White Nights
الفصل الثامن: الربيع القصير
---
بتروغراد — منزل فولكوف
يناير 1917
بعد شهر من مقتل راسبوتين
---
كانت المدينة قد تغيرت.
لم يكن هذا شيئًا يمكن رؤيته بالعين المجردة. الشوارع لا تزال هي نفسها، والجسور لا تزال قائمة، والقصور لا تزال واقفة. لكن الهواء كان مختلفًا. كان هناك شيء في الهواء، شيء لا يمكن تسميته، شيء كان يخبرك أن شيئًا ما قد انكسر، وأن هذا الشيء لن يُصلح.
كانت الطوابير أمام المخابز أطول. كانت وجوه الناس أكثر شحوبًا. كانت الصحف تتحدث عن إضرابات في المصانع، عن جنود يفرون من الجبهة، عن مظاهرات صغيرة في الأحياء الفقيرة. كانت هناك كلمة تتكرر في الهمسات، في المطابخ، في الثكنات، في غرف الخدم: "الجوع". الجوع لم يكن كلمة بعد الآن. كان حقيقة.
وفي هذا العالم، في هذا الشهر الأول من سنة 1917، كان ديميان فولكوف يجلس في مكتبه، محاطًا بالخرائط والبرقيات، وكأنه كان يعيش في جزيرة معزولة، بعيدًا عن كل هذا.
لكنه لم يكن معزولًا. كان يعرف كل شيء.
كان يعرف أن القيصر كان في الجبهة، بعيدًا عن المدينة، بعيدًا عن الواقع. كان يعرف أن أليكسندرا كانت تحكم في غيابه، بمساعدة راسبوتين، الذي كان قد مات. كان يعرف أن الشعب كان على وشك الانفجار، وأن الجيش كان على وشك التمرد، وأن البلاشفة كانوا يتحدثون عن شيء أكبر بكثير من الإضرابات الصغيرة.
كان يعرف أن الوقت كان ينفد.
كانت أوراقه مبعثرة على المكتب. رسائل من فيليكس، الذي كان قد اختفى في مكان ما في المدينة، يختبئ. تقارير من رجال في الجيش، يخبرونه أن الجنود لم يعودوا يطيعون. برقيات من أوروبا، من أشخاص لم يكن يعرفهم، لكنهم كانوا يعرفونه. كانت كلها تشير إلى شيء واحد: النهاية كانت قريبة.
وفي هذه الغرفة، في هذه المدينة، في هذا الشهر، كان هناك شيء آخر. شيء لم يكن في الأوراق. لم يكن في الخرائط. كان في الشخص الذي كان يقف في إطار الباب.
كانت كلوديا.
---
كانت واقفة هناك منذ دقيقة. كانت تراقبه. لم يكن قد لاحظها بعد. كان مشغولًا بالقراءة، بالتدقيق في الأوراق، بتحريك أصابعه على الورق، بلا أن يرفع عينيه.
كانت ترى وجهه. كان هناك خطوط جديدة حول عينيه. كان هناك شيء في فكه، شيء متوتر. لم يكن قد نام جيدًا منذ أسابيع. كان يعمل طوال الليل، وينام ساعتين، ثم يستيقظ، ويكمل، كأنه كان يظن أن النوم كان ترفًا لا يستطيع أن يتحمله.
كانت تعرف أنه كان يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه. كانت تعرف أنه كان يفعل كل شيء في وسعه. لكنها كانت تعرف أيضًا أن هذا كان يقتله. ببطء. كل يوم.
ثم قالت، من الباب، بصوت هادئ:
— ديميان.
رفع رأسه بسرعة. كان في عينيه شيء يشبه الخوف، أو ربما الأمل. كان دائمًا يخاف أن يكون شيء قد حدث لها. وكان دائمًا يشعر بالراحة عندما يراها.
— كلوديا. أنا لم أسمعك تدخلين.
— أنت لم تسمعني منذ أسبوعين.
سكت. نظر إليها. كان يعرف ما كانت تقصده. كان يعرف أنها لم تكن تتكلم عن سماع الخطوات. كانت تتكلم عن شيء آخر.
— أنا آسف. أعرف أنني كنت...
— بعيدًا.
— نعم.
— ديميان، أنا لم آتِ لأوبخك. أنا... أنا لم آتِ حتى لأتحدث عن السياسة، أو عن الحرب، أو عن البلاشفة. أنا أريد أن أتحدث عن شيء آخر.
نظر إليها. كان في عينيها شيء لم يره من قبل. لم يكن غضبًا. لم يكن حزنًا. كان شيئًا أقرب إلى التعب. التعب العميق، الذي يأتي بعد أن تكون قد حاولت أن تتحمل أكثر مما تستطيع.
— ماذا؟
— أنا لا أستطيع أن أكمل هكذا.
تجمّد.
— ماذا تعنين؟
— أعني أنني لا أستطيع أن أعيش هكذا بعد الآن. أنا أستيقظ كل صباح، وأنا أعرف أن هناك شيئًا سيئًا سيحدث. أنا أسمعك تتحدث في الهاتف، بصوت منخفض، وأنا أعرف أن هناك شيئًا لا تقوله لي. أنا أراك تعود في الليل، ووجهك يحمل شيئًا جديدًا، شيئًا لم يكن هناك بالأمس. وأنا... أنا لا أستطيع أن أستمر هكذا. أنا لم أعد أستطيع أن أكون هنا، في هذه المدينة، في هذه الغرفة، وأنا أشعر أن كل شيء حولي ينهار، وأنك لا تستطيع أن توقف ذلك، وأنني لا أستطيع أن أساعدك.
— كلوديا...
— لا. دعني أكمل. أنا لا أطلب منك أن توقف الثورة. أنا لا أطلب منك أن تنقذ الإمبراطورية. أنا أعرف أن ذلك أكبر منك، وأكبر مني، وأكبر من كل شيء. لكنني أطلب شيئًا واحدًا. شيئًا واحدًا فقط.
— ماذا؟
— خذني بعيدًا. ليوم. ليومين. لأسبوع. إلى مكان لا يوجد فيه أخبار، ولا برقيات، ولا خطط، ولا خوف. إلى منزل الصيف. المنزل الذي كنا نذهب إليه عندما كنا صغارًا. أريد أن أعود إلى هناك. أريد أن أرى إذا كان هناك أي شيء متبقٍ منا. من الطفولة. من الوقت الذي كنا فيه... عاديين.
سكت.
كان ينظر إليها، بلا أن يتحرك. كان في عينيه شيء لم يكن هناك من قبل. كان شيئًا يشبه الخوف. ليس الخوف من الموت، بل الخوف من أن يعدها بشيء لا يستطيع أن يوفيه. الخوف من أن يأخذها إلى هناك، ثم يخبرها أن هذا لن يدوم.
— كلوديا، أنت تعرفين أن هذا...
— أعرف. أعرف أنك لا تستطيع أن تتوقف. أعرف أن المدينة تنهار. أعرف أن هناك أشخاصًا يعتمدون عليك. أعرف كل شيء. لكنني... أنا لم أعد أستطيع أن أعيش في هذا الرعب. أنا أريد أن أعيش في شيء آخر، ولو ليوم واحد. أريد أن أرى ديميان الذي كان يضحك في تسارسكوي سيلو، وليس ديميان الذي يخفي مسدسًا تحت وسادته.
نظر إليها. طويلًا. كان هناك شيء في صدره، شيء كان يشبه الألم، لكنه كان أعمق. كان شيئًا كان يعرف أنه لن يستطيع أن يقوله، لكنه كان يعرف أن كلوديا كانت محقة. كانت محقة في كل شيء.
ثم، ببطء، أخذ نفسًا، وأغلق الملف الذي كان بين يديه، وقال:
— حسنًا.
— حسنًا؟
— حسنًا. سنذهب. غدًا. إلى منزل الصيف. ليومين. لا برقيات، ولا خطط، ولا شيء. فقط... نحن.
نظرت إليه، وكانت عيناها تلمعان. كانت تعرف أن هذا لن يغير شيئًا. كانت تعرف أن المدينة كانت تنهار، وأنه سيعود إلى هنا، إلى الأوراق، إلى الخوف. لكنها كانت تعرف أيضًا أن هذا كان كل ما يمكن أن تطلبه في هذه اللحظة.
— شكرًا، ديما.
قالت الاسم. مرة أخرى. بصوت هادئ، حنون، صوت لم يكن فيه أي شيء آخر سوى الحب.
ونظر إليها، وكان في عينيه شيء لم يكن هناك من قبل. كان شيئًا كان أقرب إلى... السلام.
---
منزل الصيف — تسارسكوي سيلو
اليوم التالي
---
كان المنزل كما تركه.
كان كبيرًا، أبيض، خشبيًا، تحيط به الأشجار العارية، والثلج الذي كان يغطي الأرض، والبحيرة المتجمدة التي كانت تلمع تحت الشمس الشاحبة. كان هناك صمت غريب، صمت لم تكن تعرفه المدينة. صمت كان فيه شيء من الماضي، شيء كان قد نسي.
كان الخدم قليلين. كان هناك طباخ عجوز، وخادم في العشرين، وامرأة كانت تدير الغرف. كان ديميان قد أرسل إليهم قبل أسبوع، ليجهزوا المنزل، ليكن جاهزًا. لكنه لم يكن قد أخبرهم عن السبب. لم يخبر أحدًا.
وصلوا في الصباح. كانت كلوديا قد لبست معطفًا بسيطًا، وقبعة صوف، وكانت تبدو مختلفة. كان وجهها أكثر إشراقًا، وكانت عيناها تتحركان بسرعة، تلتقطان كل شيء، كأنها كانت ترى المكان لأول مرة.
نزلت من العربة، ووقفت أمام المنزل، وتنفست الهواء البارد.
— هنا. هنا كنا نجلس، عندما كنا صغارًا. أنا وماريا وأنا، وأنت. كانت ماريا ترمي الثلج عليك، وأنت كنت تغضب، ثم تضحك، ثم ترميها أنت. ثم كنتما تغضبان معًا.
نظر إليها ديميان. كان في وجهه شيء يشبه الابتسامة. شيء صغير، لكنه حقيقي.
— أتذكر.
— ماذا تتذكر؟
— أتذكر أنك كنتِ تقفين هناك، عند الشجرة، وكنتِ ترمين الثلج على الجميع، ثم تهربين. وكنتِ دائمًا تهربين في نفس الاتجاه، خلف الشجرة الكبيرة. وكنت دائمًا ألحق بك. وكانت ماريا تغضب، لأننا كنا نتركها وحدها.
نظرت إليه كلوديا. كان في وجهها شيء يشبه الدهشة.
— أنت تتذكر هذا؟
— أتذكر كل شيء، كلوديا. كل شيء.
---
داخل المنزل — الغرفة الكبيرة
---
كان المنزل دافئًا. كان الطباخ العجوز قد أشعل المدفأة، وكانت رائحة الخشب المحترق تملأ الغرفة. كانت كلوديا تجلس على السجادة أمام المدفأة، ويداها ممدوتان نحو النار، وكانت تغلق عينيها وتتنفس ببطء.
كان ديميان يجلس على الكرسي المقابل، ينظر إليها. كان قد خلع سترته العسكرية، وارتدى قميصًا بسيطًا، وكان يبدو مختلفًا. كان يبدو أصغر. كان يبدو كأنه قد ترك شيئًا في المدينة، شيئًا كان يحمله معه دائمًا.
— ديميان؟
— نعم؟
— هل تعرف ما هو الشيء الذي أفتقده أكثر؟
— ماذا؟
— الصمت. ليس الصمت الذي يكون فيه خوف، أو قلق، أو انتظار. الصمت الذي يكون فيه... سلام. مثل هذا. الآن. هنا.
نظر إليها.
— أنا أيضًا.
— ديميان، هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟
— بالتأكيد.
— لماذا لم تتزوج؟
تجمّد. لم يكن قد توقع هذا السؤال. لم يكن قد توقع أن تسأله كلوديا، في هذه اللحظة، في هذا المكان. نظر إليها، وكان في عينيه شيء يشبه الحذر.
— لماذا تسألين؟
— لأنني أريد أن أعرف. أنت في الثلاثين. أنت نبيل. أنت ضابط. كان يجب أن تكون متزوجًا منذ سنوات. كان يجب أن يكون لديك عائلة. لكنك... لم تفعل. لماذا؟
سكت. طويلًا. كان ينظر إلى النار، إلى اللهب الذي كان يرقص، إلى الخشب الذي كان يتفحم ببطء.
— لأنني كنت أنتظر.
— ماذا كنت تنتظر؟
— شخصًا.
— من؟
توقف. نظر إليها. كان في عينيه شيء لم يكن هناك من قبل. كان شيئًا كان قد أخفاه لسنوات، شيئًا كان قد حاول أن ينكره، لكنه لم يستطع.
— أنتِ.
سكتت كلوديا. كانت تعرف، في مكان ما داخلها، أن هذا سيكون الجواب. كانت تعرف أن هناك شيئًا بينهما، شيئًا لم يكن قد قيل، لكنه كان موجودًا دائمًا.
— ديميان...
— لا تقولي شيئًا. أنا لا أريد أن أقول هذا لأجعلك تشعرين بالذنب، أو بالشفقة. أنا فقط... أنا فقط أقول الحقيقة. أنا كنت أنتظرك. منذ أن كنا صغارًا. منذ ذلك اليوم في البحيرة، عندما قلتي لي إنني صديقك المفضل. لم أكن أعرف ماذا يعني ذلك حينها. لكنني عرفت، بعد سنوات، عندما كنت في الجبهة، في الطين، بين الموتى. عرفت أن الشيء الوحيد الذي كان يجعلني أريد أن أعيش هو فكرة أنني قد أراكِ مرة أخرى. أنني قد أسمع صوتك مرة أخرى. أنني قد أكون قريبًا منك مرة أخرى.
نظرت إليه كلوديا. كانت عيناها تلمعان. لم تكن تبكي، لكنها كانت قريبة.
— أنا كنت موجودة، ديميان. أنا كنت هنا. لماذا لم تأتِ؟
— لأنني لم أكن أستحق.
— ماذا تعني؟
— أعني أنني لم أكن الشخص الذي تستحقينه. كنت رجلًا قد رأى أشياءً كثيرة. أشياءً لا يمكن أن تُنسى. كنت رجلًا قد فقد شيئًا في الجبهة، شيئًا لم أستطع أن أستعيده. وكنت أخاف أن أجرك معي إلى هذا. إلى هذا الظلام. إلى هذا...
سكت. نظر إلى النار.
— لكنني كنت مخطئًا. لأنني، بكل هذا الظلام، بكل هذه الأشياء التي رأيتها، لم أكن أستطيع أن أبتعد عنك. ولم أكن أريد.
نهضت كلوديا من مكانها، ومشت نحوه، وجلست على السجادة أمامه. كانت قريبة منه. كانت ترى وجهه، وعينيه، والشيء الذي كان فيهما.
— ديميان، أنا لا أريد الشخص الذي يظن أنه يستحق. أنا أريدك أنت. بكل شيء. بكل ظلامك. بكل ما رأيته. بكل ما أنت عليه. أنا لا أريد نسخة مثالية منك. أنا أريدك. أنت. فقط.
نظر إليها. كان في عينيه شيء يشبه الانهيار. لكنه لم يكن انهيارًا حزينًا. كان انهيارًا من نوع آخر. انهيار شيء كان قد بناه حول نفسه، شيء كان قد ظن أنه سيحميه. لكنه لم يكن يحميه. كان يخنقه.
ثم، ببطء، مد يده، وأخذ يدها، ووضعها على وجهه.
— أنتِ... أنتِ حقًا لا تعرفين ما تفعلينه بي.
— أعرف. أنا أعرف بالضبط ما أفعله. أنا أعيدك إلى الحياة.
---
اليوم التالي — البحيرة المتجمدة
---
في الصباح، خرجوا.
كانت البحيرة متجمدة تمامًا، سطحًا لامعًا يمتد إلى ما لا نهاية، تحت سماء زرقاء شاحبة. كانت الأشجار حولها مغطاة بالثلج، وكان الهواء باردًا، نقيًا، يلسع الوجه.
كان ديميان قد أحضر زلاجات قديمة، كان قد وجدها في المخزن. كان قد أصلحها، وربطها بحذائه، ثم نظر إلى كلوديا.
— هل تعرفين كيف تتزحلقين؟
— بالطبع أعرف. أنا لم أنسَ كل شيء.
— حسنًا. إذن، أريني.
نزلت كلوديا على الجليد، وكانت تتحرك ببطء في البداية، ثم بثقة أكبر، ثم بسرعة. كانت تضحك، وكان صوتها يتردد في الهواء البارد، وكانت تبدو كأنها عادت إلى الطفولة. إلى ذلك الصيف، إلى تلك البحيرة، إلى ذلك الوقت الذي كان فيه كل شيء بسيطًا.
كان ديميان يراقبها من حافة البحيرة. كان يبتسم. كانت هذه أول مرة يبتسم فيها منذ زمن طويل. لم يكن ابتسامة صغيرة، ولا ابتسامة مقتضبة. كانت ابتسامة حقيقية، ابتسامة رجل كان يرى شيئًا كان قد ظن أنه فقده إلى الأبد.
ثم، فجأة، تعثرت كلوديا، وسقطت على الجليد. لم تكن قد أصيبت، لكنها كانت تضحك، تضحك بشدة، بلا سيطرة.
ركض ديميان إليها، وجلس بجانبها على الجليد.
— هل أنتِ بخير؟
— نعم. نعم. فقط... سقطت.
— أنتِ لا تزالين لا تعرفين كيف تتزحلقين.
— أنت لا تعرف شيئًا. أنا كنت أتزحلق بشكل ممتاز.
— قبل أن تسقطي؟
— بالضبط.
ضحكا. معًا. كان صوت الضحك يتردد في الهواء البارد، وكان هناك شيء في تلك اللحظة، شيء كان أقرب إلى السعادة. ليس السعادة الكاملة، بل السعادة التي تأتي في لحظة، في ومضة، في شيء كان يعرف أنه لن يدوم، لكنه كان يستحق أن يُعاش.
ثم، ببطء، توقف الضحك، وبقي الصمت. كانا لا يزالان على الجليد، قريبين من بعضهما. كانت كلوديا تنظر إليه، وكان ديميان ينظر إليها.
— ديميان...
— نعم؟
— أنا أريد أن يبقى هذا الشعور. إلى الأبد. هذا السلام. هذا...
— أنا أعرف.
— هل يمكننا أن نبقى هنا؟ لا نعود؟
نظر إليها. كان في عينيه شيء يشبه الحزن، لكنه كان حزنًا هادئًا، حزنًا كان يعرف أنه لا يستطيع أن يخفيه.
— لو كان بيدي، لكنت أوقفت الزمن الآن. هنا. في هذه اللحظة. لكن... أنا لا أستطيع.
— أعرف.
— لكنني أستطيع أن أعدك بشيء.
— ماذا؟
— أنني، مهما حدث، سأحاول أن أعود إليك. دائمًا. مهما كان الثمن. مهما كان ما يحدث في المدينة. سأعود. لأنك... أنتِ الشيء الوحيد الذي يجعلني أريد أن أعيش.
نظرت إليه. وكانت تعرف أن هذا كان وعدًا لا يستطيع أن يضمنه. لكنها كانت تعرف أيضًا أنه كان يعني كل كلمة.
— وأنا سأكون في انتظارك. دائمًا.
---
في الليل — المنزل
---
كانت كلوديا نائمة في غرفتها. كانت نائمة بعمق، بعمق لم تنم به منذ أشهر. كان وجهها هادئًا، خاليًا من التوتر، من الخوف. كانت تبدو كطفلة، كطفلة كانت تحلم بشيء جميل.
كان ديميان يجلس في المكتبة الصغيرة في المنزل. كان قد فتح الدرج، وأخرج صورة قديمة، ووضعها على الطاولة أمامه. كانت الصورة التي كانت لديه منذ سنوات. صورة العائلة على شاطئ البحيرة. صورة كلوديا وهي تضحك. صورة له، طفلًا، يخفي شيئًا في عينيه.
كان ينظر إليها، وكان يفكر. كان يفكر في كل شيء. في الطفولة. في الحرب. في الموت. في الحب. في كل شيء.
ثم سمع صوتًا في الردهة.
كان الخادم العجوز. كان يحمل برقية.
— سيدي، هذه وصلت للتو. من المدينة.
أخذ ديميان البرقية. فتحها. قرأها.
كانت قصيرة:
"الوضع في بتروغراد يخرج عن السيطرة. إضرابات في كل المصانع. الجيش بدأ يتمرد. فيليكس يقول إنك يجب أن تعود. الآن. الوقت ينفد."
قرأها مرة. مرتين. ثلاث.
ثم، ببطء، طواها، ووضعها على الطاولة.
كان يعرف أن هذا اليوم كان سيأتي. كان يعرف أن هذا الأسبوع، هذا الربيع القصير، كان مجرد هدنة. لم يكن حلًا. لم يكن نهاية. كان مجرد استراحة. استراحة قصيرة، قبل أن يبدأ كل شيء من جديد.
نظر إلى الصورة مرة أخرى. إلى وجه كلوديا. إلى الضحكة التي كانت في عينيها.
ثم، ببطء، قام من الكرسي، وذهب إلى غرفتها. كان الباب مفتوحًا قليلًا. دخل، بلا أن يحدث صوتًا. كانت لا تزال نائمة. كانت تتنفس بهدوء، بعمق. كان وجهها هادئًا.
جلس على حافة السرير، ونظر إليها. كانت أجمل مما كانت في أي حفلة، في أي فستان، في أي لحظة. كانت هي. فقط هي.
ثم، ببطء، انحنى، وطبع قبلة على جبهتها.
— آسف، كلوديا.
قالها بصوت منخفض، بصوت كان مرتجفًا قليلًا.
— الربيع خلص.
ثم قام، وخرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، وتركها نائمة، في عالم بلا خوف، في عالم كان يعرف أنه لن يدوم.
---
في الصباح، عادوا إلى بتروغراد.
كانت المدينة قد تغيرت. كان الثلج لا يزال أبيض، لكن الهواء كان يحمل رائحة شيء محترق. كان هناك توتر في الشوارع، في الوجوه، في كل شيء. كان هناك شيء كان قد بدأ، شيء لم يكن قد بدأ من قبل.
وفي عربة، في طريق العودة، كانت كلوديا تنظر من النافذة، إلى المدينة التي كانت تبتعد، إلى منزل الصيف، إلى الربيع القصير. كانت تعرف أن هذا كان آخر مرة ترى فيها هذا المنزل. كانت تعرف أن شيئًا كان قد انتهى.
نظرت إلى ديميان، الذي كان يجلس بجانبها، صامتًا، ينظر إلى المدينة.
— ديما.
— نعم؟
— شكرًا لك. على هذا. على هذين اليومين.
نظر إليها. كان في عينيه شيء يشبه الألم، لكنه كان يبتسم.
— أنا لم أفعل شيئًا.
— فعلت. أعطيتني شيئًا كنت قد ظننت أنني فقدته إلى الأبد. أعطيتني... السلام.
نظر إليها طويلًا. ثم، ببطء، أخذ يدها.
— أنا سأحاول أن أعيده. يومًا ما. عندما ينتهي كل هذا. سأعيدك إلى هناك. أعدك.
نظرت إليه، وكانت تعرف أن هذا وعد قد لا يستطيع أن يوفيه. لكنها كانت تعرف أيضًا أنه كان يعني كل كلمة.
— وأنا سأنتظر.
---
نهاية الفصل الثامن
الربيع القصير
ليلة بيضاء · بقلم lia ,