مرّت ثلاثة أيام في غمضة عين.
كانت آشتار قد أحضرت فرسان قصر الأرشيدوقية لإعادة بناء الكوخ. وأمرتهم باستبدال جميع قطع الأثاث القديمة بأخرى جديدة وفاخرة، وترميم الكوخ نفسه، وبناء أسوار تحيط بحديقة واسعة. بل إنها أحضرت السحرة والمزارعين لزراعة حديقة من الخضراوات والفواكه خلف الكوخ.
ولم يكن ذلك كل شيء، فقد تخلّصت أيضًا من جميع ملابس ميلاني ولوليت [ببيعها]، قائلةً:
«أنا نفسي افهم مين هذا الي يلبس فستان كبر راسه عشان يبيت في كوخ ؟؟ ، كيف دخلتو من الباب بالضبط ؟؟»
في الحقيقة، كانت تلك حربًا سرية فضّلت لوليت وميلاني التزام الصمت بشأنها. ومع ذلك، لم تغب أي تفاصيل عن عيني آشتار.
بل إنها طردت الساحر [المتسوّل]، وأحضرت معلّم السحر الذي سبق أن علّمها فن المبارزة بالمانا، وكلّفته بتدريب الاثنتين وإكمال ما تبقى من تدريب آشتار نفسها.
حدّقت الاثنتان في الكوخ بصمت. لقد أصبح جديدًا ونظيفًا إلى درجة أنهما بالكاد تمكنتا من التعرّف عليه.
قالت لوليت بسخرية:
«اعتقد هاذي الإصلاحات ما تكلف حتى كيس واحد من الذهب.»
«و أنتي ايش تبغين بعد؟!»
ردّت ميلاني بغضب، عاقدةً حاجبيها.
«هاهاهاهاها!»
ركضت لوليت نحو الحديقة، بينما لحقت بها ميلاني وهي تحمل حذاءها في يدها. أما آشتار، فكانت تشرف على أعمال الترميم والملابس الجديدة التي أمرت بإحضارها لهما.
ملابس بسيطة المظهر، سهلة الارتداء، لكنها من أعلى مستويات الجودة .
في الحقيقة، كانت آشتار ترغب في عودتهما إلى الأرشيدوقية الكبرى وترك هذا الكوخ خلفهما. لكن بعد تفكير متأنٍ، تساءلت: ماذا لو أصبح هذا الكوخ مفيدًا لهما في وقت لاحق؟
لذلك قررت ترميمه، وجعله أفضل بمئة مرة مما كان عليه سابقًا، كما ألقت عليه تعويذة وهمية بحيث لا يستطيع أحد العثور عليه، مهما بلغت قوته.
ثم التفتت نحو المشاغبتين، فوجدتهما تجلسان حول الطاولة التي قررتا التخلص منها، وتحدّقان في خريطة طويلة.
بالنسبة لأي شخص عادي، سيبدو المشهد وكأنهما تخططان لأمر عظيم.
لكن آشتار وحدها كانت تعرف الحقيقة...
في الواقع، لم تكن هاتان الغبيّتان تعرفان حتى كيفية قراءة الخريطة، فضلًا عن استخدامها للتخطيط. ولا شك أنهما كانتا تمسكان بقلم في تلك اللحظة، وتحاولان وصل الأنهار بعضها ببعض لتشكيل دائرة.
[وهو بالضبط ما كانتا تفعلانه. ↑]
***
بعد جهد جهيد، دخلن أخيرًا إلى الكوخ.
لقد كان جميلًا حقًا، جميلًا للغاية. فلم تكتفِ آشتار بوضع قطع الأثاث فحسب، بل أضافت أيضًا بعض الزخارف والإكسسوارات هنا وهناك، لتجعل المكان مريحًا للنظر.
وبعد صعود الدرج، ظهرت أمامهن ثلاث خزائن ملابس وثلاثة أسرّة.
كان لكل واحدة منهن سريرها الخاص؛ سرير آشتار تحت النافذة، وسرير لوليت في المنتصف، أما سرير ميلاني فكان بجواره مباشرةً.
سألت آشتار بينما تستعد للإستلقاء في سريرها:
«كم بتقعدون هنا؟»
«شهرين!»
أجابت الاثنتان في الوقت نفسه.
«.....كم لكم في هذا العالم؟»
«ثمانية شهور...»
قالت ميلاني، وهي تحدّق في سقف الغرفة مستلقيةً على سريرها.
«مدري ما حسبت الصدق.»
قالت لوليت بابتسامة بلهاء تعلو وجهها.
أجابت الاثنتان بوجه خالي من التعابير:
«متوقع منكِ.»
في الواقع، كان من المثير للدهشة أن ميلاني احتفظت بحساب دقيق لعدد الأيام التي قضتها في هذا العالم. يبدو أن الصدمة التي خلّفها ذلك اليوم ظلت عالقة في ذهنها، فدفعتها إلى فعل ذلك.
حدّقتا في آشتار، بانتظار إجابتها.
توقفت للحظة قبل أن تقول:
«ثمانية شهور... وقتها كان الفجر، تحديدًا لما بدأت الشمس تشرق.»
تبادلت الاثنتان النظرات للحظة، ثم عادتا إلى النظر نحو آشتار وهتفتا:
«و انا بعد!»
نظرت ميلاني وآشتار كلتاهما إلى لوليت وقالتا:
«تتذكرين انه كان الصبح بس ما قدرتي تحسبين كم لك في هذا العالم؟!»
«مين الفاضي يحسب ؟!»
برّرت لوليت موقفها.
أطلقت آشتار تنهيدتها المرهقة المعتادة، ثم قالت:
«هيا نوم ، وراكم شغل بكره.»
اليوم التالي:
ارتدت كل فتاة ملابس مناسبة للتدريب، بينما وقف المعلّم الجديد أمامهن.
وبينما بدأ يشرح لهن طبيعة المانا، وكيفية استشعارها، وغير ذلك من الأساسيات، بدأ بلوليت قائلًا:
«ضعي يدكِ على البلورة، وتخيّلي ما تتمنين أن تكوني قادرة على فعله. فالسحر انعكاس لمشاعر الإنسان.»
ما إن وضعت لوليت يدها عليها، حتى أضاءت البلورة بلون أخضر زاهٍ.
وبدأت الورود والنباتات تنبت من تحت قدميها.
يبدو أن تخصصها كان سحر الأرض، وهو نوع من السحر الذي يمتلكه عادةً أصحاب القدرات القوية.
ومع ذلك، بالنسبة إلى لوليت، التي كانت تشع بالإيجابية والحيوية وتفيض بالحياة، بدا سحرًا تتفتح فيه الأزهار وتنبثق منه النباتات الخضراء الحية ملائمًا لها تمامًا.
فهي ببساطة إنسانة تحب و تعتز بالشعور بالسعادة؛ وشخصية مثلها لا يليق بها سوى شيء لطيف يتناغم مع طبيعتها الداخلية.
بدت في غاية الحماس، تقفز هنا وهناك، وتجلس تحت كل شجرة، وتحاول نبت وردة.
أطلقت آشتار تنهيدة ارتياح وهي تراقبها، بينما ضحكت ميلاني بخفوت من منظرها.
«حان دوركِ.»
قال المعلّم، ملتفتًا نحو ميلاني التي بدت مرتبكة قليلًا.
في تلك الأثناء، كانت آشتار تحدّق بهما بصمت، متسائلةً:
يا ترى، أي نوع من السحر يعكس ما يكمن في أعماقكِ يا ميلاني؟ ما الذي تتمنينه حقًا؟
ما إن وضعت ميلاني يديها على البلورة، حتى أضاءت بلون أزرق مائل إلى الرمادي.
كان ذلك دلالة على السحر التجريدي، وهو شكل من أشكال السحر الذي يحاكي جميع خصائص أنواع السحر الأخرى، حتى وإن لم يبلغ قوتها الكاملة، محاولًا تحقيق رغبات مستخدمه.
عادةً ما يظهر هذا النوع من السحر لدى الأشخاص الذين يحملون الكثير من الأمنيات، لكنهم مقيّدون بمسؤوليات أو أعباء ثقيلة.
وعلى عكس السحر الأرضي، كانت خصائص سحر ميلاني التجريدي غريبة من ناحية أخرى؛ إذ كانت قادرة على التحول إلى شخص غير مرئي.
كما استطاعت صنع أي شيء تتمناه دون بذل أي جهد، وكان يكفيها أن تتمكن من إلقاء تعاويذ تنتمي إلى أنواع السحر الأخرى، حتى وإن افتقرت إلى قوتها الأصلية.
ابتسمت ميلاني، وقد بدت راضية تمامًا عن قدراتها الجديدة، مفكّرةً في أنها ستساعدها على حل الكثير من مشكلاتها المستقبلية.
وفي الوقت نفسه، تمتمت آشتار في نفسها:
ما الذي كنتِ تتمنينه يا ترى؟ وما المسؤوليات التي كانت تثقل كاهلكِ؟
في الحقيقة، كان هذا السحر يظهر أيضًا لدى فئة أخرى من الأشخاص:
الكسالى.
أولئك الذين يريدون أن يُقدَّم لهم كل شيء على طبق من فضة، دون أن يضطروا إلى تحريك إصبع واحد.
وكانت تلك هي طبيعة ميلاني الحقيقية.
فهي تعشق الكسل والنوم إلى أقصى حد. وليس معنى ذلك أنها عديمة الفائدة بطبيعتها، بل إنها ببساطة تفضّل الراحة على بذل أي مجهود.
لقد كان هذا السحر ملائمًا لها أكثر مما ينبغي.
«وماذا عن آشتار؟»
سألت لوليت، بينما كانت عشرات الأزهار تتفتح خلفها.
أجاب المعلّم، بعد أن أعاد البلورة إلى حقيبته:
«لقد اختارت آشتار المبارزة بالمانا، لذا لا يمكنها أن تصبح ساحرة مثلكما.»
«لماذا؟»
أمالت ميلاني رأسها بحيرة.
«الإنسان الذي لا يمتلك أي رغبات لا يمكنه أن يصبح ساحرًا.»
حدّقت الاثنتان في آشتار.
لا رغبات لديها؟
ومع ذلك، لم تفعل آشتار سوى التنهد، ثم قالت:
«قصر، وخدم، وحشم وكل ما يمكن للمرء أن يحلم به... وش باقي ارغب فيه اكثر من كذا؟»
كانت إجابة مقنعة، خصوصًا عندما تصدر عن آشتار، التي لم تكن تريد سوى السلام والهدوء.
ربما كان سحر ميلاني مناسبًا لآشتار اكثر ، لكن بما أنها لم تكلف نفسها عناء إشغال عقلها بالأمر، فمن المرجح أن البلورة لم تكن لتضيء لها أصلًا.
تحدث المعلّم مجددًا:
«هناك حالات يدمج فيها مبارزو المانا قوتهم مع السحر.»
«؟؟»
«وذلك عندما يشعرون برغبة طاغية تجاه شيء ما.»
التفتت الاثنتان مجددًا نحو آشتار.
لا بد أنها تحمل رغبة ملحّة في حمايتنا، هكذا فكرتا في نفسيهما.
يا ترى، ما نوع السحر الذي سيظهر لديها الآن؟
«خلو هذي الثقه الزايده و ارجعو للتدريب.»
علّقت آشتار كانت تعرف مالذي سيفكران به .
ابتسمت الاثنتان وبدأتا بممازحتها:
«لا يمكنكِ إنكار أنكِ ترغبين في حمايتنا~»
أجابت:
«لا أرغب»
«ماذااا؟!»
«كاذبة!!»
نقرت آشتار جبهة لوليت بأطراف أصابعها، ثم قالت:
«هذي مو رغبة، بل واجب ومسؤولية. ايش فائدة الرغبات إن لم يتبعها فعل؟»
كانت إجابة غير متوقعة.
شعرت الاثنتان بالإحراج، واتسعت ابتساماتهما حتى كادت تمتد من أذن إلى أذن.
لم تستطع آشتار إجبار نفسها على النظر إلى تعابير وجهيهما، لكنها شعرت بابتسامتيهما العريضتين على نحو غريزي.
وكانت تكره حقًا الشعور بالإحراج أو إظهار المودة تجاه أي شخص.
لذا، أمسكت بغمد سيفها، وضربتهما على رأسيهما، قائلةً:
«خلاص يكفي لعب، تدربو!»
تدرّبت لوليت على التحكم في قوتها السحرية تحت إشراف المعلّم.
فالسحر الأرضي يتطلب دقة وتحكمًا عاليين، خصوصًا أن لوليت فتاة نحيلة ورقيقة، على عكس السحرة الذين يمتلكون قدرة جسدية هائلة على التحمل.
أما تدريب ميلاني، فكان اختبارًا لقوة تحملها الذهنية، إذ يعتمد سحرها اعتمادًا كبيرًا على الخيال.
فإذا فكرت في التحول إلى شخص غير مرئي، فستصبح كذلك، وإذا فكرت في المرور عبر الأشياء، فستتمكن من ذلك.
ومع ذلك، كان عليها صقل قدرتها على التركيز الذهني، وإلا فقد تكون نهايتها مروعة إذا انكسرت التعويذة فجأة بينما كانت تعبر أحد الجدران!
أما آشتار...
فكانت ببساطة تحتسي الشاي وتراقبهما.
فلو أرادت التدرب على تقنيات جديدة، كان معلّمها يشرف حاليًا على تدريب لوليت، بينما كان شقيقها يوليوس مشغولًا في الأرشيدوقية الكبرى.
لذلك قررت أنها تفضّل الجلوس ومراقبتهما بدلًا من اتباع روتينها المعتاد.
ومضت الأيام والأسابيع والأشهر.
[شهران فقط. ↑]
وحان وقت عودتهن إلى المنزل.
كانت كل واحدة منهن قد وضعت بالفعل أساس قوتها. أما الباقي، فيعتمد عليهن وعلى ما إذا كنّ سيقررن الالتحاق بالأكاديمية أم لا.
كانت آشتار مستلقية على الأريكة، وقد وضعت وسادة فوق رأسها، بينما كانت ميلاني تخرج أطباق العشاء وترتب المائدة.
«لوليت!! العشاء جاهز!»
نادت ميلاني بأعلى صوتها.
...
لم يصلها أي رد.
«شكلها نامت ؟»
حوّلت نظرها نحو آشتار وقالت:
«اطلعي شوفيها لك شهرين سادحه لا شغله ولا مشغله !»
أجابت آشتار:
«مالك شغل.»
«آشتار!!»
أطلقت آشتار تنهيدة منزعجة، ثم رفعت جسدها ونظرت إلى ميلاني قائلةً:
«طيب، طيب...»
ملأت رئتيها بالهواء، ثم...
«لوووولييييت! انزلي العشااااء جاااهززز!»
صرخت بأعلى صوتها فحسب، كل ذلك لأنها كانت كسولة إلى درجة تمنعها من صعود الدرج.
...
ومع ذلك، لم يصلها أي رد.
ما الذي قد يشغل لوليت إلى هذه الدرجة؟
حتى لو كانت نائمة، فمن المستحيل ألا تستيقظ بعد صرخة كهذه!
تبادلت الاثنتان النظرات للحظة، ثم قررتا الصعود عبر الدرج بهدوء، دون إصدار أي صوت.
كانت ميلاني قلقة؛ هل يوجد شيء ما في الطابق العلوي؟
أما آشتار، فلم تكن تريد سوى التأكد مما إذا كانت لوليت نائمة فعلًا أم أنها تخفي شيئًا.
كان كل ما يدور في ذهن آشتار هو أن لوليت قد تسببت في نوع من المتاعب، وتحاول الآن التستر عليها.
أما لوليت، ففي الحقيقة...
كانت مستلقية على بطنها، واضعةً وسادة تحت صدرها، وتمسك بين يديها شيئًا صغيرًا يصدر ضوءًا وأصواتًا.
كانت تبدو مستمتعة تمامًا، وهي تحدّق فيه باهتمام شديد وافتتان.
وفجأة، قاطعها صوت من خلفها:
«ايش تسوين؟؟»
«!!!!»
أخفت ما كان في يدها على عجل تحت الوسادة، ثم استدارت لمواجهة الفتاتين خلفها، ورسمت على وجهها ابتسامة بلهاء قائلةً:
«هاه؟ آاااا؟ كنت... أقرأ كتاب!»
قالت آشتار:
«لكني ما أحس بوجود شيء يشبه الكتاب عندك؟»
سألت ميلاني:
«لحظه، وش خبيتي؟!»
«ل-ل-ل-لا شيء!!!»
أجابت لوليت على عجل، وقد ارتجف صوتها بينما أخذت تعابير وجهها تتبدل بسرعة من شدة الارتباك والذعر.
«هممم؟؟»
تبادلت الاثنتان النظرات بصمت... وفجأة—
أمسكت ميلاني بلوليت وثبّتتها بإحكام، بينما انتزعت آشتار الوسادة بحركة خاطفة، وإذا به...
«!!!!!»
شهقت ميلاني من شدة الصدمة.
أما لوليت، فغطّت وجهها في يأس تام.
لقد كُشف أمرها.
لكن آشتار لم تستطع معرفة ماهية هذا الشيء المستطيل الصغير الذي أمامها، إذ إنها، للأسف، لم تكن تستطيع رؤيته.
التفتت نحو ميلاني وسألت:
«ايش؟»
أجابت ميلاني، وقد ارتجف صوتها من شدة عدم التصديق:
«ه... هذا....جوااالل!!!»
«......هاه؟»