NOVELFLEX

ما لم اقله

ليلة بيضاء · بقلم lia ,

White Nights

الفصل السادس: ما لم أقله

---

بتروغراد — شارع نيفسكي بروسبكت

الأحد، 12 يونيو 1916

بعد الغروب بقليل

---

مشيت.

لم أكن أعرف إلى أين، لكنني مشيت. تركتها واقفة أمام كنيسة القديس إسحاق، في تلك الساحة الصغيرة، تحت تلك السماء الرمادية التي لا تقرر أبدًا إن كانت ليلًا أم نهارًا، وابتعدت. لأنني لو بقيت ثانية واحدة أطول، كنت سأفعل شيئًا لم أكن مستعدًا له. كنت سأمسك يدها مرة أخرى. كنت سأقول لها شيئًا لا يمكن أن يُسحب. كنت سأفتح بابًا لا يمكن أن يُغلق.

والأبواب، في حياتي، كنت قد تعلمت أن أتركها مغلقة.

مشيت في شارع نيفسكي بروسبكت، وهو أوسع مما تذكرت، وأكثر ازدحامًا مما ينبغي. كان الناس يتحركون في كل اتجاه، وكأن المدينة كلها خرجت في هذه الليلة بالذات لتتأكد من أنها لا تزال حية. كان هناك ضباط، وطلاب، وعمال، ونساء بملابس بسيطة، وباعة متجولون، وعربات، وخيول، ومصابيح تعمل بالكهرباء، وأخرى بالزيت، وضوء السماء الذي لا يشبه شيئًا آخر في العالم. كان كل شيء يتحرك، وكل شيء يتكلم، وكل شيء يبدو وكأنه لا يعرف ما أعرفه أنا.

كانوا لا يعرفون أن هناك من يخطط لقتل رجل.

كانوا لا يعرفون أن الإمبراطورية التي يحملون اسمها على ألسنتهم، في كل جملة، في كل مزحة، في كل شكوى صغيرة، كانت تنهار من الداخل، حجرًا حجرًا، من تحت أقدامهم.

كانوا لا يعرفون أنني كنت واحدًا من الذين يعرفون.

توقفت عند جسر، ونظرت إلى النهر. كان الماء داكنًا، وهادئًا، ويعكس مصابيح المدينة، وسحب السماء الرمادية، وكل شيء آخر. وقفت هناك، ويداي على الحجر البارد، وشعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن: أنني كنت في المكان الخطأ.

لم يكن المكان الخطأ هو بتروغراد. لم يكن المكان الخطأ هو هذا الجسر. كان المكان الخطأ هو حياتي كلها، كل ما فعلته، كل ما لم أفعله، كل شيء كنت عليه، وكل شيء كنت أخاف أن أكون عليه.

رفعت عيني من الماء. على الجهة الأخرى من النهر، كانت تلمع قباب كنيسة القديس إسحاق، بعيدة، صغيرة، وكأنها لا تخصني.

فكرت في كلوديا. في وجهها عندما قالت إنها لا تعرف من تكون بدون لقبها. في صوتها عندما قالت إنها خائفة. في عينيها عندما قالت إنها لا تريد أن تكون وحدها. وفي اللحظة التي أخذت فيها يدها. يدها التي كانت ترتجف. يدها التي كانت دافئة، رغم كل شيء، دافئة أكثر مما كنت أتخيل.

أنا كنت أرتجف أيضًا. لكنها لم تكن قد لاحظت.

أنا كنت أرتجف منذ سنوات.

---

منزل فولكوف — شارع سيرغيفسكايا

بعد ساعة تقريبًا

---

وصلت إلى البيت، وأنا لا أذكر الطريق.

كان هذا يحدث لي كثيرًا في الأشهر الأخيرة. كنت أمشي، أو أستقل عربة، أو أصعد درجًا، ثم أجد نفسي في مكان ما، بلا أن أعرف كيف وصلت. كأن جسدي كان يعمل بدوني، كأن جزءًا مني كان قد بقي في مكان آخر، والجزء الذي كان يتصرف في الوقت الحاضر كان مجرد شيء ميكانيكي، لا يفكر، ولا يشعر، ولا يتذكر.

سلّمت معطفي وقفازاتي إلى فيودور، ولم أقل شيئًا. صعدت الدرج، دخلت المكتبة، أغلقت الباب، وأدرت المفتاح.

كانت الغرفة كما كانت دائمًا: الكتب، الرفوف، الضوء الخفيف الذي يتسلل من النافذة، الرائحة القديمة للورق والجلد. لكن في الليلة الماضية، كان هناك شيء جديد فيها، شيء لم يكن في الغرفة من قبل. كان على الطاولة، قرب النافذة، زجاجة من الكونياك، نصف فارغة، وكأس نظيف.

كنت قد تركتها هناك أمس، بعد أن عاد فيليكس، في تلك الزيارة التي لم أفهمها حتى الآن. كنت قد شربت كأسًا، ثم كأسًا آخر، ثم تركت الزجاجة، وذهبت إلى السرير، ولم أنم.

اقتربت من الطاولة، ونظرت إلى الزجاجة، ثم إلى الكأس، ثم إلى النافذة. كان الشارع تحت النافذة هادئًا، بشكل غريب، كأن المدينة كانت قد قررت أن تأخذ نفسًا قصيرًا قبل أن تعود إلى الحركة. كان هناك بعض المارة، وسيدة تسحب كلبًا صغيرًا، وشاب يقف عند زاوية الشارع، يدخن. لم يكن هناك أي شيء غير عادي. لكنني وقفت هناك، دقيقة، دقيقتين، ثلاث، أحدق في الشارع، وكأنني كنت أنتظر أن يحدث شيء، أي شيء.

ثم سمعت طرقًا على الباب.

لم يكن فيودور. كان فيودور يعرف أنني لا أحب أن يُقاطعني بعد أن أدخل المكتبة. كان الطرق مختلفًا، أسرع، أكثر ثقة. كان طرق شخص يعرف أنني سأفتح، لأنني لا أستطيع أن لا أفتح.

قلت، بلا أن أتحرك:

— من؟

وكان الجواب هو ما توقعته، وما كنت أخاف منه في الوقت نفسه.

— أنا، ديميان. افتح.

كان فيليكس.

---

المكتبة

---

فتحت الباب.

كان فيليكس يوسوبوف واقفًا في الردهة، بمعطفه الرمادي الطويل، وقبعته في يده، وابتسامته المعتادة على وجهه، تلك الابتسامة التي كانت تجعل من الصعب تحديد ما إذا كان سعيدًا، أو ساخرًا، أو يخطط لشيء ما. كان شعره الأشقر مسرّحًا للخلف، كما دائمًا، وكانت عيناه اللامعتان تتحركان بسرعة، تلتقطان كل شيء في الردهة، ثم في الغرفة التي خلفي، ثم فيّ.

— كنت أعرف أنك لن تنام.

— لم أنم منذ يومين. هذا ليس خبرًا.

— لا، ليس خبرًا. لكنني كنت أعرف أنك ستكون مستيقظًا الليلة. لأنني... كنت أعرف أنك كنت في الكنيسة.

تجمّدت. لم أتحرك، لم أغير تعبير وجهي، لكن شيئًا في داخلي توقف، لثانية واحدة.

— من قال لك؟

— لا أحد. لكنني أعرفك. وأعرف أنك تذهب إلى الكنيسة عندما تكون... مرتبكًا. وأنت مرتبك الآن، أليس كذلك؟

لم أجب.

— هل أدخل، أم أننا سنتحدث في الردهة؟

تراجعت خطوة، وفتحت الباب أوسع. دخل فيليكس، بلا أن ينتظر، وذهب مباشرة إلى الكرسي الذي كان قد جلس عليه قبل أيام، في تلك الزيارة التي كانت قد غيرت شيئًا في داخلي، بلا أن أعرف ما هو بالضبط. جلس، ووضع قبعته على ركبته، ونظر إليّ، وهو لا يزال يبتسم.

— هل يمكنني أن أشرب شيئًا؟

— الكونياك على الطاولة. الكأس نظيف.

— ممتاز.

قام، وذهب إلى الطاولة، وسكب لنفسه كأسًا، ثم سكب كأسًا آخر، ومدّه إليّ. لم أكن أريد أن أشرب، لكنني أخذته، لأنني كنت أعرف أنني سأحتاجه. جلس مرة أخرى، وأخذ رشفة، ونظر إليّ.

— ديميان، أريد أن أتحدث معك بجدية.

— أنت دائمًا تتحدث بجدية. المشكلة أنك تبتسم أثناء ذلك.

— هذه عادة سيئة، أعرف. لكن... هذه المرة، لن أبتسم.

وحدث شيء غريب. ابتسامة فيليكس، التي كانت دائمًا هناك، تلك الابتسامة التي كانت جزءًا من وجهه، كأنها مرسومة، اختفت. لم تختفِ بشكل تدريجي. اختفت فجأة، كأن أحدًا قد مسحها. وظهر تحتها وجه آخر، وجه لم أره من قبل، أو ربما رأيته، لكنني لم أرد أن أراه. كان وجهًا جادًا، هادئًا، بلا أي شيء من السخرية أو الاستعراض الذي كان يرافقه دائمًا.

— راسبوتين. الليلة. بعد أسبوعين. في قصري.

قالها بلا مقدمات، بلا تحضير، بلا أي من تلك اللفات التي كان يستخدمها عادة. قالها كأنه كان يقول إن الطقس سيكون باردًا غدًا، أو إن هناك حفلة في نهاية الأسبوع. قالها كأنها كانت حقيقة، لا اقتراحًا.

سكت.

شربت من الكأس، ببطء، ووضعته على الطاولة قربي، ونظرت إليه. لم أقل شيئًا. كنت أنتظر أن أكمل، أن أضيف شيئًا، أن أشرح، أن أبرر، أن أقول لماذا الآن، ولماذا أنا، ولماذا هو. لكنه لم يقل شيئًا. كان ينتظرني.

— لماذا أنا؟

— لأنك تعرف القصر. لأنك ضابط في الحرس، ووجودك في أي مكان لا يثير الشك. لأنك هادئ. لأنك تعرف كيف تكون هادئًا حتى عندما يكون كل شيء حولك ينهار. لأنك... لأنك الوحيد الذي أثق به.

— تثق بي؟

— نعم.

— لماذا؟

نظر إليّ، بلا أن يبتسم، بلا أن يتحرك.

— لأنك، رغم كل شيء، لم تخني. ولا مرة واحدة. رغم أنك كنت تستطيع. رغم أنك كنت تعرف أشياءً كثيرة عني، أشياء لو قلتها، لكانت كافية لتدميري. لكنك لم تقلها. لم تقلها لأحد، ولا مرة واحدة، ولا همسة. وهذا... يا ديميان... هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبني ثقة.

سكت. كنت أعرف ما كان يتكلم عنه. كان يعرف أنني كنت أعرف. كان يعرف أنني كنت أعرف أشياء عن حياته، عن علاقاته، عن أشياء كان يخفيها عن كل الناس، حتى عن عائلته. أشياء لم أكن قد استخدمتها، ولا مرة واحدة، ضد أي أحد. لم لأنني كنت شريفًا، بل لأنني لم أكن أهتم. لم أكن أهتم بما كان يفعله في غرفته، أو مع من، أو كيف. كان هذا يخصه. ولم يكن يخصني.

لكن فيليكس كان يعتبر ذلك وفاءً. وكان يعتبرني شخصًا يمكن أن يثق به.

وكنت أعرف أن هذا كان خطأ. كنت أعرف أنني لم أكن الشخص الذي كان يظنني إياه. كنت أعرف أنني كنت، في الحقيقة، رجلًا آخر، رجلًا لم يكن قد قرر بعد من هو، ولم يكن قد قرر بعد ما يريد، ولم يكن قد قرر بعد إلى أي جانب سيقف.

لكنني لم أقل شيئًا.

— ماذا تريدني أن أفعل؟

— لا شيء. ليس بعد. فقط أن تكون هناك. عندما يحين الوقت، سأخبرك. ستكون في القصر، في تلك الليلة. ستكون قريبًا. ستساعدني إذا احتجت. هذا كل شيء.

— هذا كل شيء؟

— هذا كل شيء.

— وفيليكس...

— ماذا؟

— هل تعرف ما ستفعله؟ هل تعرف أنك، بعد تلك الليلة، لن تكون نفس الشخص؟

نظر إليّ، بلا أن يتحرك، لثوانٍ.

— أعرف.

— هل فكرت في زوجتك؟ في إيرينا؟ في عائلتك؟

— فكرت في كل شيء. وفي كل شيء، كانت الإجابة واحدة. هذا الرجل يجب أن يموت. ليس لأنه شرير. ليس لأنه فاسد. بل لأنه... يقتل روسيا. ببطء، كل يوم، بكل قرار، بكل همسة، بكل شيء. لو تركنا، سيموت كل شيء. وإذا مات هو... ربما، ربما فقط، يكون هناك أمل.

— أنت تتحدث وكأنك مقتنع.

— أنا مقتنع.

— هل تعرف أنك قد تخسر كل شيء؟

— أعرف. لكن... أنا لا أملك شيئًا آخر لأخسره.

سكت.

كنت أنظر إليه، إلى وجهه، إلى عينيه، إلى ذلك الجد الذي لم أره من قبل، إلى ذلك الشيء الذي كان في صوته، ذلك الشيء الذي كان يشبه الاقتناع، لكنه كان يشبه أيضًا شيئًا آخر، شيئًا أقرب إلى الاستسلام. كان فيليكس، في تلك الليلة، يبدو وكأنه قد قرر شيئًا منذ زمن، وكان ينتظر فقط أن ينفذه. وكان يريدني معه، ليس لأنني كنت ضروريًا، بل لأنني كنت الشاهد. لأنه كان يريد أن يكون هناك شخص يعرف أنه لم يفعل ذلك وحده. لأن ما كان سيفعله كان كبيرًا جدًا، وكان ثقيلًا جدًا، وكان بحاجة إلى أن يتحمله أكثر من شخص.

— هل أنت معي؟

نظرت إليه. كانت هذه هي اللحظة التي كنت أعرف أنها ستأتي، منذ ثلاثة أيام، منذ أن جاء في المرة الأولى، منذ أن بدأ يتحدث عن الأشياء التي لا يمكن أن تُقال في الردهة. كانت هذه هي اللحظة التي كنت قد حاولت أن أستعد لها، بلا أن أعرف كيف.

وقلت، بلا أن أفكر:

— نعم.

لم أكن متأكدًا من أنني كنت أعني ذلك. لم أكن متأكدًا من أنني كنت أستطيع أن أكون معه، أو أنني كنت أستطيع أن أكون ضد شيء. لكنني قلت نعم. لأنني كنت أعرف أن "لا" كانت ستكون نهاية شيء، وأن "نعم" كانت ستكون بداية شيء آخر. وكنت، في تلك اللحظة، بحاجة إلى شيء يحدث. أي شيء. حتى لو كان خطأ.

نظر إليّ فيليكس، طويلًا. ثم، ببطء، عادت الابتسامة إلى وجهه. لكنها لم تكن مثل الابتسامة السابقة. كانت أكثر هدوءًا، وأكثر حزنًا، وكأنها كانت تقول شيئًا لم يقله هو.

— شكرًا، ديميان.

— لا تشكرني. لم أفعل شيئًا بعد.

— فعلت. وافقت. وهذا أكثر مما فعل أي أحد آخر.

قام من الكرسي، وأخذ قبعته، ونظر إليّ مرة أخرى.

— سأرسل لك التفاصيل في الأيام القادمة. لا تتحدث مع أحد. ولا تكتب أي شيء. ولا تتصل بأي أحد.

— أعرف.

— وأخيرًا...

— ماذا؟

— كلوديا. لا تخبرها بشيء. ولا تقربها كثيرًا في الأيام القادمة. لأن ما سيحدث... سيكون خطرًا. وأنا لا أريد أن تكون هي في المنتصف.

نظرت إليه. لم أكن أعرف إن كان يقول هذا لأنه كان يهتم بها، أو لأنه كان يعرف أنها نقطة ضعفي، وكان يريد أن يستخدمها. لم أكن أعرف إن كان صديقًا، أو عدوًا، أو شيئًا بين الاثنين.

— حسنًا.

— أراك قريبًا، ديميان.

ثم خرج، وأغلق الباب خلفه، وسمعت خطواته في الردهة، ثم في الدرج، ثم صوت الباب الرئيسي، ثم الصمت.

بقيت واقفًا في مكاني، في المكتبة، والكأس في يدي، والزجاجة على الطاولة، والضوء الخفيف من النافذة يملأ الغرفة.

ثم، ببطء، ذهبت إلى الكرسي، وجلست، ووضعت الكأس على الطاولة، ونظرت إلى الرفوف، إلى الكتب، إلى كل شيء كان حولي. كانت هذه الغرفة قد كانت ملجأي منذ سنوات. كانت المكان الوحيد الذي كنت أشعر فيه أنني، ربما، أستطيع أن أكون نفسي، أو على الأقل، أن أكون شيئًا أقرب إلى نفسي. لكن في تلك الليلة، بدت الغرفة باردة، وفارغة، وكأنها لم تكن لي.

فتحت الدرج السفلي من المكتب، وأخرجت منه مظروفًا بنيًا قديمًا، مطويًا بعناية. لم يكن المظروف الذي وصلني قبل أسبوع، من الرجل الذي لم أراه منذ سنة، ذلك المظروف الذي كان لا يزال في جيبي الداخلي، ولم أكن قد قررت بعد ما سأفعله به. كان مظروفًا آخر. كان مظروفًا كنت قد احتفظت به منذ سنوات.

فتحته، وأخرجت ما كان فيه: صورة فوتوغرافية صغيرة، بالأبيض والأسود، لعائلة على شاطئ بحيرة. كان في الصورة رجل وامرأة، وطفلة صغيرة تضحك، وطفلان، أحدهما أكبر، والآخر أصغر، يقفان قرب الماء.

لم تكن هذه عائلتي. كانت عائلة فولكونسكي. كان في الصورة والد كلوديا، ووالدتها، وكلوديا نفسها في السادسة أو السابعة، وماريا، وصبي كان صديقًا لكلوديا في تلك السنوات، كان اسمه ديميان.

كنت أنا ذلك الصبي.

وضعت الصورة على الطاولة أمامي، ونظرت إليها، طويلًا. كانت الصورة قد اصفرّت قليلًا، وكانت حوافها قد بدأت تتآكل، لكن الوجوه كانت لا تزال واضحة. كانت كلوديا تضحك، بشكل واضح، بفم مفتوح، وبعيون لامعة، وشعر أسود مبعثر مع الريح. كانت سعيدة. كانت سعيدة بشكل كامل، بلا أي شيء آخر في العالم.

وكنت أنا، الصبي، واقفًا بجانبها، مبتسمًا ابتسامة صغيرة، ابتسامة طفل يخفي شيئًا، أو يخاف من شيء، أو لا يعرف كيف يبتسم كما ينبغي.

تذكرت ذلك اليوم. كان يومًا صيفيًا، في تسارسكوي سيلو، قبل سنوات طويلة. كانت العائلتان قد ذهبتا إلى البحيرة معًا، وكان الأطفال يسبحون، ويلعبون، ويضحكون، وكانت كلوديا تقفز من الصخور الصغيرة إلى الماء، وتصرخ من الفرح. وكانت قد أخذتني من يدي، وصرخت: "تعال، ديميان! لا تخف!" وكانت يدي ترتجف قليلًا، لكنني قفزت، لأنها كانت قد طلبت مني ذلك. ولأنني، في ذلك العمر، لم أكن أستطيع أن أرفض لها شيئًا.

وعندما صعدنا من الماء، كنا قد جلسنا على العشب، في الشمس، وكانت هي تتكلم عن شيء، لا أتذكر ما هو، لكنني أتذكر أنها كانت تتكلم بسرعة، وبحماس، ويداها تتحركان في الهواء، وكانت تضحك. وأنا كنت أستمع، بلا أن أقول شيئًا، لأنني كنت أحب أن أسمعها. لأنني كنت، حتى في ذلك العمر، أحب أن أكون قريبًا منها، بلا أن أعرف كيف أقول ذلك، وبلا أن أعرف ما كان يعنيه ذلك.

ثم، في نهاية ذلك اليوم، قبل أن نعود إلى المدينة، كانت قد أخذتني جانبًا، وقالت، بصوت منخفض، كأنها كانت تقول سرًا: "ديميان، أنت صديقي المفضل. لا تخبر أحدًا. لكنك صديقي المفضل."

ولم أقل شيئًا. لم أكن أعرف ماذا أقول. لكنني تذكرت تلك الجملة، ولم أنسها، ولا مرة واحدة، ولا في أي يوم من أيام حياتي.

بعد ذلك الصيف، بعد أشهر قليلة، سافرت عائلة كلوديا. كانوا قد قرروا أن يذهبوا إلى الخارج، إلى فرنسا، إلى منتجع في الجنوب، بسبب صحة والدتها، التي كانت قد بدأت تتدهور. كانوا قد قالوا إنهم سيعودون بعد سنة. ثم بعد سنتين. ثم بعد ثلاث. وفي كل سنة، كنت أسمع أنهم سيعودون، وأنهم لم يعودوا، وأنهم سيبقون في الخارج أكثر، وأن هناك أسبابًا أخرى. وفي كل سنة، كانت كلوديا ترسل رسالة، أو رسالتين، عبر ماريا، أو عبر البريد، وفي البداية كنت أجيب، ثم توقفت. لم أكن أعرف لماذا توقفت. ربما لأنني كنت قد بدأت الخدمة العسكرية. ربما لأنني كنت قد بدأت أشعر أن هناك أشياء لا يمكن أن تُقال في الرسائل. ربما لأنني كنت قد بدأت أخاف من شيء لم أكن قادرًا على تسميته.

ثم، في سنة 1914، بدأت الحرب. وفي سنة 1915، ذهبت إلى الجبهة. وكنت هناك، في الخنادق، في الطين، في الدم، في كل شيء، حتى سنة 1916. ولما عدت، كانت كلوديا قد عادت أيضًا. كانت قد عادت إلى بتروغراد، مع والدتها، بعد سنوات طويلة، وكأنها كانت قد جاءت لتستقبل نهاية العالم مع الجميع.

ولم أذهب لرؤيتها. لم أكتب لها. لم أرسل لها شيئًا. لأنني كنت قد قررت، في مكان ما في داخلي، أنني لم أعد الشخص الذي كانت تعرفه. أنني كنت قد تغيرت. أنني كنت قد رأيت أشياء، وفعلت أشياء، وأصبحت شيئًا لا يمكن أن يكون معها، لا يمكن أن يكون قريبًا منها، لا يمكن أن يكون جزءًا من حياتها. كانت حياتها لا تزال جميلة. وكانت حياتي قد توقفت عن أن تكون جميلة منذ زمن.

ثم رأيتها في الحفل. في قصر الشتاء. في ذلك الفستان الأزرق، في ذلك الياقوت، في ذلك الشعر الأسود المرفوع، في تلك العيون التي كانت لا تزال كما كانت، رغم كل شيء، ورغم كل السنوات، ورغم كل ما حدث في العالم. ووقفت، من بعيد، عند النافذة، مع فيليكس، وقلت لنفسي إنني لن أذهب إليها، إنني لن أتكلم معها، إنني لن أفعل شيئًا من شأنه أن يربطني بها مرة أخرى.

ثم دخلت الممر، بعد ساعة، ووجدتها واقفة أمام بورتريه القيصر. وحدها. وكانت هناك. وكانت هذه هي المرة الأولى التي رأيتها فيها من قريب، منذ سنوات. وكانت قد تغيرت. كان في وجهها شيء جديد، شيء لم يكن فيها قبل سنوات. كان في عينيها شيء لم يكن فيهما من قبل. وكانت هناك، وأنا كنت هناك، ولم يكن هناك أحد آخر في الممر، ولم يكن هناك شيء يمكن أن يمنعني من الكلام، لكنني لم أستطع.

"كلوديا نيكولاييفنا."

قلت اسمها كما يقول الضابط اسم ضيفة في حفل رسمي. لأنني لم أكن أعرف كيف أقوله بطريقة أخرى. لأنني كنت قد نسيت كيف أقول اسمها، اسمها فقط، بلا ألقاب، بلا رتب، بلا حواجز.

"الكونت فولكوف."

قالت هي أيضًا. رسميًا. بلا شيء آخر. وكان هذا ما آلمني أكثر مما كنت قد توقعت.

واليوم، في الكنيسة، كنت هناك. كنت قد رأيتها تدخل، من بعيد، من الباب الجانبي، بمعطف رمادي، وبقبعة سوداء، وشال حريري بلون الفحم. لم تكن "صاحبة السمو". كانت امرأة تريد أن تمر بلا أن يلاحظها أحد. وكانت هذه هي المرة الأولى التي رأيتها فيها بلا شيء من زينتها، بلا شيء من تلك الهالة التي كانت تحيط بها دائمًا. وكانت، في تلك اللحظة، أجمل مما كانت في أي حفل، في أي فستان، في أي تاج.

ولم أستطع أن أتركها.

كان يجب أن أتركها. كان يجب أن أذهب، بمجرد أن رأيتها تدخل الكنيسة، وأن أعود إلى منزلي، وأن لا أنتظرها خارجًا، وأن لا أتكلم معها، وأن لا آخذ يدها، وأن لا أعدها بشيء. لكنني لم أستطع. لأنني، في تلك اللحظة، كنت قد نسيت كل ما كنت قد قررته، وكل ما كنت قد وعدت به نفسي، وكل شيء آخر. كنت قد تذكرت فقط شيئًا واحدًا: أنني كنت أحبها. وأنني كنت قد أحببتها من قبل، ومنذ زمن طويل، ولا مرة واحدة في حياتي توقفت عن ذلك.

وأنا الآن، في هذه الغرفة، وحدي، مع صورة قديمة، ومع كأس فارغة، ومع وعد قطعته لفيليكس، ومع كل شيء كنت قد فعلته، وكل شيء كنت قد لم أفعله، ومع كل شيء كنت قد أخفيته عن نفسي، وعن العالم، وعن كلوديا، ومع وعد قد قطعته لنفسي، في تلك الليلة، بلا أن أعرف إن كنت سأستطيع أن أوفي به.

"أنا سأكون معك."

هذا ما قلته لها. وهذا ما كنت أعنيه. لكنني كنت أعرف أيضًا أنني كنت سأفعل شيئًا لن تكون قادرة على أن تسامحني عليه. كنت سأفعل شيئًا سيكون خطأً. وكنت سأفعل ذلك، رغم أنني كنت أعرف أنه خطأ. لأنني كنت قد قررت أن أفعل شيئًا، أي شيء، بدلًا من أن أبقى واقفًا، بلا حركة، أتفرج على العالم وهو ينهار، بلا أن أفعل شيئًا.

وكانت كلوديا، في هذه المعادلة، هي الشيء الوحيد الذي كنت أريد أن أحميه، والشيء الوحيد الذي كنت أخاف أن أخسره. وكنت، في الوقت نفسه، أعرف أنني كنت، بكل خطوة أخطوها، أقترب من فقدانها.

كانت هذه هي المأساة. كانت هذه هي المأساة التي كنت قد دخلتها من تلقاء نفسي، بلا أن يدفعني أحد، بلا أن يكون هناك شيء يمكن أن يمنعني. كنت قد اخترت. وكنت، في تلك الليلة، في هذه الغرفة، مع صورة قديمة، ومع كأس فارغة، ومع وعد قطعته لرجل كنت لا أثق به، ومع وعد قطعته لامرأة كنت أخاف أن أخسرها، ومع كل شيء آخر، كنت قد بدأت أدفع الثمن. وكان الثمن أكبر مما كنت قد توقعت. وكان الثمن شيئًا لم أكن مستعدًا له.

---

في وقت لاحق من تلك الليلة

---

بقيت في الغرفة حتى الفجر.

لم أشرب أكثر من كأس واحدة. لم أقرأ. لم أكتب. لم أفعل أي شيء. جلست على الكرسي، وأنا أنظر إلى الصورة القديمة، وأفكر في كل شيء، وفي لا شيء، وفي كل شيء مرة أخرى.

في الفجر، في تلك الساعة التي لا تكون ليلًا ولا نهارًا، في تلك الساعة التي تعرفها بتروغراد في يونيو ولا يعرفها أحد آخر في العالم، قمت من الكرسي، ووضعت الصورة في المظروف، وأعدت المظروف إلى الدرج، وأغلقت الدرج بالمفتاح. ثم ذهبت إلى النافذة، ونظرت إلى الشارع. كانت المدينة لا تزال هادئة، لكنها كانت قد بدأت تستيقظ. كان هناك عامل يمشي إلى عمله، وامرأة تفتح نافذة، وحصان يسحب عربة صغيرة محملة بالخبز. كانت الحياة تستمر. كانت الحياة دائمًا تستمر، بلا أن تنتظر أحدًا، بلا أن تهتم بأي شيء.

ثم تذكرت كلمات كلوديا في الكنيسة: "أنا خائفة." وتذكرت كلماتها الأخرى: "أنا لا أريد أن أضيع." وتذكرت كلماتي أنا: "أنا سأكون معك."

وفكرت: أنا كذاب. أنا كذاب، لأنني لا أعرف إن كنت سأستطيع أن أكون معها. أنا كذاب، لأنني وعدتها بشيء لا أعرف إن كنت سأقدر أن أوفي به. أنا كذاب، لأنني قلت لها إنني سأكون معها، وفي الوقت نفسه، كنت قد وافقت على أن أكون جزءًا من شيء سيغير كل شيء، شيء سيضعني في مواجهة كل شيء، شيء قد يجعلني أختفي، أو أُقتل، أو أُعدم، أو أُنفى، أو أي شيء آخر.

وفكرت: لكنني قلت لها الحقيقة أيضًا. قلت لها إنني لا أعرف من أنا. قلت لها إنني لا أعرف إلى أي جانب سأقف. قلت لها إنني ممزق. وهذا كان صحيحًا. كل ما قلته لها كان صحيحًا. حتى عندما قلت لها "أنا سأكون معك"، كان هذا صحيحًا. لأنني، في تلك اللحظة، كنت أعني ذلك. وكنت، في تلك اللحظة، مستعدًا لأن أفعل أي شيء لأكون معها، حتى لو كان ذلك يعني أن أضحي بكل شيء آخر.

لكن المشكلة لم تكن في تلك اللحظة. المشكلة كانت في اللحظة التالية. في اللحظة التي كنت فيها في هذه الغرفة، وحدي، مع صورة قديمة، ومع كأس فارغة، ومع وعد قطعته لفيليكس، ومع كل شيء آخر. المشكلة كانت أنني لم أكن أعرف إن كنت سأستطيع أن أكون الشخص الذي قلت لها إنني سأكونه. لم أكن أعرف إن كنت سأستطيع أن أكون الرجل الذي قال إنه سيكون معها، حتى لو كان ذلك يعني أن يخسر كل شيء آخر.

ولم أكن أعرف، في تلك اللحظة، أن الأيام القادمة كانت ستحمل شيئًا لم يكن في حسبان أحد. شيئًا كان قد بدأ بالفعل، في مكان ما، بين رجال لا نعرفهم، في غرف لا نعرفها، في مدينة لا نعرفها، ولو كنا نظن أننا نعرفها. شيئًا سيأتي، بسرعة، بلا رحمة، وسيأخذ معه كل شيء، وكل شخص، وكل شيء كنا نظن أنه ثابت، وكل شيء كنا نظن أنه آمن.

ولم أكن أعرف أنني، في تلك الليلة، كنت قد بدأت أدفع الثمن. وأن الثمن سيكون أكبر مما كنت قد توقعت. وأنني، في النهاية، سأخسر شيئًا لم أكن أريد أن أخسره، وسأفعل شيئًا لم أكن أريد أن أفعله، وسأكون شيئًا لم أكن أريد أن أكونه.

لكن هذا كان في المستقبل. وفي تلك الليلة، في الفجر، في غرفتي، مع صورة قديمة، ومع كأس فارغة، ومع كل شيء آخر، كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط، شيئًا واحدًا لم يكن قد تغير، ولم يكن سيتغير، ولم يكن يمكن أن يتغير، مهما حدث، ومهما كان الثمن، ومهما كانت النهاية:

أنني كنت أحبها. وأنني كنت سأحبها حتى النهاية. حتى لو كانت النهاية هي نفسي.

---

نهاية الفصل السادس