أغمضت عينيها فجأة وأطلقت صرخة مرعوبة.
لقد بدا الأمر حقًا وكأنها ستفقد عينيها هذه المرة!
« ... »
لم يحدث شيء؟
فتحت عينيها ببطء.
« !!! »
كان طرف المقص المعدني الحاد يحوم مباشرة فوق عينيها، ولم تفصله عنهما سوى بضعة سنتيمترات!
« آآآآآه!! »
استولى عليها الذعر. فأي حركة خاطئة قد تجعل طرف المقص يخترق عينها، بينما كانت تلك الفتاة تحدّق بها بنظرات مرعبة!
« .... »
« بأعد حتى ثلاثه ، إن خلصت عد و باقي ما طلعتي من الغرفه... »
ابتسمت حينها ابتسامة أشبه بابتسامة مجنونة، ثم رفعت المقص ووجّهت طرفه مباشرة نحو عينها
« أظن أنك تعرفين الباقي »
« م-ماذا؟! »
واصلت الخادمة البكاء بصمت، ولم تفعل شيئًا سوى انتظار تلك الفتاة المجنونة حتى تنهض عنها، لتتمكن من الفرار خارج الغرفة.
وما إن نهضت آشتار، حتى اندفعت الخادمة نحو الباب، لكنها سقطت أرضًا من شدة ارتباكها وذعرها. وفي تلك الأثناء، راحت آشتار تفتح شفرات المقص وتغلقها بعنف، مطلقةً صوتًا معدنيًا حادًا تردّد صداه في أذني الخادمة المرتعبة.
كان ذلك تهديدًا واضحًا لا لبس فيه.
تفعل ذلك فقط حتى يزيد اثر الترهيب النفسي .
لم تكلف الخادمة نفسها حتى عناء الالتفات إلى الخلف، بل أخذت تزحف حتى وصلت إلى الباب. فقد خانتها ساقاها تمامًا؛ حاولت بكل ما أوتيت من قوة الوصول إلى مقبض الباب، لكن الرعب الذي استولى على قلبها منعها حتى من الوقوف.
وفجأة، انطلق صوت من خلفها:
« ثلاثة! »
« آآآآآه!! »
سحبت الباب بعنف وفتحته، ثم راحت تتخبط خارجةً منه على أطرافها الأربعة. حاولت النهوض، لكنها سقطت مجددًا، فواصلت الزحف مبتعدةً عن المكان.
أغلقت آشتار الباب دون أن تكلف نفسها عناء إلقاء نظرة إلى الخارج. ثم استدارت مبتعدةً بصمت، وأخذت تتمايل يمينًا ويسارًا وهي تتجه نحو السرير، قبل أن تنهار على الأرض.
حدّقت في قطرات الماء المتساقطة من وجهها.
آه...
لقد كانت تبكي.
تبكي بصمت.
حتى شهقاتها كانت صامتة تمامًا.
كل ما تمنته في تلك اللحظة هو أن يكون كل ما تمر به مجرد كابوس مروّع، سرعان ما يتلاشى بمجرد استيقاظها.
لكنها سمعت صوتًا من خلفها مجددًا.
يا إلهي، هل عادوا بهذه السرعة؟
لقد تعمّدت إخافة تلك الفتاة حتى لا يأتي أحد آخر.
كان عقلها عاجزًا تمامًا عن استيعاب ما يحدث. عشرات الأسئلة أخذت تتزاحم في رأسها دون توقف.
ما اسمها الآن؟
من تكون حقًا؟
هل كانت حياتها بأكملها مجرد حلم؟
هل هي حقًا آشتار فون الديريمونت؟
وهل لديها بالفعل أخوان أكبر منها؟
ففي ذكرياتها، كانت لديها أخت صغرى.
إذًا، ما هذا الهراء بحق السماء؟! كيف يمكن للإنسان أن يحلم بحياة كاملة في عالم مختلف تمامًا عن هذا العالم؟!
هذا العالم يمتلك السحر والوحوش والمخلوقات الغريبة.
أما العالم الذي عاش في ذاكرتها، فلم يكن يحتوي على أي من هذه الأمور العبثية.
ففي هذا العالم، توجد الأكاديميات ودروس السحر وفنون المبارزة بالسيف.
كان عالمها السابق مشابهًا لهذا العالم إلى حد ما من هذه الناحيه ، لكنه لم يكن مطابقًا له.
ماذا حدث حقًا؟
وكيف يمكنها العثور على إجابة لكل هذه الأسئلة المتدفقة في رأسها؟!
انفتح الباب مجددًا بصرير خافت.
انتفضت آشتار، والتقطت المقص وبدأت تتراجع إلى الخلف.
لكن هذه المرة، لم تكن القادمات خادمات... بل شخصًا آخر.
***
لقد أمضت شهرًا كاملًا منعزلة داخل غرفتها. واتضح أنها تعرضت لحادث عربة، وظلت في غيبوبة لمدة أسبوع كامل.
هل يستطيع العقل حقًا اختلاق حياة كاملة، مليئة بالمشاعر والأحداث، خلال أسبوع واحد فقط؟!
كان هذا السؤال يدور في رأسها بلا انقطاع.
— طَق، طَق، طَق —
كسر صوت الطرق على الباب صمت الغرفة.
« ....ادخل. »
قالتها بصوت خافت وفاتر.
دخل شاب طويل القامة، ذو شعر أسود، يرتدي ملابس فاخرة رغم بساطة تصميمها. وكان شعره يصل إلى أسفل عنقه.
كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها بعينيها.
ومع ذلك، فقد تعرّفت عليه من خلال ذكرياتها.
أستاريوس فون الديريمونت... شقيقها الأكبر، والأمير الثاني للأرشيدوقية الكبرى.
جلس إلى جوارها وسألها:
« كيف تشعرين الآن؟ »
« ... »
« بأني لا أنتمي إلى هذا العالم. »
« و أيضاً؟ »
« أني لست آشتار... وأني عشت حياة ثانيه هاذي مو حياتي... »
« .... »
تغيّرت ملامح وجهها، وكأنها على وشك البكاء.
« هل أنا... مجنونة؟ هل كان كل الي عشتُه كذبة؟ »
من يستطيع مواساتها في حالة كهذه؟
لا أحد.
لم يكن بمقدور أحد فهم ذلك الشعور الطاغي الذي يمزّقها من الداخل.
ابتسم أستاريوس وهو ينظر إليها.
كان الحل الوحيد الآن هو إقناعها بأنها تنتمي إلى هذا العالم. فلم يكن هناك ما يمكنه إعادتها إلى رشدها سوى ترسيخ قناعة في نفسها بأن كل تلك السنوات التي عاشتها لم تكن سوى محض خيال.
ربّت على رأسها برفق وقال:
« أنتِ لستِ مجنونة، وليس كل ما عشتِه كذبة. »
« إذًا ؟ »
« ....لا أستطيع تفسير ذلك. »
« ؟ »
« بعد ذلك الحادث المروّع، استدعاني الأب وأخبرني أن ابنته فقدت عقلها وأصبحت تهذي بكلام لا معنى له. لكن بعد رؤيتك الآن، اتضح لي أنكِ ببساطة لا تزالين مرتبكة بسبب الوهم الذي عشتِه خلال غيبوبتك. »
« ... »
لم تكن تريد سماع ذلك.
كانت تريد أن تعرف أن كل ما عاشته لم يكن كذبة، لأن ذلك الوهم ظل يدور في رأسها وكأنه حقيقة مطلقة.
ومع ذلك، لم تستطع إنكار شعورها بأن هذا العالم حقيقي أيضًا.
وبما أنها موجودة في هذا العالم، وتستيقظ كل صباح داخل هذه الغرفة نفسها...
بدأ عقلها المنهك يتقبل الأمر ببطء، ويقتنع بأنه لم يكن سوى وهم.
أجل... مجرد وهم...
« لكن، هل تعرفين شيئًا؟ »
نظرت إليه، متسائلة عما سيقوله بعد ذلك.
ابتسم وأكمل:
« أنا سعيد لأن ذلك الوهم ساهم في تغيير شخصيتك وصقلها إلى هذا الحد. »
عقدت حاجبيها.
« هااه؟ »
ابتسم ابتسامة عريضة، ثم ربّت على رأسها بقوة أكبر قليلًا.
« أعني، انظري إلى نفسك الآن! لو كانت شخصيتك كما في السابق، لكنتِ تصرخين في أرجاء المكان كالمجنونة! »
حسنًا، لقد صرخت بالفعل كالمجنونة، بل وأسوأ من ذلك... لكن ذلك لم يستمر سوى ليوم واحد.
أما شخصيتها السابقة، فكان من الممكن أن تواصل نوبات الجنون تلك إلى أجل غير مسمى.
« عليكِ أن تتعافي بسرعة، »
أضاف.
« ففي النهاية، لا معنى لأن تحبسي نفسك داخل غرفة بسبب مجرد وهم، أليس كذلك؟ »
كان يحاول مواساتها، ولهذا ظل يتصرف بعفوية شديدة، وكأنه يعرفها حق المعرفة... وكأنهما عاشا معًا لسنوات طويلة.
وكأنهما شقيقان حقيقيان.
فأستاريوس كان يدرك مدى الألم الذي يشعر به المرء حين يفقد كل شيء.
مرّت ثلاثة أشهر الآن.
بدأت آشتار تتعافى تدريجيًا، لكن المثير للاهتمام أنها، وخصوصًا منذ بداية هذا الشهر، أخذت تثير المتاعب بلا توقف.
على سبيل المثال، في بداية الشهر الثالث:
حدّقت في الخادمة الواقفة أمامها وسألتها:
« وين دولاب الملابس؟ »
بعد شهرين متواصلين من العزلة، بدأت تنسى حتى مكان غرفة تبديل الملابس. فطوال هذين الشهرين، لم ترتدِ سوى أثواب النوم بمختلف أشكالها وألوانها.
لم تستوعب الخادمة سؤالها تمامًا.
« مـ... عفوًا؟ »
تنهدت آشتار وعدّلت صياغة سؤالها قليلًا، وقد ازدادت حدة نبرتها:
« أين أجد خزانة الملابس؟! »
« آه! آه! بالطبع، صاحبة السمو، من هنا! »
فتحت الخادمة الخزانة الضخمة.
يا إلهي...!
اتسعت عينا آشتار دهشةً مما وقع عليه بصرها.
كانت الخزانة مكتظة بفساتين وردية وفوشية، مصممة خصيصًا للفتيات المراهقات! وليس هذا فحسب، بل كانت جميعها فضفاضة للغاية، ولا تناسب آشتار إطلاقًا.
ومع ذلك، لم يكن هذا أكثر ما لفت انتباهها.
بل كانت الصور المعلّقة في كل مكان!
صور لشاب وسيم، أشقر الشعر، أزرق العينين.
« مـ... من هذا؟!!! »
« آه، صاحبة السمو... تلك صور صاحب السمو ولي العهد. فأنتِ من أشد المعجبات به... »
أما الفكرة الوحيدة التي راودت آشتار في تلك اللحظة، فكانت:
من يكون هذا الرجل بحق السماء حتى يحظى بكل هذا الاهتمام مني؟! أعني، كيف يجرؤ أصلًا؟!
« ولاعة... »
« هااه؟ »
« أريد قداحةً ! الآن!! »
« حـ... حاضر! »
أسرعت الخادمة لإحضار القداحه لسيدتها، وهي تتساءل في حيرة عما تنوي فعله بها.
وما إن عادت بها، حتى تحدثت آشتار مجددًا:
« لقد نسيت. أحضري لي بعض الزيت أيضًا. »
« زـ... زيت؟!!! »
هل تنوي إحراق المكان بأكمله أم ماذا؟!
« هل ستجبرينني على تكرار كلامي؟ »
« طـ... بالطبع لا! »
سكبت آشتار الزيت على الملابس في كل زاوية وركن، ولم تترك موضعًا دون أن تغمره به.
ثم مدت يدها إلى الأمام، وأشعلت الولاعة قائلة:
« تراجعي. »
أسقطت الولاعة على الأرض، وفجأة...
— بووووم! —
اندلعت النيران في كل مكان، وراحت تلتهم الفساتين والجدران، بينما كانت آشتار تراقب المشهد ببرود تام.
أما الخادمة، فهرعت مذعورة لإبلاغ الدوق بأن صاحبة السمو الأميرة قد أضرمت النار في غرفتها وأحرقتها بالكامل.
خرجت آشتار من الغرفة بهدوء، والتقطت المقص، ثم وقفت أمام المرآة محدّقة في انعكاس صورتها.
وفي تلك الأثناء، كانت النيران تلتهم الجدار الواقع على يمينها.
حسنًا، لا يزال أمامها خمس دقائق قبل أن تنتشر النيران في الغرفة بأكملها.
وهذا يعني أن بإمكانها الاسترخاء وفعل ما يحلو لها خلال تلك المدة.
« سيدي!! صاحب السمو الدوق الأكبر!! »
كانت الخادمة تركض بسرعة جنونية، حتى إنها انهارت أمام باب المكتب بعدما خارت ساقاها من شدة التعب.
« سيدي!! »
لكن صوتًا من خلفها قاطعها.
كانوا ثلاثة فرسان وخادمين يركضون بأقصى سرعتهم باتجاه المكتب.
« سيدي! القلعة تحترق!!! »
خرج الدوق الأكبر وابنه البكر من المكتب، وقد أثار الضجيج فضولهما لمعرفة سبب هذه الجلبة.
« غرفة صاحبة السمو الأميرة!! »
أسرع الخدم والفرسان لإخماد الحريق قبل أن يمتد إلى بقية أرجاء القلعة، بينما أمر الدوق الأكبر باستدعاء آستاريوس فورًا.
وعندما وصلوا إلى آشتار، وجدوها واقفة أمام المرآة، والنيران تلتهم الغرفة من حولها، بينما تناثرت خصلات طويلة من شعرها الأسود على الأرض.
« مـ... ما هذا؟!! »
شهقت الخادمة المسؤولة عن خدمة آشتار، وقد ارتسمت على وجهها ملامح صدمة شديدة.
فحين رأت كل ذلك الشعر الذي اعتنت به بصدق وإخلاص يتساقط على الأرض وكأنه لا يساوي شيئًا...
أخذت تزحف نحو قدمي آشتار، وجمعت خصلات الشعر المتناثرة بين يديها وكأنها تحمل شيئًا ثمينًا للغاية.
وانهمرت الدموع من عينيها وهي تضم الشعر إلى صدرها بقوة.
« وااااااه! كنزي الثمييين!! »
« هيا، إنه مجرد شعر، »
قالت آشتار.
ما هذا الهراء؟
كان ذلك هو المعنى الواضح الذي تعكسه ملامح وجه آشتار.
هل كان هذا الشعر ثمينًا إلى هذه الدرجة بالنسبة للخادمة؟
ممم، لا يهم.
فكرت في نفسها، وهي تفرك أذنيها بلا مبالاة.
حسنًا، لم يكن من المستغرب أن تكون الخادمة محطمة إلى هذا الحد؛ فهي من كانت مسؤولة عن تصفيف شعر آشتار والعناية به.
وها هي آشتار تأتي بكل برود وثقة، وتقصه أمام عينيها وكأنه لا يعني لها شيئًا على الإطلاق!
وبينما كانت الخادمة على تلك الحال، انهار الدوق على ركبتيه، محدقًا في حالة ابنته بصدمة لا توصف.
كيف أمكنها فعل ذلك؟!
لم يكن ما يشغل باله هو الغرفة المشتعلة، ولا الدخان المتصاعد الذي بدأ ينتشر في كل مكان.
بل كانت قصة الشعر الجديدة التي منحتها آشتار لنفسها!
فكل ما حرص على الحفاظ عليه من مظاهر أنوثتها في الماضي، اختفى في لحظة واحدة.
« الـ... الشعر!!! »
وبدأ بالبكاء مثل الخادمة تمامًا، وهو يجمع خصلات الشعر بين يديه ويضمها إليها، بينما صرخت آشتار:
« هل تمزحون معي؟! »
كان يوليوس يقف بجوار الفرسان، يحدّق في هذا المشهد العبثي بوجه خالٍ من أي تعبير.
« ... »
« أطفئوا النيران قبل أن تنتشر أكثر. وتأكدوا من استدعاء آستاريوس ووصوله في أسرع وقت ممكن. »
« أمرك، أيها السيد الشاب! »
تحرك الفرسان لتنفيذ أوامره، بينما ألقى يوليوس نظرة أخرى على والده، الذي كان لا يزال يبكي بصمت وهو يقبض على خصلات الشعر بين يديه.
« أبي... كفّ عن تصرفاتك السخيفة وانهض عن الأرض. »
« لكن... »
« أنت مثير للشفقة حقًا. أتمنى بصدق أن تلتهمك هذه النيران مع الجميع هنا. »
« هااااااه؟! »
انفجر كل من الدوق الأكبر وآشتار في اللحظة نفسها، ثم اندفعا خارج الغرفة ليصرخا في وجه يوليوس مباشرة .
وفي تلك الأثناء، دخل أحد الخدم إلى الغرفة وسحب الخادمة إلى الخارج، بعدما ظلت متشبثة بخصلات الشعر على الأرض، رافضةً التخلي عنها.
« كنزييييي! واااااه!! »
***
« مـ... ما كل هذا؟!!! »
صرخ آستاريوس .