت كلام سايمون تماماً ولم يبدِ أي رد فعل عليه.

​تنهد البرت بتكلف ومسح بكفه وجهه ثم قال:

​"آه، اعذرني إن كنت قد أربكتك، فقط أريد معرفة ما إذا سمعت هذا الاسم من شخص ما، للأسف لدي بعض المشاكل الشخصية معه."

​بدا البرت أكثر هدوءاً، بطريقة مريبة ارتخت عضلاته المشدودة وارتسمت ملامح الهدوء عليه بدون أي مجهود يذكر من ليو يحث على ذلك.

​رمق ليام البرت نظرة سريعة ومن خلالها رأى الزيف من هدوئه المصطنع، لدرجة أحس بأن البرت نزع جلده وبدله بآخر.

بمعنى آخر ملامح البرت لم تكن بذلك الهدوء الذي أرادهما أن يشعرا به أنه كذلك.

لاحظ كل تجعيدة بملامحه لا ينبغي أن تكون لو كان هادئاً حقاً.

لكن لا يمكن لأي شخص آخر ملاحظة وتحليل البرت بالدقة التي يحللها ليام.

​لذلك انطلى على ليو الزيف الذي صنعه البرت بهدوئه وهذا تحدداً ما أخاف ليام بعدما رأى من ليو ابتسامة حرجة.

​"سأشرح لك، في البداية أشكرك لأنك تفهمتني.

في موطني... أرض السواد التقيت بأليكواردو... ولأنه بدا مختلفاً بطريقة الملبس وطريقة الكلام وحتى التفكير خلته من هذا العالم، ولا أقصد أي سوء في كلامي، فقط أردت أن أعرف إن كنتما تعرفانه."

​تعجب ليام من تبرير ليو لألبرت بهذه الطريقة، شيء لم يعهده من ليو وكان متفاجئاً وشعر الأسى عليه، لإكراهه على ذلك.

لكن كما عرفه ليام دائماً، التصرف باحترام وتبرير الأفعال لا يفعلها ليو إلا للأشخاص الذين يؤثرون بقلب ليو.

​أومأ البرت مستمعاً، وما أن نهى ليو كلامه ظل متماسكاً بذلك القناع المصطنع ثم قال:

​"همم، حسناً، رغم أنني أجد كلامك غير مقنع، لكن في الوقت الحالي دعنا ننسى ما تحدثنا عنه، على أي حال، سأذهب لأجلب ريم، سايمون إياك، أن تفعل شيئاً لهؤلاء الاثنين مفهوم."

​نقر سايمون لسانه تعبيراً عن عدم الرضى وأردف وهو يشيح بنظره جانباً:

​"مفهوم، مفهوم."

​ظل ليام مكانه، دون أن يتحرك وراء البرت الذي غادر الغرفة، وكان يسترق النظر إلى أصابعه المرتجفة وهو يرحل.

كان يمشي بهدوء بظهر مستقيم لكن بدت خطواته ثقيلة وصوتها يقرع داخل أذنيه كأنه هو الصوت الوحيد بالغرفة.

​لم يكن ليام مرتاحاً لطريقة البرت بإظهار غضبه وهدوئه، وشعر بأنه خطر، بل أخطر إنسان التقى به طوال حياته، إن كان مجرد ذكر اسم يغير تصرفاته بهذه الطريقة المريبة، فما الأسرار الدفينة التي يحملها هذا الرجل وكيف عاش حياته.

​سار البرت في ممر الطابق الرابع وكانت الأوردة داخل قصره تنبض وتتحرك بغرابة.

​وكانت نظرة عينيه مشتعلاً فيها الغضب العارم.

وعلى الجهة اليسرى استدارت قدم البرت ووقف.

رفع يده على الجدار وحرك كفه جانباً.

​فتح له باب خفي مع حركة كفه.

​دخل إلى غرفة لم يكن لها باب وداع كقاعة المكتبة سابقاً، أغلق الباب الذي فتحه بعدما دخل.

​وأمام تمثال لرجل وقفت قدماه:

​"أقسم أنني، لأقتلع بيدي رأس كل من يتبعك."

​....

​غادر البرت عالمه وترك ليو وليام عند سايمون.

والذي كان يتمنى أن يجد فرصة لقتلهم حتى وإن كانت لا تستوجب ذلك.

مما تركهما بوضع صعب كأنهما على حبل المشنقة.

كان سايمون عكس البرت، إذ إنه بدا أكثر انفعالاً بدون سبب، وغير عقلاني، بدا كطفل يطلب ما يخطر على باله فوراً دون التفكير به مرتين.

​دخل البرت المدينة بعد فترة قصيرة.

​وكانت مدينة ضخمة ومرتبة بدقة هندسة رائعة.

إذ أن الشوارع كانت مرصوصة والمباني ذات واجهات تقريباً موحدة.

وفي الشارع الرئيسي الذي يربط ببقية الشوارع الفرعية سار البرت.

كانت المدينة مكتظة بالناس والعربات التي تجرها الخيول.

إلا أن الأجواء التي شعر بها البرت عندما بدأ يمشي وسط الناس لم تكن كما عهدها دائماً.

رأى اضطراباً غير مسبوق يتملك الشوارع.

​سار البرت وسط فوج الناس والعربات متجهاً لمبنى يتقاطع فيه منطقتان مختلفتان بأسوار وبوابات.

​وتقرب بمسافة كافية للبوابة ليسمع أصواتاً متشابكة وكانت مرتبكة.

​"سيدي أعتذر ولكن منع دخول أي عربات محملة لهذه المنطقة حالياً، أرجو أن تفهم الوضع الحرج للمنطقة."

​رن صوت امرأة في أذني البرت وعلى أثرها ازدادت سرعته بالمشي أكثر.

​"أنتِ مجرد خادمة تطيع من هم أعلى منها مكانة،

كيف تجرؤين على قطع الطريق علي؟"

​وعلى مرأى البرت، رأى رجلاً يرفع سبابته بوجه المرأة التي سمع صوتها سابقاً.

​"سيدي كما قلت سابقاً الوضع حالياً خطر والدولة في اضطراب بكل أنحائها، وأمرنا بعدم إدخال أي عربة محملة إلى حي الرئاسة."

​كانت المرأة تحاول باضطراب تهدئة الرجل أمامها.

إلا أنه لم يبدو عليه الهدوء أبداً، بل زاد ذلك من انفعاله.

​"يبدو أنكِ تصرين على التنحي من منصبكِ، سأحدث رؤسائكِ ولأجعلنكِ تتوسلين لأرحمكِ."

​بعدما وصل البرت إلى البوابة استطاع بطريقة ما معرفة ما يجري، إذ إنه تعرف على الرجل والمرأة وفهم المشكلة بدون شرحها له مباشرة.

​كان رجل خمسيني ذو شارب كثيف ووجه سمين.

وكان يبدو عليه آثار الترف من الخواتم في يده والقلادة الذهبية المرصعة بالجواهر على رقبته، وزيه المرموق.

​أما البنت فكانت تضع درعاً بمفاصل من قماش وخوذة على رأسها وسيفاً مغموداً مائلاً على خصرها.

​"سيد فروغ، لا يجب التحدث بهذه الطريقة مع من يؤدي واجبه بأمانة، وسيكون من النبل أن تفهم الوضع وأن تؤجل تجارتك لفترة."

​قال البرت ذلك بهدوء وهو يسير نحوهما بابتسامة مكلفة.

​وما أن سمعه التاجر تراجع خطوة إلى الوراء في حالة من الارتباك، نقر لسانه:

​"البرت."

​"تجارتي توقفت بالفعل، أسواقي فارغة تماماً وبالكاد تمكنت من إحضار هذه العربة، الناس مزدحمون عند أبوابي ولا يمكنني ترك زبائني بهذا الوضع ببساطة."

​أومأ البرت برأسه وأجاب:

​"أفهم ذلك، لكن كما ترى الحراس ملزمون بتنفيذ الأوامر، لذا في الوقت الحالي، أرجو أن تتفضل بصف عربتك بعيداً عن الطابور، ريثما نجد حلاً مناسباً."

​"حسناً لكن لن أنتظر طويلاً."

​وفي آخر كلماته ابتعد فروغ غير راضٍ عما حدث ورجع عند عربته التي يجرها حصانان وكان سائقه بانتظار إشارة منه.

​"يبدو أن الوضع أسوأ مما تصورت، كيف تطور الوضع بهذه السرعة؟"

​حدث البرت نفسه وهو ينظر إلى فروغ يبتعد من مدخل البوابة.

​"آه... أنا لا أناسب هذه الأحداث، كان عليهم أن يضعوا شخصاً آخر مكاني، لا أدري كيف كنت سأتصرف لو لم تأتِ، شكرا لك البرت."

​تنهدت المرأة وتذمرت بطريقة مرهقة، وتعقيباً على شكرها ابتسم البرت وأمال برأسه قليلأً:

​"على الرحب، بالمناسبة ريم، أعلم أن الوضع لا يبشر بخير لكن كيف وصل لهذه الدرجة؟"

​قال البرت ذلك وهو ينظر إليها، شابة بعمر العشرين وكانت عينيها الصفراوين تتلألأن رغم خفوت الضوء المسلط عليها من فتحة الخوذة العسكرية.

وكان شعرها الأحمر منسدلاً خلف ظهرها حتى الوركين.

مع بشرتها البيضاء والناعمة، كانت تبدو كأنها توج نوراً.

رغم أن ملامحها كانت متوترة ومرهقة إلا أنها كانت فاتنة وملفتة بشكل أسر.

​"ألم تر أن شرخ السماء قد أغلق؟، يقال أن هذه الظاهرة نذير شؤم والناس بدأوا بتجهيز الاحتياطات اللازمة في حال حدوث أزمة قريبة."

​" بصراحة لا شيء يبشر بخير فالملك يشعر أن نهايته قريبة وقد أمر باجتماع كل الرؤساء والوزراء، آه كم هذا مؤذي، أريد العودة للبيت."

​بإحباط تكلمت ريم عن رغبتها واحتجت على الأوضاع حولهم بضجر.

​بعد رؤية البرت حاضراً تكلف الحراس البقية بالسير وتنظيم طابور الدخول، مما ترك لريم مساحة كافية لتتكلم بهدوء معه، كان الحراس بطريقة مقصودة يظهرون جانبهم المجتهد أمام البرت، وأحس البرت بأن لذلك تملقاً قبيحاً وشعر بالقرف.

​رأى البرت نظرات ريم البائسة حول المهمة التي كلفت بها، لذلك حاول تغيير أجواءها عن طريق...

​"ريم، ما أخبار طائفة إليكواردو؟"

​التفتت ريم إلى البرت وكانت قد ازدادت ضجراً وعبس وجهها.

​"هذا الموضوع مجدداً؟، لا شيء جديد إنهم يجيدون الاختفاء كمثل الجرذ في المجاري."

​"وماذا إن قلت لكِ إنني ربما وجدت اثنين منهما؟ ما هو رأيكِ؟"

​عبست ريم أكثر وأجابت:

​"هل أحضر لك سايمون أشخاصاً آخرين يشتبه بهما أنهما من تلك الطائفة، لعلمك يا البرت ذلك الرجل مختل لا تصدقه ببساطة."

​هز البرت رأسه نفياً وقال:

​"كلا بل أنا من أحضرتهم هذه المرة."

​انتصب ظهر ريم بسرعة عند سماع النبأ من البرت غير المسبوق.

ووضعت قبضتها على مقبض سيفها.

​"أين هما؟"

​شعرت ريم بأنها على أبواب عاصفة حديثة لم تر بدايتها.

واستعدت للقتال بسرعة.

​"اهدئي، لا نريد جلب الأنظار، حالياً أريد إدخالهما إلى المدينة لكني لا أستطيع هل يمكنكِ مساعدتي؟"

​ارتخت قبضتها قليلاً وهي تستوعب طلب البرت.

​"أنت... تحتاج مساعدتي في شيء؟"

​أجاب البرت بإيماءة.

​"وكيف ذلك؟"

​"تصرفي فقط كأنكِ تعرفينهما عند بوابة الدخول وذلك سيكون كافياً."

​"لا، سأذهب معك بنفسي، أنا جاهزة بالفعل."

​رفع البرت كفيه وأومأ بها مباشرة للهدوء:

​"انتظري، انتظري هما لا يعرفان أنني أشك بهما بذلك، في الحقيقة أنا أيضاً أشك بأنهما لا ينتميان لتلك الطائفة."

​رفعت ريم أحد حاجبيها وقالت باستغراب واضح:

​"هل تشك بهما أم لا؟"

​قاطع البرت يديه على بطنه وأمال برأسه:

"همممم، بصراحة لا أدري، لكن لنقل أن الخيارين ممكنان."

​أومأت ريم وقالت:

"أخبرني، كيف شككت بهما؟"

​صمت البرت قليلاً وتحركت عيناه حوله ينظر إلى وجوه الناس إن كان أحد منتبه عليهما.

​"قال لي أحدهما إنه التقى بأليكواردو شخصياً، وسألني إن كنت أعرفه، ويدعيان أنهما من دولة تسمى أرض السواد."

​"هاه؟... التقيا بشخص ميت؟، البرت هل عقلك يعمل؟، ألا يبدو أنه تشابه أسماء؟"

​صفع البرت جبهته وقال وهو يحرك يديه معاً بطريقة توحي إلى الترتيب:

​"هذا مستحيل، لأنه لا يمكن لأي شخص... أن... يسمي... ابنه... بأليكواردو!"

​"هممم، لديك وجهة نظر."

​كون اسم إليكواردو مرتبطاً بطائفة غريبة، فمن المستحيل أن يكون اسم إليكواردو له تشابه.

اسم ينتمي لشخص واحد وهذا لا شك فيه.

​"آه يا أمنا، يا أصلنا، ويا رزقنا، ويا روح كل من فينا،

نحن أولادكِ العاقين، المذنبين، الخاذلين."

​من بين حشد الناس صدى صوت أشبه بزمجرة الرعد.

وكان يدعو بطريقة مثيرة للاشمئزاز أشبه بالعبيد المتشددين. بالنظر إلى وجهه، كان وجهه شاحباً كأنه ورقة كوتها الشمس. أسنانه ظاهرة وعيناه جاحظتان حتى شعره كان أشعث وملابسه رثة وممزقة.

لم يبدو عليه أي علامة على التدين والتشدد سوى طريقته بالدعاء، وكان أقرب للمتشردين.

​توقفت الأصوات وجذب انتباه الناس إلى صاحب الصوت ذا الشعر الأشعث والجفنين المهدودين.

​فيما نظر كل من البرت وريم نحوه بطريقة غريبة.

​لم تكن تلك الحركات طبيعية بالنسبة لريم كونها منخرطة بالحراسة أو حتى لألبرت شخصياً.

بل كانت ظاهرة تحدث لأول مرة ولم يسبق لها عهد.

​"سامحيني، اهديني، وإن رضيت سأهبك روحي فداءً لنعمتكِ."

​تقدم البرت نحو الشخص وقد اتخذ قراراً بابعاده عن الناس لأنه بدا مخبولاً يعرقل الطريق.

لكن لم يكن مرتاحاً لطريقة كلامه وتحركاته العشوائية والمليئة بالريبة.

​"أنت، ابتعَد من هنا."

​كانت عيناه مظلمة ووقفته مترنحة كأنه سكران.

طاطأ رأسه وردد بصوت غير مسموع:

​"هذا عالم... لا ينبغي أن يكون."

​"لا ينبغي، لا ينبغي، لا ينبغي، لا ينبغي أبداً أن يكون."

​وفي آخر جملة رفع رأسه عالياً إلى السماء وصرخ بصوت حاد عصف من حوله بموجة غير مرئية شلت حركاتهم، انتفضت قلوب الناس بفزع كأن رياح الموت هبت عليهم.

​"هي أنت، هل رأيت من قبل مطراً أحمر؟ هييه."

​تكلم الشخص مع البرت، رافعاً أصبعه السبابة نحو السماء، ومع نطقه لكلماتد حرك رأسه نحو البرت بعينين يتطاير الشرار منها وبضحكة غليظة هزت كيان البرت وشعر بأنها تهدد وجوده.

​"مطر أحمر؟...!!!"

​وعندما فهم البرت المقصد من هذا السؤال.

​تباطأ العالم حول البرت وريم، وندفعا معاً بحالة هستيرية بعدما سلت ريم سيفها الأخضر المتوهج، وارتفع البخار من جسدها، وانبثقت حولها خطوط ملونة صغيرة ظهرت بانطلاقها نحو الرجل.

​"أ... ن... ت... ظ... ر"

​مر المشهد من أمام البرت كأن اللحظات باتت دقائق، تطاير البخار من جسده وانبثق حوله جدار من زجاج أحمر يتسابق مع الزمن لعزل نفسه مع الرجل الغريب.

إلا أنه ما امتلك من الوقت الكافي لإحاطة الرجل بذلك الجدار، الذي تمنى بكل جوارحه أن يعزل الرجل عن العالم لكن...

​وبابتسامة مظلمة من الشخص الغريب.

​لمع ضوء شديد التوهج من بطن الرجل، ونما الضوء حتى أضاء المكان كأنه شمس أخرى.

وانضغط الهواء حولهم واندفع بموجة قوية.

​انفجر.

​انفجار ضخم.

​تطايرت العربات.

​وتطاير الناس.

​وتقطعوا إلى الأشلاء.

​وانتثرت الدماء في السماء، وهطلت الدماء على الأرض كمطر أحمر.

​وغدت الأرض دخاناً يشوبها اللون الأحمر.

​عصف بالأسوار، وتصاعد الدخان والنار في السماء.

​وكان منظر يعج بالفوضى.

​تحطمت جدران البرت وعصف به لمسافة بعيدة وكان يشعر بحرقة عارمة في يده اليمنى التي مدها إليه قبل قليل.

وكان نصف وجهه من الجهة ذاتها...

​نصفه اليمين وليس وجهه فقط، محترق ومتخرق بطريقة مرعبة، حتى أن ما تبقى من نصفه متمسكاً بقية جسده كان فقط لحم مشوي.

​استقر ظهره على جدار لأحد البنايات وكان يلتقط آخر أنفاسه.

​ريم كانت أبعد، إلا أنها لم تسلم من الانفجار العظيم. فقد عصف بها لمسافة وسقطت على مؤخرة رأسها على عتبة إحدى العمارات خلفها.

وقبل أن تفقد وعيها بالكامل شعرت بحرقة في فخذها الأيسر.

​...

​كانت البوابات الأخرى التي تضم الحراس، مشغولين بما لا يكفي لتنظيم الناس والعربات، حتى وصلهم صوت الانفجار ثم عصفه.

​"سيدي أنظر!"

​أحد الحراس أشار بارتباك إلى الدخان المتصاعد وصوته القلق جذب انتباه الحراس البقية حوله.

​وكان الرجل الذي حدثه الجندي سابقاً يضع على عينه اليسرى رقعة سوداء.

رفع نظره إلى الدخان المتصاعد.

​ونزل نظره إلى الجنود قربه وحرك يده أمامه قائلاً:

​"يا جنود أغلقوا البوابات حالاً."

​"ذلك المهووس إيتي، قلت له لا يستعجل... انظر إلى ما خلف من بعده."

​وكان أقرب الناس إلى الرجل صاحب الرقعة مسافة، ينظر حيث ينظر الجنود ويضع يديه خلف ظهره، تحدث بصوت مسموع، وصلت كلماته إلى الرجل ذو الرقعة.

​وكانت تلك الكلمات كفيلة بجعل صاحب الرقعة يستل السيفين اللذان على خصره ويوجههما نحو رقبة الرجل وتوقف قبل أن ينحره.

وبنظرة حادة قال:

​"برر موقفك بسرعة!"

​نظر الرجل إلى السيفين على رقبته وما زالت يديه خلف ظهره، ولم يرف له جفن.

​"يا رجل، اتخاذك لقراراتك سريع جداً، هذا سفسد عليك الكثير من الأشياء..."

​وققبل أن ينهي الرجل كلامه، غرز ذو الرقعة حدي سيفيه تحت جلد الرجل.

​"قلت بسرعة."

​وذات النظرة بعينيه سابقاً استمرت شرارة القتل تلتهب بعينيه.

​"حسنه، هل رأيت من قبل مطراً أحمر؟"

​وانهى كلامه بابتسامة، رافعاً سبابته للسماء.

​"مطر أحمر؟"

​كرر ذو الرقعة سؤال الرجل بتعجب إذ إنه لم يفهم المغزى من هذا السؤال العبثي.

لذا قرر أن يخالف سيفيه أكثر حتى يقطع رأس الرجل أمانه لكن...

​لكن لمع في عينه ضوء أضاء من الرجل، ومع حركة يده السريعة طار رأس الرجل ومد يديه إلى أقصاها.

​انتشر الضوء وزاد حجمه، لم يكن ضوءاً عادياً.

​كان انفجاراً آخر، كارثة أخرى.

​باللحظة واحدة اختفى جسد ذو الرقعة كأنه لم يكن.

​توسع الانفجار ليشمل الناس والمنطقة حولهم.

​وتحولت ساحة أخرى إلى دخان أحمر يتصاعد إلى السماء.

​...

​بعد تفجيرين متزامنين، ارتفعت بجهات أخرى من المدينة أعمدة دخان خمسة، وكانت بالمجمل سبعة أعمدة دخان هزت المدينة رغم مساحتها الشاسعة.

​أحدثت سبع تفجيرات متزامنة في المنطقة اضطراباً لم يكن له سابق.

​انتشر الجنود بفوضى بحثاً عن الناجين.

ولا يزال الدخان منتشراً ويتصاعد للسماء.

والنيران تلتهم المكان.

وصوت صرخات الناس يتصاعد وبكاؤهم يعلو.

​من وجد يد زوجته فقط مميزها من الخاتم الذي أهداه لها.

​ومن وجدت لعبة طفلها ممزقة وعليها آثار دماء.

​ومن وجد ملابس أحبائهم التي كانوا يلبسونها قبل الانفجار.

​ومع عدد الجرحى والغائبين عن الوعي يتصاعد.

​عثر أحد الجنود على البرت وكانت ملامحه مبهوتة مما يرى.

​لحم البرت المشوي، يتساقط، ويتجدد مكانه لحم حي.

​ويده اليمنى المقطوعة تدريجياً نمت أخرى مكانها بدءاً من العظم وما يليه حتى آخرها الجلد.

​همس الجندي...

​"أنت.... لا يعقل.... عشيرة الدم النقي!"