White Nights
الفصل الخامس: مرآة الغروب
---
منزل فولكونسكي — بتروغراد
الأحد، 12 يونيو 1916
بعد الظهر
---
قضت كلوديا الصباح كله في غرفتها، ولم تفتح الباب لأحد.
جاءت ماريا ثلاث مرات. في المرة الأولى، أحضرت الشاي والخبز المحمص، وقالت إن الجو بارد اليوم، وإن السيدة يجب أن تأكل شيئًا. قالت كلوديا، من خلف الباب المغلق، إنها لا تريد شيئًا. في المرة الثانية، أحضرت الفستان الأزرق من الحفل، مغسولًا، مطويًا، وقالت إن الخادمات سألن إن كانت السيدة تريد أن تلبسه في المناسبة القادمة. قالت كلوديا إنها لا تعرف إن كانت هناك مناسبة قادمة. في المرة الثالثة، لم تحضر شيئًا، ووقفت خلف الباب صامتة لثوانٍ، ثم قالت بصوت منخفض:
— صاحبة السمو، أنا قلقة عليك.
وسكتت كلوديا، لأنها لم تكن تعرف ماذا تقول.
كانت جالسة على الكرسي قرب النافذة، ترتدي ثوبًا بسيطًا بلون الرمادي الفاتح، وشعرها مرفوع بطريقة غير مرتبة، ويداها في حجرها. كانت تنظر إلى الشارع من النافذة، لكنها لم تكن تراه. كانت ترى الرسالة التي وصلتها ليلة أمس، والتي كانت لا تزال في الدرج الصغير قرب سريرها، مطوية، في المظروف الذي جاءت فيه، مع الخاتم الأحمر الذي لم تكن تعرف من وضعه.
"لا تثقين بمن تحبينه."
كانت قد قرأت الجملة مئات المرات في رأسها. كانت قد حاولت أن تفهمها بطرق مختلفة. كانت قد حاولت أن تقنع نفسها أن الشخص الذي كتبها ربما كان مجنونًا، أو ربما كان يحاول أن يخيفها لسبب ما، أو ربما كان يعرف شيئًا لا تعرفه هي. لكن كل هذه الاحتمالات كانت تتساقط، واحدة تلو الأخرى، لأن هناك شيئًا في الجملة نفسها كان يبدو صحيحًا. كان يبدو كأنه مكتوب بيد شخص يعرف، شخص يعرف شيئًا حقيقيًا، شيئًا لم يكن مجرد كلام.
"إذا أردتِ أن تعرفي المزيد، اذهبي يوم الأحد، عند الغروب، إلى كنيسة القديس إسحاق. اجلسي في الصف الخامس، على اليمين."
كان اليوم هو الأحد. وكانت الساعة تقترب من الخامسة بعد الظهر. وكان الغروب في بتروغراد في هذا الوقت من السنة يأتي متأخرًا، لكنه كان يأتي دائمًا، وكانت كلوديا تعرف أن الوقت قد حان لتقرر.
نهضت من الكرسي، وذهبت إلى خزانتها، وفتحتها، ووقفت تنظر إلى الفساتين المعلقة فيها، فستانًا بجانب فستان، بألوان مختلفة، بأقمشة مختلفة، بتفاصيل مختلفة. كانت هذه الفساتين جزءًا من حياتها، جزءًا من هويتها، جزءًا من العالم الذي كانت تعيش فيه، العالم الذي كانت تحبه، العالم الذي كانت تعرف أنه قد ينتهي، لكنها لم تكن تريد أن تفكر في ذلك الآن. لم تكن تريد أن تفكر في ذلك أبدًا.
اختارت شيئًا بسيطًا: معطفًا رماديًا داكنًا، بلا زخرفة تقريبًا، وقبعة سوداء صغيرة، وشالًا حريريًا بلون الفحم. لم تكن هذه ملابس "صاحبة السمو". كانت ملابس امرأة تريد أن تمر بلا أن يلاحظها أحد. كانت ملابس امرأة تريد أن تكون وحدها.
نظرت إلى نفسها في المرآة. لم تكن كلوديا فولكونسكايا التي نزلت من العربة أمام قصر الشتاء يوم الجمعة. كانت امرأة أخرى، امرأة بلا فستان أزرق، وبلا ياقوت، وبلا تاج صغير. وكان هذا، بطريقة ما، مريحًا ومخيفًا في نفس الوقت.
خرجت من غرفتها، ونزلت الدرج بهدوء، وكانت ماريا في الردهة، تنظر إليها بعينين واسعتين.
— صاحبة السمو؟ أنتِ خارجة؟
— نعم.
— هل أطلب العربة؟
— لا. سأمشي.
— تمشين؟ إلى أين؟
سكتت كلوديا لحظة. لم تكن تريد أن تكذب، ولم تكن تريد أن تقول الحقيقة. قالت شيئًا في المنتصف:
— إلى الكنيسة.
— وحدك؟
— نعم.
— صاحبة السمو، هذا ليس...
— ماريا.
توقفت ماريا.
— أنا بحاجة أن أكون وحدي. لساعة. فقط.
نظرت ماريا إليها، ثم، بعد لحظة، أومات برأسها، وأخذت خطوة للخلف.
— كما تشائين، صاحبة السمو.
خرجت كلوديا من الباب، ولم تلتفت.
---
كنيسة القديس إسحاق — بتروغراد
الساعة السادسة وثلاثون دقيقة تقريبًا
---
كانت كنيسة القديس إسحاق أكبر مما تذكرت.
كانت قد مرت من أمامها مئات المرات، في العربة، وهي ذاهبة إلى مكان ما، أو راجعة من مكان ما. كانت قد رأت قبابها الذهبية تلمع في ضوء الشمس، وكانت قد سمعت أجراسها في الصباحات الباردة. لكنها لم تكن قد دخلتها منذ سنوات، منذ أن كانت طفلة، عندما كانت والدتها تأخذها إلى القداس في المناسبات الكبرى، وتقف معها في الصف الأول، بين النساء الأرستقراطيات، وتراقب من بعيد كيف كانت الكنيسة كلها تتحرك في طقوس ثابتة، قديمة، لا تتغير.
اليوم، كانت كلوديا تدخل من باب جانبي، لا من الباب الرئيسي. كانت تعرف أن الباب الرئيسي يستخدم في المناسبات، وأن الباب الجانبي يستخدم في الأيام العادية، للذين يريدون أن يصلوا بلا أن يراهم أحد. كانت قد تعلمت هذا في طفولتها، لكنها لم تكن قد استخدمته أبدًا. اليوم، كانت تستخدمه.
كانت الكنيسة شبه فارغة.
كانت الشموس مضاءة في كل مكان، مئات منها، صغيرة، ترتجف مع كل حركة هواء خفيفة. كان الضوء الذهبي يملأ المكان، وينعكس على الأيقونات، وعلى الجدران، وعلى الأرضية الرخامية، حتى بدا كل شيء كأنه مغمور في بحر من النور الدافئ، هادئ، ثابت، لا يعرف شيئًا عن العالم خارج هذه الجدران.
مشت كلوديا ببطء بين الصفوف، بلا أن تنظر إلى أحد. كان هناك بضعة أشخاص في الكنيسة: امرأة عجوز تركع أمام أيقونة، ورجل في زاوية يصلي بصوت منخفض، وشماس يرتب الشموع في مكان ما في العمق. لم ينظر إليها أحد. لم يسألها أحد من هي، ولا لماذا جاءت، ولا ماذا تريد.
جلست في الصف الخامس، على اليمين.
كانت تنظر أمامها، إلى المذبح، إلى الأيقونات، إلى الشموس. كانت تحاول أن تتنفس ببطء، أن تهدئ قلبها، الذي كان يدق بسرعة رغم كل شيء. كانت تعرف أن هذا غباء. كانت تعرف أن هذه ربما تكون خدعة، أو مزحة، أو شيئًا أسوأ. لكنها جاءت. جاءت لأنها لم تعد قادرة على البقاء في منزلها، في غرفتها، مع تلك الرسالة، ومع تلك الجملة، ومع ذلك الشعور بأن هناك شيئًا يحدث في هذه المدينة، في هذا العالم، شيء يخصها هي، وهي لا تعرفه.
مرت دقائق. عشر. خمس عشرة.
لم يأتِ أحد.
بدأت تشعر بالغباء. بدأت تفكر في أن تنهض، وأن تخرج، وأن ترجع إلى منزلها، وأن ترمي الرسالة في النار، وأن تنسى الأمر كله. لكنها لم تتحرك. بقيت جالسة، تنظر أمامها، تنتظر، بلا أن تعرف لماذا.
ثم، بعد ما يقرب من عشرين دقيقة، سمعت خطوات.
كانت خطوات رجل، هادئة، واثقة. لم تكن خطوات شخص يتردد. كان الرجل يعرف إلى أين هو ذاهب. جلس على المقعد نفسه، على مسافة قدمين منها تقريبًا، بلا أن ينظر إليها، كأنه كان قد جاء للصلاة، وكأنه لم يكن يعرف أنها هناك.
كان في الأربعينات، أو ربما أواخر الثلاثينات. كان يرتدي معطفًا داكنًا بسيطًا، وقفازات جلدية، وقبعة كان قد خلعها ووضعها على ركبته. كان وجهه عاديًا، عاديًا بشكل مقصود تقريبًا، وجه رجل يستطيع أن يمر في أي مكان بلا أن يلاحظه أحد. لكن عينيه لم تكونا عاديتين. كانتا ذكيتين، هادئتين، تراقبان كل شيء بلا أن تبدو كأنها تراقب.
جلس هناك، صامتًا، لثوانٍ. ثم، بصوت منخفض جدًا، بحيث لم يكن هناك أي احتمال أن يسمعه أحد غيرهما، قال:
— شكرًا لمجيئك، صاحبة السمو.
لم تستدر كلوديا. لم تنظر إليه. لكنها شعرت بجسدها يتجمد، بشيء بارد يمر في عمودها الفقري.
— من أنت؟ — قالت، بصوت هادئ أيضًا، بصوت لم يكن فيه أي شيء آخر غير السؤال.
— لا يهم.
— يهم.
— لا، لا يهم. ما يهم هو ما سأقوله لك.
— لماذا أرسلت الرسالة؟
— لأنك الشخص الوحيد الذي يمكن أن يفهم.
— يفهم ماذا؟
سكت الرجل لحظة. نظر إلى المذبح، إلى الشموس، إلى الأيقونات، كأنه كان يفكر في الكلمات التي سيقولها. ثم قال:
— أنا لا أعرف من أنتِ، ولا من أين أتيت، ولا ماذا فعلتِ في حياتك. لكنني أعرف أنك ترين ما يحدث في هذه المدينة، وأنك تحاولين ألا ترينه. أعرف أنك تحبين هذا العالم، وأنك تخافين أن ينتهي، وأنك في الليل، عندما تكونين وحدك، تسألين نفسك أسئلة لا تجرؤين على أن تقوليها بصوت عالٍ.
توقفت كلوديا. لم تكن تعرف ماذا تقول. لم يكن هناك شيء لتقوله. كان الرجل قد قال شيئًا كان صحيحًا، صحيحًا بشكل مؤلم، ولم يكن هناك أي طريقة لتنكر ذلك.
— ما علاقتك بديميان فولكوف؟ — قالت، بعد لحظة.
نظر الرجل إليها، لأول مرة. كان في عينيه شيء يشبه الحزن، أو الشفقة، أو شيئًا بين الاثنين.
— لا علاقة لي به. لكنني أعرفه. أعرفه أكثر مما يعرف هو نفسه.
— ماذا تعرف عنه؟
— أعرف أنه رجل ممزق. أعرف أنه يحمل شيئًا لا يستطيع أن يتخلص منه. أعرف أنه كان في مكان ما، في وقت ما، ورأى شيئًا غيّره، ولم يعد كما كان. أعرف أنه يحبك، رغم أنه لا يقول ذلك، ورغم أنه لا يعرف كيف يقوله. أعرف أنه يخاف عليك أكثر مما يخاف على نفسه. أعرف أنه... في خطر.
— خطر؟
— في خطر. خطر قادم. ليس اليوم، وليس غدًا، لكن قريبًا. وهو يعرف ذلك، ولا يعرف ماذا يفعل.
— ما هو الخطر؟
— هناك من يخطط لشيء. شيء كبير. شيء سيغيّر كل شيء في هذه المدينة. شيء... سيغير الإمبراطورية.
— من؟
— لا أستطيع أن أقول. ليس الآن. لكنك ستعرفين قريبًا. الجميع سيعرفون.
— وما علاقتي أنا؟
— أنتِ في القلب. أنتِ شيء يخصه. وفي الأوقات التي ستأتي، الأشياء التي نحبها يمكن أن تكون... ثمينة. وغالية. وخطيرة.
سكتت كلوديا. نظرت إلى المذبح، إلى الشموس، إلى الأيقونات. كانت تحاول أن تفهم ما قاله الرجل، أن ترتبه في رأسها، أن تجد شيئًا يمكن أن تمسك به. لكن كل شيء كان يبدو غامضًا، وكبيرًا، وأكبر منها.
— لماذا تخبرني هذا؟ — قالت، بعد لحظة.
— لأني لا أريد أن أراكِ تتعرضين للأذى. ولأني أعرف أن ديميان... لا يستطيع أن يحميك. ليس لأنه لا يريد، بل لأنه لا يستطيع. لأنه هو نفسه، ربما، بحاجة إلى من يحميه.
— ماذا تريد مني؟
— لا شيء. فقط... كوني حذرة. لا تثقي بأحد. ولا تثقي بمن تحبينه.
— هل تقصد ديميان؟
نظر الرجل إليها، طويلًا.
— أقصد ما قلت. لا تثقي بأحد. حتى بمن تحبينه. حتى بي. حتى بنفسك.
ثم نهض، وأخذ قبعته، ووضعها على رأسه، واستدار ليخرج. لكنه توقف عند نهاية الصف، والتفت إليها مرة أخيرة.
— شيء أخير، صاحبة السمو.
— ماذا؟
— الحمامة. التي سقطت أمامك في الحديقة. هل احتفظت بها؟
تجمّدت كلوديا. لم تكن قد قالت شيئًا لأي أحد عن الحمامة. لم تكن ماريا قد قالت شيئًا لأي أحد. لم يكن هناك أي طريقة يمكن أن يعرف بها هذا الرجل. إلا إذا كان... إلا إذا كان يعرف أكثر مما كان يجب.
— كيف تعرف؟ — قالت، بصوت منخفض.
— لأنها كانت نذيرًا. نذيرًا لك. أنتِ لم تفهميه، لكنه كان نذيرًا. وهذا يعني أن هناك من يراقبك. من يعرف عنك أكثر مما تعرفين عن نفسك. وهذا... يا صاحبة السمو... هو الخطر الحقيقي.
ثم خرج، ولم يلتفت.
بقيت كلوديا وحدها في الصف الخامس، على اليمين، في كنيسة القديس إسحاق، تحت مئات الشموس، أمام أيقونات لا تتكلم، وفي صدرها سؤال واحد، يتكرر، بلا نهاية:
من هو هذا الرجل؟ وكيف يعرف كل هذا؟
---
خارج الكنيسة — الغروب
---
خرجت كلوديا من الكنيسة بعد عشر دقائق.
كان الغروب قد بدأ، لكنه لم يكن قد انتهى بعد. كانت السماء فوق بتروغراد بلون بنفسجي غريب، فيه شيء من الذهبي، ومن الرمادي، ومن الوردي، كأنها لوحة رُسمت بيد فنان لم يكن متأكدًا من الألوان التي يريدها. كانت القباب الذهبية للكنيسة لا تزال تلمع، لكن الضوء كان قد تغير، وأصبح أدفأ، وأكثر حزنًا.
وقفت كلوديا على الدرج، تتنفس بعمق، وتحاول أن ترتب أفكارها. لكن الأفكار كانت تتراكم، واحدة فوق الأخرى، بلا أن تجد ترتيبًا. كان هناك الرجل، وكانت الرسالة، وكانت الحمامة، وكان ديميان، وكان كل شيء آخر.
ثم التفتت.
كان واقفًا على بعد خطوات قليلة منها، في الساحة الصغيرة أمام الكنيسة، بزي الحرس الإمبراطوري نفسه الذي كان يرتديه في قصر الشتاء، بلا معطف، بلا قبعة، بيديه خلف ظهره.
كان ديميان فولكوف.
لم يتحرك. لم يقل شيئًا. كان فقط واقفًا، ينظر إليها، كأنه كان ينتظرها، أو كأنه كان يعرف أنها ستكون هنا، أو كأنه كان قد جاء لأن شيئًا ما، في داخله، قال له إنه يجب أن يأتي.
نظرت إليه، وسكتت. لم تكن تعرف ماذا تقول. لم تكن تعرف ماذا تفعل. كل شيء قاله الرجل في الكنيسة كان لا يزال في رأسها، يتكرر، ويتردد، ويؤلم.
— ديميان — قالت، أخيرًا.
— كلوديا.
— ماذا تفعل هنا؟
— لا أعرف.
— كيف عرفت أنني هنا؟
— لم أعرف. لكن... شعرت أنني يجب أن أكون هنا. لا أعرف كيف أشرح ذلك.
سكتا. كان الغروب يتقدم، والسماء تتحول من بنفسجي إلى رمادي داكن، والشوارع تبدأ تفرغ، والناس يمشون بسرعة، كأنهم يريدون أن يصلوا إلى بيوتهم قبل أن يحل الظلام. لكن ديميان وكلوديا بقيا واقفين، كل واحد في مكانه، كأن الزمن توقف لحظة، كأن المدينة كلها كانت تنتظر ما سيقولانه.
— كنت في الكنيسة — قالت كلوديا.
— أعرف.
— كيف تعرف؟
— رأيتك تدخلين. كنت هنا، منذ نصف ساعة. لم أكن أعرف أنك ستأتين، لكن... كنت هنا.
— كنت تراقبني؟
— لا. كنت... أنتظر.
— تنتظر ماذا؟
— لا أعرف. أنتظر شيئًا. ربما أنتظرك.
سكتت كلوديا. نظرت إليه، إلى وجهه، إلى عينيه، إلى الوقفة التي لم تتغير، إلى الشيء الذي كان فيه ولم يكن فيه قبل سنوات. كان هناك شيء في عينيه، شيء لم تره من قبل، شيء لم يكن قوة ولا برودًا، شيء كان أقرب إلى... خوف.
— ديميان — قالت، بصوت أخفض.
— ماذا؟
— أنا... تعبت.
— من ماذا؟
— من كل شيء. من الغموض. من الصمت. من هذا العالم الذي ينهار من حولي ولا أحد يقول لي شيئًا. منك. من نفسي.
نظر إليها، بلا أن يتحرك. لم يقل شيئًا. لكنه لم يقاطعها. كان يستمع.
— كنت في الكنيسة — قالت — وجاء رجل. لا أعرف من هو. لا أعرف من أين أتى. لكنه قال لي أشياء... أشياء لم أفهمها كلها. لكنه قال شيئًا واحدًا، وأنا لا أستطيع أن أتوقف عن التفكير فيه.
— ماذا قال؟
— قال إنك في خطر.
نظر ديميان إليها، بلا أن يتحرك، لثوانٍ. ثم، ببطء، أخذ نفسًا.
— من قال هذا؟
— رجل. لا أعرف اسمه. كان في الكنيسة، جاء وجلس بجانبي، وقال أشياء كثيرة. عن الإمبراطورية. عن القيصر. عن... رجل سيقتل.
— راسبوتين.
تجمّدت كلوديا. لم تكن قد ذكرت الاسم. لم تكن قد قالت شيئًا عن راسبوتين. لكن ديميان قال الاسم، بلا تردد، كأنه كان يعرفه، كأنه كان يعرف كل شيء.
— أنت تعرف — قالت، بصوت منخفض.
— أعرف.
— ماذا تعرف؟
سكت ديميان. نظر إلى السماء، إلى الألوان التي كانت تتغير ببطء، ثم عاد إليها.
— كلوديا، هناك أشياء لا أستطيع أن أقولها لك. ليس لأنني لا أريد، بل لأن... لأن قولها يمكن أن يضعك في خطر. أكثر مما أنت فيه الآن.
— وأنا في خطر الآن؟
— نعم.
— لماذا؟
— لأنك تعرفينني.
سكتت كلوديا. كان هذا، بطريقة ما، أسوأ ما قالته لها أي أحد. لأنها فهمت، في اللحظة نفسها، أن ديميان كان يقول لها الحقيقة. كانت تعرف أن معرفتها به، التي كانت أجمل شيء في حياتها، في يوم من الأيام، أصبحت الآن، في هذا العالم الجديد، في هذه المدينة التي لم تعد كما كانت، شيئًا يمكن أن يؤدي بها إلى شيء لم تكن تتخيله.
— ديميان — قالت، بصوت مرتجف قليلًا.
— ماذا؟
— أنا... أنا خائفة.
نظر إليها. كان في عينيه شيء لم تره من قبل. لم يكن قوة، ولا برودًا. كان شيئًا آخر، شيئًا كان قريبًا من الألم.
— أعرف.
— لا، لا تعرف. أنا خائفة، ديميان. خائفة من كل شيء. من هذا العالم الذي يتداعى من حولي. من الحرب. من القيصر. من راسبوتين. من فيليكس. منك. من نفسي. لكن أكثر شيء... أكثر شيء أخاف منه... هو أنني لا أعرف كيف أكون بدون هذا العالم. بدون اللقب. بدون الفستان. بدون الياقوت. بدون القصر. بدون كل هذا. أنا... أنا لا أعرف من أنا بدونه.
نظر إليها ديميان، بلا أن يتحرك، لثوانٍ طويلة.
ثم قال، بصوت هادئ، عميق، صوت لم تسمعه منه من قبل:
— كلوديا، أنا لن أكذب عليك. لن أقول لك إن كل شيء سيكون بخير. لأنه لن يكون. هذا العالم الذي تعيشين فيه سينتهي. ليس غدًا، وليس بعد غد، لكنه سينتهي. وأنا لا أستطيع أن أوقف ذلك. ولا أنتِ تستطيعين. ولا أي أحد في هذه المدينة. هذا قدر. قدر روسيا. قدر نيكولاي. قدر كل من يعيش في هذا العالم.
توقفت كلوديا. كانت تنتظر شيئًا آخر، شيئًا مثل "لكن"، شيئًا مثل "لكنني سأحميك"، شيئًا مثل "لكنني سأكون معك". لكن ديميان لم يقل شيئًا من هذا. كان يقول لها الحقيقة، الحقيقة كاملة، الحقيقة التي كانت تخاف أن تسمعها.
ثم أكمل:
— لكن هناك شيء واحد لن ينتهي.
— ما هو؟
— أنتِ.
سكتت كلوديا. نظرت إليه، إلى عينيه، إلى وجهه، إلى الشيء الذي كان فيه ولم يكن فيه قبل سنوات. كان يقول لها شيئًا كان أكبر من أي كلام قالته أي أحد لها من قبل.
— اللقب سينتهي. القصر سينتهي. الفستان سينتهي. الياقوت سينتهي. الحفلات ستنتهي. الشموس ستنطفئ. الرقص سيتوقف. لكن أنتِ... أنتِ ستبقين. بدون اللقب. بدون الفستان. بدون الياقوت. لكن... أنتِ. التي تحب الحياة. التي تضحك من قلبها. التي تعرف أن هناك شيئًا خطأ. التي جاءت الآن لتسألني. التي حملت حمامة ميتة ودفنتها بيدها. هذا أنتِ. ليس اللقب. ليس القصر. ليس الياقوت. أنتِ. وبدون كل هذا... ستكتشفين أنك أقوى مما تتخيلين.
نظرت إليه كلوديا. كانت عيناها مغرورقتين بالدموع، لكنها لم تكن تبكي. كانت واقفة، بثبات، تنظر إليه، كأنها تراه لأول مرة.
— وإذا لم أقدر؟ — قالت، بصوت منخفض.
— إذا لم تقدري...
توقف. نظر إليها، طويلًا.
— أنا سأكون معك. ليس لأنني أستطيع أن أنقذك. لا أستطيع أن أنقذ أحدًا. لكن... لأنني لا أريدك أن تكوني وحدك. لأنني أريدك أن تعرفي أنني، إذا سقطتِ، ستسقطين على يدي. ليس على الأرض.
سكتا. كان الغروب قد انتهى تقريبًا، والسماء كانت رمادية داكنة، والشوارع كانت قد فرغت، والمصابيح كانت قد بدأت تضيء، واحدة تلو الأخرى، في ضوء باهت، في ليل لم يكن قد حل تمامًا، في ليلة بيضاء أخرى، في بتروغراد التي كانت لا تنام.
— ديميان — قالت كلوديا، بصوت هادئ.
— ماذا؟
— أنا لا أريد أن أضيع.
— ولا أنا.
— أنا لا أريد أن أكون شيئًا لا معنى له. لا أريد أن أكون مجرد لقب، مجرد فستان، مجرد امرأة من هذا العالم الذي سينتهي. أريد أن أكون شيئًا... شيئًا حقيقيًا.
— أنتِ حقيقية.
— لا. أنا... أنا لا أعرف ما أنا. كنت أظن أنني أعرف، لكن الآن... الآن لا أعرف.
— ولا أنا.
نظرت إليه.
— ولا أنت؟
— لا. أنا أيضًا لا أعرف ما أنا. كنت أظن أنني أعرف. كنت أظن أنني رجل عسكري، رجل يعرف واجبه، رجل يعرف ما يجب أن يفعله. لكن الآن... الآن لا أعرف. لا أعرف إذا كنت مع القيصر أو ضده. لا أعرف إذا كنت مع الثوار أو ضدهم. لا أعرف إذا كنت رجلًا شريفًا أو رجلًا يخفي شيئًا. لا أعرف... لا أعرف شيئًا. كل ما أعرفه هو... أنك هنا. وأنني لا أريد أن أخسرك.
سكتا. كانت هذه أول مرة يقول فيها شيئًا بهذا الوضوح. كان في صوته شيء من الاعتراف، شيء من الخوف، شيء من الحقيقة.
— ديميان — قالت كلوديا.
— ماذا؟
— أنا... أنا لا أعرف ماذا سيحدث. لا أعرف ما هو الخطر. لا أعرف من هو الرجل في الكنيسة. لا أعرف ماذا سيحدث للإمبراطورية. لا أعرف ماذا سيحدث لي. لكن... لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
— ماذا؟
— أنني لا أريد أن أكون وحدي.
نظر إليها. ثم، ببطء، مد يده، وأخذ يدها. كانت المرة الأولى التي يلمسها فيها منذ سنوات. كانت يده دافئة، أقوى مما توقعت، لكنها كانت ترتجف قليلًا.
— ولا أنتِ ستكونين.
سكتا، واقفين في الساحة أمام الكنيسة، تحت سماء رمادية، تحت مصابيح بدأت تضيء واحدة تلو الأخرى، في مدينة كانت لا تزال، رغم كل شيء، لا تزال تعيش، لا تزال تتحرك، لا تزال لا تعرف ما كان يحدث في الغرف المغلقة، بين الرجال الذين كانوا يخططون، في ضوء النهار، لأشياء كانت تحدث عادة في الظلام.
— ديميان — قالت كلوديا، بعد لحظة.
— ماذا؟
— الرجل في الكنيسة... قال لي شيئًا آخر. عن الحمامة.
نظر إليها، بلا أن يتحرك.
— ماذا قال؟
— قال إنها كانت نذيرًا. وقال إن هناك من يراقبني. من يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي. وقال... وقال إن هذا هو الخطر الحقيقي.
سكت ديميان. لم يقل شيئًا. لكنها رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل. لم يكن خوفًا. كان شيئًا أقرب إلى... غضب. غضب هادئ، بارد، عميق.
— ديميان؟
— من قال لك هذا؟
— رجل. في الكنيسة. لا أعرف من هو.
— هل وصفته؟
— كان في الأربعينات. وجه عادي. عيون ذكية. لا شيء مميز. لكن... لكنه كان يعرف كل شيء. عنك. عن الإمبراطورية. عن... راسبوتين. وحتى عن الحمامة. ولم يكن هناك أي طريقة يمكن أن يعرف بها.
نظر ديميان إليها، طويلًا. ثم، ببطء، أخذ نفسًا.
— كلوديا، أريدك أن تسمعيني جيدًا.
— أسمعك.
— لا تتحدثي مع هذا الرجل مرة أخرى. لا تعودي إلى تلك الكنيسة. ولا تخبري أحدًا بما قاله لك. لا ماريا. لا والدتك. لا أحد.
— لماذا؟
— لأن هذا الرجل... لا أعرف من هو. لكنني أعرف أن هناك رجالًا في هذه المدينة، في هذه الأيام، يتحدثون مع الناس، ويقولون لهم أشياء، ويستخدمونهم، ثم يختفون. لا أعرف إذا كان هذا الرجل واحدًا منهم. لكن... لكنني لا أريد أن أكتشف ذلك بالطريقة الصعبة.
— هل تعرف من هو؟
سكت ديميان. نظر إلى الشارع، إلى المصابيح، إلى العربات التي كانت تمر، إلى المدينة التي كانت تتغير، ببطء، من حوله.
— ربما. لكن... لا أريد أن أقول شيئًا لم أتأكد منه. ليس الآن.
— ديميان...
— كلوديا.
نظر إليها، وفي عينيه كان هناك شيء لم تره من قبل. كان شيئًا يشبه الوعود، والتحذيرات، والأسرار، وكل شيء لم يقله بعد. ثم، ببطء، أطلق يدها، وأخذ خطوة إلى الخلف.
— يجب أن أعود. هناك أشياء يجب أن أتولاها.
— الآن؟
— نعم. الآن.
— هل سأراك مرة أخرى؟
نظر إليها، طويلًا.
— نعم. سترينني. لكن... ليس كما تريدين. ليس بعد. هناك شيء يجب أن يحدث أولًا. شيء... سيتغير فيه كل شيء. وبعد ذلك... بعد ذلك سأكون حرًا. أو... لن أكون شيئًا.
— ديميان، أنا لا أفهم.
— أعرف. ولا أريدك أن تفهمي. ليس بعد. فقط... اذهبي إلى البيت. واغلقي الباب. ولا تخرجي الليلة. ولا تتحدثي مع أحد. وأنا... سأعود. عندما أستطيع. عندما ينتهي ما يجب أن ينتهي.
ثم استدار، ومشى، بلا أن يلتفت، واختفى في الشارع الرمادي، بين المصابيح، بين العربات، بين المدينة التي كانت لا تزال، رغم كل شيء، لا تزال تعيش، لا تزال تتحرك، لا تزال لا تعرف أن شيئًا كان قد بدأ بالفعل، وأنه لن يتوقف.
بقيت كلوديا واقفة، وحدها، أمام الكنيسة، والسماء كانت قد أصبحت رمادية داكنة، والمصابيح كانت قد أضاءت كلها، والعربة التي كانت تنتظرها في نهاية الشارع كانت قد بدأت تقلق. لكنها لم تتحرك. بقيت هناك، دقيقة، دقيقتين، ثلاث، تنظر إلى الشارع الذي اختفى فيه ديميان، وتحاول أن تفهم ما قاله، وما لم يقله، وما كان يخفيه، وما كان يخاف منه.
ثم، ببطء، مشت إلى العربة، وصعدت، وقالت للسائق أن يعود بها إلى المنزل.
---
منزل فولكونسكي — غرفة كلوديا
الليلة نفسها
---
دخلت كلوديا غرفتها، وأغلقت الباب، وأدارت المفتاح.
لم تشعل الضوء. خلعت المعطف، والقبعة، والشال، وتركتها على الكرسي قرب الباب، ومشت في الظلام إلى النافذة. كانت المدينة تحت النافذة لا تزال مضاءة، لا تزال مستيقظة، لا تزال لا تنام، كما تفعل دائمًا في يونيو، في الليالي البيضاء، في الليالي التي لا تنتهي.
ثم، بعد لحظة، ذهبت إلى الدرج الصغير قرب سريرها، وفتحته، وأخرجت المظروف، والرسالة، ووضعتهما على الطاولة. ثم، ببطء، فتحت درجًا آخر، الدرج الذي كانت تحتفظ فيه بالأشياء التي لا يراها أحد. الخطابات القديمة. الرسائل من صديقاتها. الشيء الصغير الذي أعطاها إياه ديميان منذ سنوات.
وفي أسفل الدرج، كانت الحمامة.
كانت لا تزال هناك، تحت قطعة القماش البيضاء، جافة، محفوظة، كأنها نائمة. رفعت القماش، ونظرت إليها. كانت لا تزال كما كانت، بيضاء، بلا دم، بلا سبب، بلا جواب.
— أنتِ — قالت كلوديا، بصوت خافت.
نظرت إليها، طويلًا.
— كنتِ نذيرًا. كنتِ تحذرينني. لكنني لم أفهم. لم أفهم أن هناك من يراقبني. لم أفهم أن هناك من يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي. لم أفهم أن هناك شيئًا سيحدث. لم أفهم... لم أفهم شيئًا.
سكتت. نظرت إلى الحمامة، إلى الرسالة، إلى كل شيء كان على الطاولة. ثم، ببطء، أخذت نفسًا، وأعادت قطعة القماش فوق الحمامة، وأغلقت الدرج.
ثم ذهبت إلى النافذة، ونظرت إلى المدينة. كانت لا تزال هناك، لا تزال تعيش، لا تزال تتحرك، لا تزال لا تعرف أن شيئًا كان قد بدأ، وأنه لن يتوقف
وفي صدر كلوديا، كان هناك شيء جديد. لم يكن خوفًا. لم يكن حزنًا. كان شيئًا آخر. كان شيئًا أقرب إلى... قرار.
قررت أن تعرف. قررت أن تفهم. قررت أن تعرف من هو الرجل في الكنيسة، ومن هو فيليكس، ومن هو راسبوتين، ومن هو القيصر، ومن هو ديميان. قررت أن تعرف ماذا يحدث، ولماذا يحدث، وما الذي سيحدث. قررت أن تكون جزءًا من هذا، لا مجرد امرأة تراقب من بعيد.
وكانت تعرف، في مكان ما داخلها، أن هذا القرار سيكون أغلى قرار اتخذته في حياتها. لكنها اتخذته. لأنها لم تعد تستطيع أن تكون شيئًا آخر.
---
نهاية الفصل الخامس