NOVELFLEX

نحو الحقيقه :

three Arab girls in a romantic novel · بقلم sosoly

هوى على ركبتيه، عاجزًا عن النهوض من شدة الصدمة، وظل يحدّق بذهول في الجدار الذي اسودّ بالكامل.

لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك أكثر ما أثار انتباهه.

فغرفة آشتار تقع بجوار غرفة آستاريوس مباشرةً.

وهذا يعني...

أن أجزاء من غرفته هو أيضًا قد تضررت بفعل الحريق!

بل إن نصف غرفته قد تحوّلت إلى كتلة سوداء بالكامل!

«آش... آآآشــــتــــار!!!!»

زمجر بصوت هادر، وقد بلغ به الغضب أشدّه.

«أيتها المعتوهة المختلّة، يا عديمة العقل!!!!»

واصل الصراخ، وقد فاض به الغضب.

ثم استدار فجأة نحو الفارس الواقف خلفه، وصاح:

«أين هي؟!!»

«أنا هنا.»

جاءه صوت بارد لا مبالٍ من خلفه.

كانت آشتار.

«أنا هنا؟! أتمتلكين الجرأة على المثول أمامي وكأنك لم تفعلي شيئًا؟!»

«لكنني لم أفعل شيئًا حقًا...»

تمتمت، متجنبةً النظر في عينيه عمدًا.

«أختي العزيزة، هل قررت الجدران فجأة أن تطلي نفسها باللون الأسود؟!»

«ذلك... أردت فقط أن أُجري بعض التغييرات على ديكور الغرفة.»

عذر اقبح من ذنب .

«وما شأن غرفتي بذلك؟!»

تحدثت بصوت خافت، كطفلة صغيرة تحاول الدفاع عن نفسها. لكن ما إن أدركت مدى خفوت صوتها حتى انفجرت كبركان ثائر:

«أنت أخي العزيز، لذا بالطبع— يا رجال انقلع!»

«هاه! هل شتمتِني للتو؟!»

أجابته ببرود تام، وكأن الأمر لا يعنيها في شيء:

«أجل.»

«أجل؟!! إن لم تقدّمي لي سببًا مقنعًا لهذا التصرف الأحمق حالًا، أقسم أنني سأُشعل النار في رأسك المتيبس!»

كان أستاريوس يفقد صبره سريعًا. فالحديث مع هذه الفتاة التي لا تكف عن المراوغة والالتفاف حول الكلام كان يذكّره بنفسه كثيرًا حين يوبخه والده.

يا له من تشابه مزعج وغير ضروري في شخصيتيْنا...

فكر وهو يمسح وجهه بكفّه من شدة الإحباط.

«هاه؟»

تمتمت مرتبكة قليلًا، وقد انعقد حاجباها.

«صدقيني، أنا لا أمزح!»

صاح بحدة، محدقًا فيها بنظرات ممتلئة بالاستياء.

«أنا أختك الوحيدة!»

ألقت بهذه العبارة وكأنها ورقة رابحة ستجبره على العفو عنها.

لكن، لسوء حظها، لم تنجح حيلتها مع أستاريوس.

«أختي الوحيدة؟ تبًّا لهذا الكلام! من كانت تواسيني كلما شعرت بالتعب؟ أنتِ أم غرفتي؟!»

«تسك ، تباً »

تمتمت وهي تنقر بإصبعها بحسره ، فلم تنجح هذه الحيله .

«لقد بدأت أفقد أعصابي حقًا!»

حذرها بنبرة حادة كالشفرة.

«لقد رأيت وجهًا مشؤومًا، حسنًا؟!»

«...؟»

«كان يشبه الغول! بل إنه لم تكن له ملامح أصلًا... حقًا لا أفهم لماذا علّقت صورته في كل مكان!»

أدرك أستاريوس أخيرًا عمّن كانت تتحدث.

اللوحات المعلّقة في غرفة تبديل الملابس.

لوحات ولي العهد، ألفريد دي فالوا.

رمقها بنظرة كادت تفتك بها.

«هل تقولين لي الآن... إنك أضرمتِ النار في غرفتي بسبب—؟»

«—غرفتي أنا.»

«لقد امتدت النيران إلى اجزاء من غرفتي أيضًا! وهذا يعني أنك أحرقتِ غرفتي أنا كذلك!»

(في الواقع، لم تتضرر أجزاء متفرقة من غرفته فحسب، بل دُمّر نصفها بالكامل.)

وبعد لحظة صمت، أضاف:

«...لا تقاطعيني!»

«أحم، أحم. أين كنا؟»

«عند السبب الذي دفعك إلى إحراق المكان.»

«آه، صحيح!»

عاد إلى الصراخ مجددًا:

«كل هذا لمجرد أنك لم تطيقي رؤية وجه ولي العهد؟!!»

«وماذا كان عليّ أن أفعل؟ لم أُطق النظر إلى وجهه، لذا أحرقت المكان.»

بررت تصرفها وكأنها لم تكن تملك خيارًا آخر.

«تذكري أنك أنت من علّق تلك اللوحات في المقام الأول!»

«كنت غبية آنذاك، لكنني لم أعد كذلك الآن!»

نظرت إليه بعيني جرو صغير، محاولةً استدرار عطفه والتظاهر بأنها الضحية.

هل ستنجح هذه الحيلة؟

«آشتار... هل تظنين حقًا أن تضييق عينيك الصغيرتين سيجعلك تبدين لطيفة؟»

«تبًّا— ما مشكلتك مع عينيّ أصلًا؟!»

«على أي حال... حسنًا، أحسنتِ. لن أعاقبك!»

«ها؟»

«حين يتعلق الأمر بذلك الوغد، يمكنني تفهّم مقدار الكراهية التي تحملينها تجاهه. لذا، سأعفو عنك.»

(كان يقصد ولي العهد بالطبع.)

«ه-هكذا ببساطة؟!»

«أجل، بهذه البساطة.»

رفع أستاريوس يديه، وراح يلوّح بهما يمينًا ويسارًا بحركة انسيابية. وما هي إلا لحظات حتى انبثق ضوء ساطع، وعادت الغرف المدمرة إلى حالتها الأصلية ، بل بدت وكأنها أحدث عهدًا مما كانت عليه سابقًا!

«ما هذا؟»

قالت و تعابير من عدم التصديق تعتلي وجهها

«السحر.»

«لاااا! أعني، إذا كنت تستطيع إصلاح المكان بهذه السهولة، فلماذا أحضرتني إلى هنا وألقيت عليّ محاضرة من الأساس؟!»

شهقت آشتار من شدة الصدمه و الغضب.

« أجل ، ولكن ماذا لو لم أكن أمتلك السحر؟»

ثم تابع حديثه بسلاسة:

«لهذا السبب وبّختك.»

صرخت بغيظ شديد:

«لَكِنَّكَ تَمْتَلِكُ السِّحْرَ الآن!!!!!!»

وبكل لا مبالاة، حكّ أذنه ثم أشاح بنظره بعيدًا.

«أجل، أعلم.»

«أيها الوغد الحقير!!!»

بدت انها على إستعداد لإلقاء محاضرة عليه لكن :

«وغد؟ لحظة، انتظري... أليست هذه ملابسي التي ترتدينها؟»

«...»

وفي لمح البصر، اختفت من مكانها، لتظهر مجددًا عند الطرف الآخر من الرواق.

«..ايتها ال— آآآآشــــتــــار!!!!»

دوّى صوت أستاريوس مجددًا، لكن هذه المرة كان غضبه أشد من ذي قبل.


كانت آشتار تستعد حاليًا لجولة تعريفية في أرجاء القصر.

فمنذ تلك الحادثة التي وقعت قبل ثلاثة أشهر، بدا وكأنها فقدت جزءًا من ذكرياتها.

«لنبدأ بالطابق الأرضي، صاحبة السمو.»

قالت الخادمة ذلك ، وهي تتقدم أمام سيدتها لإرشادها.

سارت آشتار خلفها بصمت.

«هذا هو جناح الاستقبال بالكامل، وبعده توجد قاعة خاصة في منطقة الانتظار.»

كان مليء بالغرف ، هو ببساطه واسع و كبير لحد الجنون .

«واو! وهذا كله ليه؟»

«عفوًا؟»

أطلقت آشتار تنهيدة متعبة، ثم أعادت صياغة سؤالها:

«أعني، ما الغرض من كل هذا؟»

«آه، هذا الجناح مخصص للأشخاص الذين يأتون لتقديم مقترحات العمل، أو لمن لديهم مواعيد خاصة مع صاحب السمو الأرشيدوق الأكبر أو السيد الشاب.»

توقفت الخادمة قليلًا قبل أن تضيف:

«كما يُستخدم أيضًا لاستقبال صاحب السمو الأمير الثاني، كونه سيد برج السحر.»

تمتمت آشتار بصوت خافت:

«متغطرس حقير...»

«عفوًا؟ هل قلتِ شيئًا، صاحبة السمو؟»

«تابعي السير فحسب.»

«وهذه هي قاعات الرقص، ومن هنا...»

وبعد أن تجولتا في الأجزاء الرئيسية من القصر، بدأتا بالتوغل أكثر في أجنحته الداخلية.

«هذا هو المطبخ.»

«إيييع!»

«وهذه قاعة الطعام.»

«أووهوهو~»

«وهذا الجناح مخصص لسكن الخدم.»

«...»

«وأيضًا...»

وأخيرًا، انتهت الجولة التعريفية.

وقفت آشتار الآن أمام الدوق الأكبر، الذي كان يجلس خلف مكتبه الفخم.

«كيف كانت جولتك الاستطلاعية؟»

«أمم، تمام تمام»

«...ما أكثر شيء أعجبك في هذا القصر؟»

«قاعة الطعام.»

«شعور متبادل ، و أيضاً ؟ »

«...ساحة التدريب في الخارج.»

«ماذا؟»

يبدو أن آشتار كانت تفكر في تعلم المبارزة بالسيف.

وكان ذلك أكثر اقتراح صادم يسمعه الدوق الأكبر في حياته، بل أشد صدمة حتى من اقتراح يوليوس بأن يموت والده و يقوم هو بتولي المنصب من بعده .

ومع ذلك، لم يُبدِ الدوق الأكبر أي اعتراض، بل وافق ببرود قائلًا:

«جيد. من الأفضل أن تشغلي نفسك بشيء جديد، وتتوقفي عن إزعاجي.»

لكن اعتراضًا مدويًا انطلق من خلف باب المكتب، قبل أن يُفتح بعنف:

«مستحيل!! أنا أعترض!!»

« وش دخلكك؟»

قالت آشتار بانزعاج.

«ما الذي جاء بك إلى هنا أصلًا؟»

سأل الدوق الأكبر، الذي بات بالكاد يتعرف على ابنه بسبب اختفائه المتكرر.

«أبي، هذا غير معقول!! لا يمكنك السماح لها بالتدرب على المبارزة بالسيف!»

«همم، ولماذا لا؟»

أجاب الدوق الأكبر ببرود مع تعابير على عدم المبالاه .

«إنها مجنونة! أنت تعلم أنها مختلة ولا تمتلك خلية دماغية واحدة، ومع ذلك تنوي تسليمها سيفًا؟!»

«لا بأس. فأنت مجنون أيضًا، ومع ذلك علمتك السحر.»

«هل تمزح معي الآن؟؟؟؟»

كان واضحًا أن الدوق الأكبر قد استُنزف تمامًا بسبب أطفاله الثلاثة، ولم يعد يكترث لما يفعلونه. كل ما كان يشغل باله هو التأكد من أنهم لن يتسببوا له بمزيد من الصداع.

كل ما أراده هو إبقاؤهم منشغلين بأي شيء!

ولهذا السبب، ألقى بجميع الأعمال الإدارية للأرشيدوقية على عاتق يوليوس.

وأرسل أستاريوس في مهمات بالغة الخطورة، متذرعًا بأنه ساحر قوي ولن يموت بسهولة.

أما آشتار، فأخذ يرسلها إلى الحفلات الاجتماعية وإلى العاصمة، فقط كي لا يضطر إلى رؤية وجهها المزعج .

يا لها من عائلة منحطة حقًا!

— طَق، طَق، طَق —

«ادخل.»

دخل يوليوس حاملًا كومة من المستندات. وما إن وقعت عيناه على الفوضى المجتمعة حول مكتب الدوق الأكبر، حتى تراجع خطوة إلى الخلف وأغلق الباب خلفه مباشرةً.

«...»

«هل تجاهلنا للتو؟»

علّق الدوق الأكبر.

«أجل.»

أجاب أستاريوس وآشتار في الوقت نفسه.


في قاعة الطعام، جلست العائلة السعيدة (البائسة) حول مائدة العشاء، يتناولون طعامهم في صمت مطبق.

إلى أن قررت آشتار أخيرًا كسر ذلك الصمت.

«سمعت أن هناك الكثير من الشائعات السيئة التي تدور حولي.»

— واصل الجميع تناول طعامهم دون أن يبدوا أي اهتمام. —

«مهلًا! أنا أتحدث إليكم!»

«ليس بالأمر الجديد.»

علّق يوليوس.

«ماذا؟»

وأضاف أستاريوس:

«ثم إنك لم تبدئي بالاهتمام بذلك إلا الآن؟»

«أجل، وأريد أن أضع حدًا لها.»

«كفّي عن هذا الهراء، و أرجو ان تقومي بإعادة ملابسي!»

تجاهلته، ثم التفتت نحو الدوق الأكبر قائلة:

«أريد تصحيح الشائعات المنتشرة عني.»

«افعلي ما تشائين. فقط تجنبي اللجوء إليّ ما لم تكن هناك حالة طارئة فعلًا.»

حدّق الأشقاء الثلاثة في والدهم، الذي واصل تناول طعامه بهدوء وبرود تامين، وكأن الأمر لا يعنيه مطلقًا.

ثم قالوا جميعًا في آن واحد:

« ونعم الوالد!»

«شكرًا لكم.»


كانت الخطوة الأولى لتصحيح الشائعات المحيطة بها هي اكتشاف ماهية تلك الشائعات، ومعرفة الأسباب التي أدت إلى انتشارها.

أوه... اتضح أنها هي السبب بنفسها.

لا بأس، لا مشكلة في ذلك.

فكل ما عليها فعله الآن هو نشر شائعات جديدة، مع إضافة بعض المبالغات إليها حتى تتحول إلى حديث الساعة بين النبلاء، وبذلك تجبر الجميع على نسيان الشائعات السابقة.

وبالفعل، كانت أول شائعة أطلقتها على النحو التالي:

«يا إلهي! هل علمتم أن ابنة الأرشيدوق الأكبر ليست سوى فتاة منتحلة؟!»

«ماذا تقصدين بمنتحلة؟»

«سمعت أن السيدة الحقيقية كانت تكره المناسبات الاجتماعية، لذا فإن الفتاة التي اعتدنا رؤيتها طوال هذا الوقت لم تكن سوى خادمة تتظاهر بأنها هي!»

«ماذا؟! كيف يمكن أن يحدث ذلك؟!»

«لا أعرف التفاصيل كاملة، لكنهم عاقبوها بشدة بعدما انكشف أمرها لانتحالها شخصية ابنة الارشيدوق الأكبر الموقرة!»

«مستحيل! كيف لم يلاحظ أحد ذلك؟!»

«في الواقع، كانت السيدة آشتار طوال هذا الوقت فرد العائلة الوحيد الذي يظهر في المناسبات الاجتماعية.»

«إذًا... هل تخبرينني أن تلك الشائعة صحيحة فعلًا؟!»

وهكذا، بدأت الشائعات تنتشر على نطاق واسع، إلى أن أخذت تتشعب وتتحول تدريجيًا إلى ادعاءات تزعم أنها ممسوسة بروح شريرة، وغير ذلك من الأقاويل المشابهة.

وفي أثناء ذلك، كانت آشتار قد بدأت تدريبها على المبارزة بالسيف رسميًا.

ومع مرور الوقت، بدأت تشارك الفرسان في المهمات التي تُكلّف بها الأرشيدوقية، وترافقهم في رحلاتهم إلى مختلف المناطق .

ومضت ثمانية أشهر منذ تلك الحادثة المشؤومة.

كان السيد الشاب قد أمرها بتفقد أحد المناجم الواقعة في أعماق الغابة.

لكن، وكما جرت العادة مع حظها العاثر، انهمر المطر بغزارة من السماء، ما اضطرهم إلى إيقاف تقدمهم بسبب وعورة التضاريس، فضلًا عن الظهور المتكرر للوحوش في مثل هذه الأجواء الممطرة.

وفي أثناء ذلك، لمح أحد الفرسان كوخًا تتصاعد الأدخنة من مدخنته، وسط مرج واسع يقع في قلب الغابة.

وهذا يقودنا إلى اللحظة الراهنة.

كانت آشتار تقف مباشرة أمام باب المطبخ.

فبسبب ما أخبرها به ذلك الفارس، أصبحت الآن على وشك اكتشاف حقيقة مؤلمة.