NOVELFLEX

الكوخ 2 :

three Arab girls in a romantic novel · بقلم sosoly

— طَق، طَق، طَق —

خيّم الصمت على الغرفة، ولم يكن يُسمع سوى صوت الطرقات على الباب، وهدير المطر الغزير في الخارج.

كانت لوليت مختبئة خلف الأريكة، بينما ابتلعت ميلاني ريقها بتوتر، ثم تقدمت نحو الباب.

ألصقت عينها بالثقب الدائري الصغير المحفور فيه، فرأت فتاة تقف في الخارج، معصوبة العينين، ذات شعر أسود قصير يشبه قصّات الفتيان، باستثناء خصلة واحدة انسدلت فوق كتفها. وخلفها وقف أربعة فرسان يرتدون دروعهم.

التفتت ميلاني من فوق كتفها وهمست على عجل:

«هي برا !!»

«أ-أ-أنا مالي دخل! أنا بريئة!»

أطلقت لوليت صرخة مرتجفة، وقد شحب وجهها من شدة القلق.

وفجأة، ارتفع صوت من خلف الباب:

«مرح نقعد ننتظر حضرتك تحت المطر ، ممكن ينفتح الباب؟»

كانت طريقة حديثها مألوفة بلا أدنى شك، لكن التوتر الطاغي على الموقف حال دون أن تنتبه أيٌّ من لوليت أو ميلاني إلى ذلك.

فتحت ميلاني الباب، وظلت تحدق بصمت للحظات قبل أن تتمكن من رسم ابتسامة متوترة على وجهها.

«أ—اجلل؟»

رمقتها آشتار بنظرة باردة، ثم استدارت نحو فرسانها.

«يبدو أنهما سيدتان نبيلتان.»

قال احد الفرسان .

عادت بنظرها إلى ميلاني، وضيّقت عينيها وكأنها تستجوبها.

« وايش تسوي بنتين في غابه ، داخل كوخ متهالك وبائس مثل هذا؟»

ترددت الفتاتان في الإجابة. فقد شعرَتا بضغط خانق، وبذلك الثقل الذي اعتادتا الشعور به حين التعرض للإستجواب في حياتهما السابقة.

«نـ... نحن في إجازة! قررنا قضاء بعض الوقت بالقرب من الطبيعة.»

أجابت ميلاني، بينما لم يكن يشغل ذهنها سوى سؤال واحد يتردد بإلحاح:

ما الذي أتى بآشتار إلى غابة كهذه بحق السماء؟!

«إجازة؟ وهنا ؟ في غابه كلها وحوش ؟»

«لا، لا! كل ما سمعناه هو زقزقة الطيور فحسب!»

— عواء الذئاب —

— صوت صواعق —

«...»

«..زقزقة الطيور، اجل ها ؟»

شعرت ميلاني حقًا بأن الموقف مألوف على نحو مريب...

تمامًا كما كانت تشعر حين ترتكب خطأً في الماضي، فتتلقى توبيخًا من والدتها... أو حين كانت تعبث مع لوليت، ثم ينتهي بهما الأمر بتلقي محاضرة طويلة من شقيقة لوليت في حياتهما السابقة.

خطت آشتار إلى داخل الكوخ، وتبعها الفرسان واحدًا تلو الآخر.

توقفت للحظة، ثم قالت:

«كأني شفتكم قبل كذا.»

هوى قلب الفتاتين إلى قدميهما.

هل تتذكرنا ؟؟

لا لا ..على اي حال

كيف يمكن لشخص أن يمتلك كل هذه الهيبة المرعبة؟ أكان ذلك لمجرد كونها شريرة هذه القصة؟

بدأ الخوف يتسلل إليهما رسميًا.

واصلت آشتار حديثها بنبرة باردة ومتزنة، ثم جلست على الأريكة ووضعت ساقًا فوق الأخرى.

« ما يهم .»

في تلك الأثناء، توجه الفرسان إلى المطبخ، وأخذ كل واحد منهم كرسيًا، ثم اصطفوا جنبًا إلى جنب أمام الباب مباشرة.

كان الجو في الغرفة مشبعًا بهيبة خانقة.

جلس الفارس الأول في وضعية تكاد تطابق وضعية آشتار.

أما الثاني، فأسند ذقنه إلى يديه، وأخذ يتفحص أرجاء المكان بنظرات بطيئة.

وبدا الثالث هادئًا وساكنًا، ممسكًا بسيفه في صمت تام.

أما الرابع، فقد أخرج سيفه، وراح يصقله بكل أريحية مستخدمًا قطعة قماش أخرجها من العدم.

كان من الواضح تمامًا أنهم يتعمدون بث الرعب في قلبَي السيدتين الشابتين.

لقد تحول الموقف إلى ما يشبه احتجاز خمسة ذئاب في غرفة واحدة مع دجاجتين مرتجفتين!

ألقت آشتار نظرة على الفتاتين، وشعرت بشيء من الشفقة تجاههما. وقررت أن تمنحهما مخرجًا من هذا الضغط الساحق، فتحدثت أخيرًا:

«مافي اي ضيافه ؟»

نهضت لوليت على الفور، وانضمت إلى ميلاني، ثم اندفعتا معًا نحو المطبخ على عجل، وهما تتلعثمان:

«بـ-بالطبع! أمهلينا لحظة فحسب!»

دخلتا المطبخ مسرعتين، ثم أغلقتا الباب خلفهما بقوة.

تبادلت الفتاتان النظرات لبضع ثوانٍ، قبل أن تنفجرا بالهمس المتوتر والمذعور.

«اييش تسوي هنااا؟!»

«ايش عرفني ؟؟ اتمنى تخلص هاذي العاصف بسرعهه!!»

«ماني قادره اتحمل كيف يناظرون لنا»

« ما كأنهم يحاولون يهددوننا ولا اتخيل بس ؟»

«لا يا حبيبتي تأكدي ! ما شفتي كيف يلمع سيفه النظيف ؟؟»

تسربت أصواتهما القلقة من خلف باب المطبخ، ووصلت بوضوح إلى مسامع آشتار وفرسانها.

أما أفراد المجموعة الجالسون في الخارج، فقد ظلت تعابير وجوههم جامدة كالحجر، وكأن ما يجري خلف الباب لا يعنيهم في شيء، مهما بلغت سخافته.

أسندت آشتار رأسها إلى يدها، وغرقت في التفكير.

لماذا ينتابها شعور بأنها قد رأت هاتين الفتاتين في مكان ما من قبل؟

قاطع أفكارها صوت أحد الفرسان الجالسين خلفها:

«ألا تلاحظون أن طريقة حديثهما تشبه إلى حد كبير طريقة حديث صاحبة السمو؟»

خيّم صمت ثقيل على الغرفة...

تشبه طريقة حديث آشتار؟!


[قبل ثمانية أشهر بالضبط:]

كانت مستلقية على سريرها، تتقلب من جانب إلى آخر.

لماذا يبدو السرير أكبر من المعتاد بكثير؟

همم... لا بأس، ليس الأمر مهمًا. ستواصل النوم على أي حال.

رغم أن الشمس لم تكن قد أشرقت بعد، فإنها استطاعت الشعور بضوء ساطع يتسلل إلى الغرفة عبر النافذة.

والأغرب من ذلك أنها لم تكن تسمع صوت مكيف الهواء، رغم أن درجة حرارة الغرفة ظلت معتدلة إلى حد ما.

مدّت يدها نحو المنضدة المجاورة لسريرها، وأخذت تتحسس سطحها بحثًا عن هاتفها لتتفقد الوقت.

لكنه لم يكن هناك.

غريب... أنا متأكدة أنني تركته فوق المنضدة مباشرة. ربما وضعته داخل الدرج؟

فتحت الدرج وأخذت تبحث في محتوياته.

لم تلامس أصابعها سوى بضع قصاصات ورقية وعلبة صغيرة بدت وكأنها علبة مجوهرات.

وكل ذلك، بينما ظلت عيناها مغمضتين بإحكام...

لحظة.

كانت أدراج منضدتها بسيطة وملساء ومربعة الشكل.

فلماذا كان ملمس هذا الدرج مختلفًا تمامًا؟

اعتدلت في جلستها على الفور، وفتحت عينيها لتتفحص الغرفة...

كانت فسيحة، فخمة، ومزينة بطراز أوروبي مترف.

امتدت نافذة ضخمة على مساحة تكاد تغطي جدارًا كاملًا، كما لاحظت وجود ثلاثة أبواب مختلفة على الأقل موزعة على أطراف الغرفة.

كان حجم غرفة النوم وحدها يعادل تقريبًا حجم شقة كاملة!

ما هذا؟

ورغم المشهد العبثي الذي كان أمامها، فإنها لم تستوعب حقيقة ما تراه.

ظنت أنها لا تزال عالقة في حلم، فقررت النهوض والتوجه إلى الحمام، لكن فجأة...

وجدت نفسها تحدق في فتاة طويلة نسبيًا، ذات شعر أسود طويل، وعينين سوداويين حادتين، وملامح ناضجة وباردة.

كانت الفتاة المنعكسة في المرآة ترتدي ثوب نوم مصنوعًا من الحرير الأبيض ومزينًا بالدانتيل.

اجتاحها الدوار فجأة، وفقدت توازنها، فتشبثت بالمرآة الطويلة أمامها بكل ما أوتيت من قوة.

ظلت تحدق في انعكاسها...

كانت هي الفتاة ذاتها تمامًا.

وفجأة، ضربها صداع حاد ومؤلم دون أي مقدمات.

أمسكت برأسها، وأخذت تهوي ببطء حتى لامست ركبتاها الأرضية شديدة البرودة.

كان هناك خطب ما...

شيء خاطئ .

بدأ سيل لا ينتهي من الذكريات يتدفق إلى رأسها، وكل ذكرى منها كانت تخص الفتاة التي تحدق إليها في المرآة...

ما... ما هذا؟!

تسلل رعب بارد إلى أعماق عظامها.

«هاه- هاه— هاااه؟!»

تتنفس بصعوبه كان الأكسجين يأبى الدخول .

بدا السواد في عينيها وكأنه يتلاشى تحت وطأة الرعب الهائل الذي اجتاحها.

وانتشر برد قارس في جسدها، من أطراف أصابعها وحتى رأسها.

سمعت وقع خطوات تقترب.

كانت الشمس قد بدأت تشرق الآن، وقد أمضت نصف ساعة كاملة متجمدة أمام المرآة، تحاول يائسة استيعاب ما يحدث.

لماذا أصبح شعرها أسودً حالكًا هكذا؟! وما خطب هذه الأصابع الطويلة والنحيلة، التي تبدو وكأنها لم تعرف مشقة العمل يومًا واحدًا؟! وما شأن هذه الملابس؟ وهذا المكان؟ وهذا الجسد الغريب الذي لا ينتمي إليها!!!

ومع اقتراب وقع الخطوات، حاولت إقناع نفسها بأنها تهلوس.

ربما اختطفها أحدهم وحقنها بمخدر ما؟!

اندفعت عائدة نحو المنضدة المجاورة للسرير، وأخذت تفتش بجنون عن أي شيء... أي شيء على الإطلاق!

بسرعه!

أسرع !!!

انفتح الباب فجأة، ودخلت فتاتان ترتديان فستانين باللونين الأسود والأبيض.

لم يكن التصميم غريبًا تمامًا عليها، فقد ذكّرها بملابس الخادمات التي اعتادت رؤيتها في الألعاب.

لكن ما أثار استغرابها حقًا هو سبب ارتدائهما لهذه الملابس في هذا المكان!

قشعريرعه بارده سوارتها .

كانت إحداهما تحمل دلوًا ممتلئًا بالماء، بينما دخلت الأخرى خالية اليدين، ثم أغلقت الباب خلفها.

توجهت أنظارهما نحو سيدتهما الواقفة بالقرب من السرير، والتي كانت تحدق إليهما برعب، بينما تخفي يديها خلف ثوبها.

«سيدتي!!!»

«لقد استيقظتِ! أسرعي، أبلغي الدوق الأكبر على الفور!»

اندفعت إحدى الخادمتين إلى الخارج، بينما وضعت الأخرى الدلو فوق طاولة مستديرة، ثم اقتربت من سيدتها وتحدثت بنبرة هادئة:

«سيدتي، هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بأي ألم؟ سيحضر والدكِ برفقة الطبيب بعد قليل، لذا—»

قاطعتها بصرخة مدوية:

«—ب- بعديي!!!»

«بعدي عني! مين انتيي؟!»

ارتسم الذعر على وجه الخادمة.

لم تكن تملك أدنى فكرة عن سبب صراخ سيدتها المفاجئ، لكنها حاولت الحفاظ على ابتسامتها المطمئنة، وتقدمت نحوها رغم ذلك—

— لتُدفع إلى الخلف بعنف. —

«انا قلت بعديي!»

«سيدتي، هل أنتِ بخير؟! ما الذي أصابكِ؟!»

حتى بعد ان دفعتها بقوه واصلت الإقتراب .

شعرت بالتهديد لم تعد الفتاة المذعورة قادرة على التحمل.

فهي لا تعرف ما إذا كانت الخادمة التي غادرت قبل قليل ستعود برفقة حشد من الأشخاص أم لا، وكان ذلك آخر ما تريده على الإطلاق.

لذلك اندفعت نحو الخادمة، وأسقطتها أرضًا، ثم وضعت حافة مقص حادة بالقرب من عينيها مباشرة.

كانت قدر اخرجته من الدرج الأخير في المنضده

«إما تتكلمين ، ولا ودعي عينك للأبد»

قالتها بنبره تهديد ، بينما كانت يديها ترتجف بلا نهايه

كانت تصرخ دون توقف تسأل الخادمه عن اسئله كانت غريبه بالنسبة لها ،

بينما أخذت الخادمة المستلقية تحتها تنتحب ، عاجزة عن فهم كلمة واحدة مما تقوله.

كل ما تمنته هو أن تتمكن من الخروج من هذا المكان و بسرعه.

«أقـ... أقسم لكِ! لا أعرف... لا أعرف عمّا تتحدثين!»

انهمرت الدموع بغزارة على وجه الخادمة، وهي تتلعثم، مرعوبة من أن يغرس المعدن الحاد نفسه في عينيها.

فقدت الفتاة أعصابها.

ماللذي تعنيه بأنها لا تعرف ؟!

من اللذي سيعرف إذا؟!

بدأت تستشيط غضباً فأثناء استجوابها لهذه الخادمة، كان من المؤكد أن الأخرى ستعود في أي لحظة برفقة المزيد من الأشخاص.

إذا لم تنفع التهديدات، فلا بد من الانتقال إلى الأفعال.

وبسرعة خاطفة، هوَت بالمقص نحو الأرضية، مغروسةً إياه بجوار عين الخادمة مباشرة.

أغمضت الخادمة عينيها بإحكام وأطلقت صرخة رعب، عاجزة تمامًا عن فعل أي شيء.

كانت مثبته على الأرض بإحكام .

شقّ جرح طويل جانب وجهها، ممتدًا من جوار عينها حتى أذنها.

لم يكن الجرح عميقًا، لكن الألم الحاد امتزج بالرعب ليضاعف معاناتها.

أخذت الخادمة تبكي دون توقف، وهي تحدق بذهول في دمائها.

وببرود تام، رفعت الفتاة المقص مجددًا وقالت:

«صدقيني، الثانيه صائبه.»

ثم حدقت إليها بعينين مرعبتين، وأضافت بنبرة حادة تنذر بالخطر:

«أين أنا؟!»

«فـ... في الإقطاعية! أقسم لكِ!»

«الإقطاعية؟»

«إقطاعية الأرشيدوق الأكبر!»

«..أرشي—ها؟؟!»

كان الأمر أشبه بشيء ليس غريبًا عنها تمامًا؛ فقد كانت هذه المعلومات محفورة في أعماق ذاكرتها.

ومع ذلك، بدت غريبة تمامًا عن قلبها.

لم تشعر بالأمان، ولم تشعر بأنها تنتمي إلى هذا المكان.

ومهما حاولت استرجاع ذكرياتها، لم تخبرها ذكرياتها الجديدة سوى بأنها موجودة حاليًا في أرشيدوقية الديمونتيا الكبرى، وأنها الأميرة الوحيدة لهذه الأرشيدوقية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل يبدو أن لديها عائلة مختلفة تمامًا الآن.

وماذا عن ذكرياتها الأخرى؟! ماذا عن عائلتها الأصلية؟! وعالمها الأصلي؟! والمدرسة التي كانت تدرس فيها؟!

ماذا حدث لكل ذلك؟!

انطلقت من شفتيها ضحكة هستيرية، بينما رمقت الخادمة المرتجفة تحتها بنظرة جانبية.

«آشتار فون الديرمونت...»

نطقت الاسم ببطء، ثم تابعت:

«هل تقولين لي الآن أن هذا هو اسمي؟»

أومأت الخادمة بسرعة وسط دموعها، عاجزة عن إخراج كلمة واحدة.

لكن ذلك لم يكن كافيًا بالنسبة إلى آشتار.

صرخت بنبرة مهددة:

«أنا اتكلم !!!»

«نـ... نعم! نعم! أنتِ الأميرة الموقرة للأرشيدوقية الديمونتيا الكبرى! أنتِ... أ-أنا لا أكذب!»

رفعت آشتار المقص إلى مستوى أعلى تنظر إلى الدماء التي تغطي اطرافه الحاده ، بينما أخذت ابتسامة مضطربة ومنفلتة تنتشر على وجهها.

« هه .. هههههههه»

«وهل تعتقدين ان مثل هذا الكلام بيقنعني ؟!!»

أمسكت بالمقص بإحكام و رفعته للأعلى فوق عيني الخادمه تماماً

أغمضت الخادمة عينيها بسرعه، بينما هوى الطرف الحاد للمقص نحوها كالشلال المنهمر—

« آااااااهه !!!!!! »

— ─────! —