NOVELFLEX

دخلت إيفلين البيت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء رن. تحركت قدماها على الأرضية الخشبية، فارتد صدى خطواتها في الغرفة، بينما ضوء المصباح القديم يملأ الزوايا بلطف. صحن العشاء الذي أحضره جارها لا يزال دافئًا في يديها، ورائحة الطعام تتصاعد في الهواء،

Dread · بقلم Joudi Farah

دخلت إيفلين البيت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء رن. تحركت قدماها على الأرضية الخشبية، فارتد صدى خطواتها في الغرفة، بينما ضوء المصباح القديم يملأ الزوايا بلطف. صحن العشاء الذي أحضره جارها لا يزال دافئًا في يديها، ورائحة الطعام تتصاعد في الهواء، كأنها تملأ المكان بدفء غير مرئي.

جلست على الطاولة، وأخذت نفسًا عميقًا، تشعر بالسكينة بعد لحظة التوتر القصيرة خارج الباب. أمعنت النظر في الصحن، وتذكرت ابتسامة جارها وكلماته الدافئة: «إذا احتجتِ شيئًا، فأنا هنا.» بدا لها أن كل شيء حولها — الضوء، الريح، رائحة الزهور من الحديقة — يتناغم ليجعل هذه اللحظة بسيطة لكنها عميقة، محفورة في الذاكرة.

جلست إيفلين على الطاولة، وأزاحت الغطاء عن صحن العشاء متوقعة رائحة الطعام الساخن وألوانه الزاهية. لكن حين رفعته، لم تجد شيئًا، كان الصحن فارغًا تمامًا. تجمدت لحظة، وارتسمت الدهشة على وجهها، وعيناها تتسعان للحظتها.

تجمدت للحظة، تحاول استيعاب ما حدث، وشعرت بغصة صغيرة من الانزعاج تمرّ عبرها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من قبل.

لا تزال يدها ترتجف قليلاً من التوتر. تجولت عيناها في المكان، تبحث عن تفسير لما حدث، بينما شعرت بغصة خفية في صدرها.

همست لنفسها وهي تحاول ترتيب أفكارها: «لماذا فعلوا هذا؟ ما سبب إرسال صحن فارغ؟»

ارتفع توترها مع كل لحظة صمت، وكأنها على وشك اكتشاف شيء غير متوقع.

في صباح اليوم التالي، نهضت إيفلين من سريرها وهي لا تزال تشعر بثقل التوتر في صدرها. خرجت إلى الحديقة بخطوات بطيئة، تتفحص كل زاوية بعينيها، تبحث عن تفسير لما حدث البارحة. الجيران كانوا هناك، كأنهم جزء من لوحة هادئة: الأب جالس على المقعد الخشبي يقرأ بصمت، والأم تقف مبتسمة، تمسك فنجان شاي، والبنت الصغيرة تركض بين الزهور ضاحكة.

رغم الجو الهادئ والابتسامات الودية، لم يخفف هذا من حيرتها. وقفت تراقبهم للحظة طويلة، تساءلت في نفسها: «لماذا فعلوا ذلك معي؟ ما سبب إرسال صحن فارغ؟»

حيرتها كانت تمتزج بتوتر خفي، كل حركة يقومون بها تثير في ذهنها ألف احتمال. شعرت بأن العالم من حولها يبدو طبيعيًا، لكنه في الوقت نفسه يخفي شيئًا لم تستطع فهمه بعد. لم تستطع الابتعاد عنهم، عيناها تتتبع كل تصرف، وكأنها تحاول قراءة السر وراء هذا الفعل الغريب.

اقتربت الطفلة الصغيرة من إيفلين بخطوات سريعة، وعيونها تلمع بالفضول. نظرتها كانت بريئة، لكنها لم تستطع إخفاء دهشتها من توتر إيفلين.

قالت الطفلة بخفة:

«قالت لكِ ماما: أعطني صحن البارحة.»

ارتفعت دقات قلب إيفلين من المفاجأة، ونظرت إليها بعينين واسعتين. ثم قالت بحزم، وصوتها يحمل التوتر والغضب الخفيف:

«قولي لوالديك ألا يكررا اللعب معي كما حدث البارحة.»

وقفت الطفلة للحظة صامتة تحدق فيها، بينما شعرت إيفلين بتوترها يتصاعد، محاولةً فهم السبب وراء هذا التصرف الغريب.

دخلت إيفلين البيت بخطوات سريعة، وأغلقت الباب خلفها بعصبية خفيفة. مدت يدها لتأخذ الهاتف وفتحت الاتصال بالكاميرا، فظهر وجه زوجها على الشاشة مليئًا بالقلق.

«إيفلين… ماذا حدث أمس؟» سألها بصوت هادئ لكنه صارم.

أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي بتوتر وصراحة:

«تعرف ماذا حدث أمس؟ جاء جارنا وأعطاني صحنًا وقال: ‘هذا عشاء لكِ’… ولكن عندما رفعت الغطاء، كان الصحن فارغًا تمامًا! لم أفهم لماذا فعلوا هذا، رغم لطفهم الظاهر.»

صمت الزوج للحظة، ثم قال بحزم:

«إيفلين… لا تواصلي الحديث معهم، ولا تحاولي معرفة سبب تصرفهم. من الأفضل أن تبعدي عنهم مؤقتًا وتقطعي أي تواصل.»

ارتجفت شفتاها قليلاً، لكنها شعرت ببعض الاطمئنان من صوته الواضح:

«حسنًا… سأفعل كما تقول، لكن لا زلت في حيرة… لا أفهم سبب هذا الفعل.»

أجابها الزوج مطمئنًا:

«هذا طبيعي، لا تقلقي. أهم شيء الآن أن تحمي نفسك، وهدّئي أعصابك، وستتضح الأمور لاحقًا.»

مرت أيام قليلة منذ الحادثة الغريبة، ومع ذلك بقيت إيفلين مترددة. في كل صباح، كانت تخرج إلى حديقة بيتها بخطوات هادئة، تراقب الجيران من بعيد. كانوا يظهرون لطفاء وودودين: الأب يجلس على المقعد يقرأ بصمت، الأم تهتم بالزهور، والطفلة الصغيرة تلعب بينهما بلا عناء. أحيانًا، كانت تلاحظهم من نافذة غرفتها، وأحيانًا أخرى كانوا يلتقطون نظرها ويبتسمون، وكأنهم يحاولون تهدئتها بطريقة غير مباشرة.

مع مرور الوقت، شعرت إيفلين شيئًا من الاطمئنان. بدا لها أنهم حقًا أشخاص طيبون، وأن ما حدث كان مجرد تصرف غريب لا يعكس طبيعتهم الحقيقية. ومع ذلك، لم يختفِ فضولها وحيرتها بالكامل، لكنها بدأت تدريجيًا كيف تفصل بين تصرفاتهم الغريبة والموقف العام الودي الذي يظهرونه.

تسللت إلى قلبها فكرة صغيرة: ربما كل شيء ليس كما يبدو، وربما تصرفهم الغريب كان مجرد خطأ أو مزحة لم تفهمها بعد. ومع ذلك، بدأت تدريجيًا كيف توازن بين حذرها الطبيعي وثقتها المتنامية في لطفهم الظاهر.

أحد الأيام، بينما كانت إيفلين جالسة في الحديقة، لاحظت أن الجيران يجلسون معًا بالقرب من الشرفة الصغيرة، يتبادلون الحديث ويضحكون بخفة. شعرت بفضول لا يمكن كبحه، فتقدمت ببطء نحو السياج الفاصل، محاولة سماع ما يقولون دون أن يلاحظوا وجودها.

بعد لحظة من المراقبة الصامتة، قررت إيفلين أن تقترب قليلًا، خطواتها خفيفة كأنها لا تريد أن تُفاجئ أحدًا. اقتربت من السياج وحدقت في الجيران، ولاحظت كيف كانوا مشغولين بأعمالهم اليومية، بلا أي انتباه لها في البداية.

ثم توقفت الطفلة الصغيرة فجأة، وركضت نحو السياج بابتسامة، وقالت ببراءة:

«أهلاً بك، إيفلين!»

ارتجفت إيفلين للحظة، لكن لمست دفء في صوتها الصغير، فابتسمت بحذر وردت التحية. الأم التفتت إليها وألقت ابتسامة هادئة، وقالت:

«لا تخافي، نحن سعداء برؤيتك. لم نكن نقصد أي إزعاج، مجرد دعابة بسيطة بالأمس.»

تسمرت إيفلين للحظة، تحاول استيعاب ما قالته، بينما الأب أشار برفق نحو المقعد بجانب السياج:

«تعالي واجلسي، لن تكوني وحدك.»

في هذه اللحظة، شعرت إيفلين بنوع من الاطمئنان لأول مرة منذ حادثة الصحن الفارغ. الغموض لم يزح بعد، لكن الفجوة بين الريبة والفضول بدأت تضيق، وأحست أن هناك فرصة لفهم ما وراء تصرفاتهم بطريقة أهدأ وأكثر وضوحًا.

وقفت إيفلين لبرهة أمام جيرانها، شعور الحيرة ما زال يثقل قلبها، ثم قالت بابتسامة هادئة لكنها خجولة:

«لا أستطيع البقاء معكم الآن…»

ابتسم الجيران لها بلطف، لكنها لم تشعر بالقدرة على الانخراط معهم. عادت إلى بيتها بخطوات متأنية، وأغلقت الباب خلفها. صمت المنزل حولها كان مريحًا بعد توتر الأيام الماضية، وكأن الجدران تمنحها شعورًا بالأمان.

حملت هاتفها وجلست على الكرسي بالقرب من النافذة، وبدأت تكتب لزوجها رسائل قصيرة تفيض بما يختلج في قلبها:

«كنت أراقبهم هذه الأيام… يظهرون أشخاصًا طيبين.»

توقفت للحظة، تتذكر كل ابتسامة، كل حركة ودية، ثم أضافت:

«ربما كنت أنا المخطئة في حقهم… وربما فهمي للأشياء كان خاطئًا.»

أرسلت الرسالة، وأغمضت عينيها للحظة، تسمع صوت الريح يمر بين الأشجار في الحديقة، شعور بالهدوء والطمأنينة يملأ صدرها، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها. لم يعد قلبها مثقلاً كما كان، بل شعرت بأن خطوة صغيرة نحو الهدوء كانت كافية لتخفيف كل توتر الأيام الماضية.

تجمدت إيفلين في مكانها، عينها تتسعان ورعشتها تتزايد. بعد لحظة صمت ثقيلة، حاولت تقليد الفعل مع ابنة المرأة. رفعت الفنجان، وبدأت الطفلة تتظاهر بالشرب، بينما كانت عيناها ثابتة على إيفلين بنظرة فارغة ومخيفة.

ارتعشت إيفلين، شعرت بالقشعريرة تسري في عمودها الفقري، وكل ابتسامة على وجوههما كانت تحبس فيها رعبًا لا تستطيع تفسيره. كانت اللحظة صامتة، مكتومة، حتى أصبح صمت الحديقة أكثر رعبًا من أي صوت.

دفعها الرعب لتقفز إلى الوراء، تصطدم بالكراسي، وأوراق الحديقة تتطاير في كل اتجاه، بينما ظل وجه الطفلة والزوجة يقتربان من إيفلين بشكل غير طبيعي، وكأنهما يتحركان خارج قوانين الزمان والمكان. قلبها كان يصرخ في صدرها، وهي تصرخ داخليًا:

«ما هذا…؟»

كانت تراقب الزوجة وابنتها، والفناجين أمامهما خالية… ومع ذلك، بدأتا تتظاهران بالشرب، كأن شيئًا غير مرئي يملأهما بسائل وهمي. حركاتهما كانت دقيقة وهادئة، لكن في عيني إيفلين ظهر الرعب: كل حركة، كل ابتسامة، كانت غريبة، مصنوعة من الظلام نفسه.

رفع الفنجان، أماله إلى شفتيهما، وابتسمتا بابتسامة باردة لا تحمل أي حياة. أصابع إيفلين ارتجفت، وشعرت بغصة في حلقها، وكأن الهواء حولها أصبح ثقيلاً، يضغط على صدرها.

أخذت خطوة إلى الوراء، لكن عينيها لم تفلت المشهد، كل تفصيل بدا وكأنه محفور في عقلها: حركات شفاههما، انعكاس الضوء على الفنجان الفارغ، صمت الحديقة الثقيل الذي يصدح في أذنيها بصوت داخلي يقول:

«هل ترين… ما يشربانه ليس من هذا العالم…»

ارتعشت إيفلين، شعرها يتصبب عرقًا باردًا، ولم تستطع الحراك. كل ثانية أمامهما كانت كدهر، وكل ابتسامة على وجهيهما كانت تقطعها بمرعب لا يوصف، كأنهما يستهزئان بها، ويؤكدان أن كل شيء حولها ليس كما يبدو.

ارتجفت إيفلين من رأسها حتى أخمص قدميها، قلبها يضرب بعنف كأنه يريد الانفلات من صدرها. كادت أصابعها تتجمد على الفنجان الذي لم تلمسه، وعيناها لم تفلت الزوجة وابنتها وهما يواصلان الشرب من فناجين فارغة، بحركاتٍ لا تحمل أي معنى منطقي.

أخذت نفسًا عميقًا، لكنها شعرت أن الهواء حولها أصبح ثقيلاً، يضغط على رئتيها، وكأن الحديقة نفسها تحبسها. ارتجفت شفتاها، ثم قالت بصوتٍ متقطع، وكأنها تتحدث لنفسها قبل أن يسمعها أحد:

«آسفة… حقًا… لم أقصد…»

نظرت إليهما، والابتسامة الباردة لم تفارق وجهيهما، لكن شيء ما في عينيهما جعلها تشعر أن الاعتذار مجرد وهم لا يغير شيئًا.

وفجأة، دارت على نفسها بسرعة، وركضت نحو بوابة الحديقة. كل خطوة كانت كأن الأرض تحتها تتغير، كل ظل من الأشجار يمتد ويقترب، وكأن الأصابع السوداء للحديقة تحاول الإمساك بها. أصوات الأوراق المتطايرة مع الريح، والضحكة الخافتة التي تخرج من لا شيء، كانت تتبعها، تضاعف رعبها، وتجعلها تكاد تفقد وعيها.

وصلت أخيرًا إلى باب دارها، دفعت الباب بقوة، ودفعت نفسها داخله، مغلقةً إياه بسرعة بينما ارتجفت يدها على المقبض. كان قلبها يصرخ، وعينها تتسعان كما لو كانت ترى الظلام نفسه يطرق من خلال الباب.

وقفت للحظة، تلهث، تشعر بالبرد يسري في جسدها كله، حتى أصابعها بدأت تخدر. صمت المنزل بدا هادئًا على نحو مخادع، لكن عقلها كان يسمع صدى الضحكة الخافتة، يترنح في أذنيها:

«لن تخرجي من هذا… أبداً…»

ارتعشت إيفلين، وجلست على الأرض، وظهر لها شعور بالرهبة لا يوصف، كأن كل شيء حولها قد تغير، وأن ما رأت في الحديقة لم يكن مجرد مشهد عادي، بل نظرة من عالم آخر، عالم يلتهم كل من يجرؤ على الدخول إليه.

أغلقت إيفلين عينيها للحظة، تحاول تهدئة نفسها، لكن صوت الضحكة الخافتة من الحديقة عاد يتسلل عبر جدران المنزل، يزداد قربًا كل ثانية. حاولت التقدم إلى الداخل، لكن كل غرفة بدت أطول وأكثر ضبابية، وكل ظل على الحائط يتحرك كأن المنزل نفسه يحيك عليها فخًّا.

جلست على الأرض، تتنفس بصعوبة، بينما يتسرب شعور بالرعب في كل شعرة من جسدها. كانت تعلم أن ما رأت في الحديقة لم يكن مجرد وهم، وأن الفناجين الفارغة والابتسامة الباردة للزوجة والطفلة كانت بوابة لعالم آخر… عالم يلاحقها الآن حتى داخل منزلها، دون أن تسمع أو ترى شيئًا ملموسًا، سوى الرهبة التي تتغلغل في عظامها.

جلست إيفلين على الأرض، ظهرها ملاصق للحائط، ويدها تحتضن نفسها بشدة. عيناها تتفحص كل زاوية مظلمة، وكل خفقة قلب تشعر بها كأنها صدى صراخ خفي يملأ الغرفة.

كان صمت المنزل ثقيلاً، لكنه ليس صمتًا عاديًا… صوت الريح من الشقوق الصغيرة، صرير الأرضية، وحتى همس تنفسها بدا مكبرًا ومفزعًا، يختلط مع شيء خفي لا تستطيع تحديده.

ثم شعرت بنسيم بارد يلامس وجهها فجأة، رغم أن كل النوافذ مغلقة والستائر مسحوبة بإحكام. ارتجفت، ورفعت رأسها ببطء… ورأت ظلًا يتحرك على الحائط المقابل، خطوطه تشبه ابتسامة الزوجة وابنتها في الحديقة، لكن أكثر تشوّهًا، أكثر قتامة.

ارتجفت أكثر، عيناها تتسعان، وقلبها يكاد ينفجر. ثم سمعت صوتًا خافتًا… ضحكة مريبة، تأتي من داخل المنزل، ثم تختفي، لتعود بعد ثوانٍ قريبة من الباب، كما لو أن أحدهم يقف خلفه.

أحست بشيء يقترب من الباب، شعرت به في الهواء، دون أن ترى شيئًا. أصابعها ارتجفت على الأرض، كأنها تحاول تمسك أي شيء يثبتها في الواقع، لكن كل شيء حولها أصبح متحركًا بطريقة غير طبيعية: ظل يتلوى على الحائط، ضوء خافت يتحرك، همس غير مفهوم يملأ الغرفة.

جلست هناك، خائفة… مرتعدة… متوترة… وكل لحظة تمر تزيد إحساسها بأنها لا تزال مراقبة، وأن الحديقة لم تتركها بعد، وأن ابتسامة الزوجة والطفلة تطاردها حتى في أمان منزلها المظلم.

أمسكت إيفلين بالهاتف، يدها ترتجف، وعيونها تتفحص الغرفة المظلمة وكأنها تنتظر أي ظل يتحرك. ضغطت على زر الاتصال، وسرعان ما سمع صوت زوجها في الطرف الآخر:

«إيفلين… ما بكِ؟ كل شيء على ما يرام؟»

ارتجفت وقالت بصوت متقطع:

«لا… شيء… غريب… في الحديقة… هم… يشربون فناجين فارغة… ابتساماتهم… شعرت بالبرد… الضحك… كل شيء…»

تنهد الزوج بصوت منخفض، لكنه مشبع بالغموض:

«إيفلين… ركزي… هم لا يريدون إيذاءك جسديًا… يريدون شيء آخر… شيء في عقلك… يريدونك أن تظني أنك فقدتِ السيطرة… يريدونك أن تتخلي عن ثقتك بنفسك…»

ارتجفت إيفلين أكثر، وأصابعها تشبثت بالهاتف بقوة:

«لكن… شعرت أنهم يراقبونني… كل حركة… حتى بعد أن أغلقت كل شيء… الضحك… الظلال…»

ابتسم الزوج بطريقة غريبة، صوته هادئ لكن كل كلمة كأنها تؤكد لها الرعب:

«هذا بالضبط ما يحاولون فعله… اللعب بعقلك. يراقبونك… يراقبون كل تفكيرك، كل شعورك… يريدون أن تتخلي عن إدراكك للواقع. ولكن تذكري… أنتِ تعرفينهم الآن، وتعرفين كيف يشعرونك بالخوف… ركزي على نفسك… لا تدعيهم يسيطرون عليك… حتى لو ظننت أنهم قريبون، فهم دائمًا يحاولون اختبارك.»

جلست إيفلين على الأرض، الهاتف في يدها، قلبها يصرخ، وعينها مثبتة على كل زاوية من الغرفة. رغم كلامه المطمئن، شعرت أن صوته نفسه يلعب معها، يذكرها بابتسامات الحديقة، وبأن الرعب لم يتركها بعد، وأن اللعبة العقلية لم تنتهِ… وأن كل حركة وكل ظل حولها قد يكون جزءًا من هذا الاختبار.

بعد دقائق من المكالمة الأولى، رن الهاتف مرة أخرى في يد إيفلين المرتجفة. رفعت الهاتف، وظهر صوت زوجها في الطرف الآخر، هذه المرة أكثر جدية وصرامة:

«إيفلين… اسمعيني جيدًا… لا تتحدثي معهم مرة أخرى. لا تسمحي لهم أن يلعبوا بعقلك. هؤلاء الناس… ليسوا كما يبدو… حذاري جدًا منهم.»

ارتجفت إيفلين، وعيناها تتسعان:

«لكن… ماذا أفعل؟ شعرت أنهم يراقبونني… كل شيء… حتى هنا…»

رد الزوج بلهجة صارمة، كأنه يمد لها جدار حماية من خلال صوته:

«الآن ركزي معي… لا تذهبي إليهم، لا تتحدثي معهم، ولا تتفاعلي بأي طريقة. أنا سأرسل أهلي إليك فورًا… سيأتون ليحمونك.»

ارتجفت إيفلين أكثر، قلبها ينبض بسرعة، لكنها شعرت بنوع من الأمان النسبي من خلال كلماته:

«أوه… شكرًا… أرجوك… أسرع…»

أجاب الزوج:

«سيأتون. لا تتحركي من مكانك، ولا تسمحي لأي شيء أن يخرجك عن هدوئك. ركزي على نفسك… ولا تتركيهم يخيفونك مرة أخرى.»

جلست إيفلين على الأرض، الهاتف في يدها، عينها مثبتة على الباب والنوافذ، وكل زاوية مظلمة تبدو الآن وكأنها تحمل تهديدًا. رغم كلام زوجها المطمئن، كان قلبها يصرخ… والظلال في الغرفة، وأصوات الريح الخافتة، وكل حركة خفيفة حولها، جعلتها تشعر أن الرعب لم يرحل بعد… وأن حماية زوجها قادمة فقط، لكن لا تزال بحاجة إلى الصبر والثبات.

بعد لحظات، حاولت أن تهدأ، وأخذت نفسًا عميقًا، محاولةً استجماع شتات أعصابها. شعرت بقوة تتصاعد بداخلها، كما لو أن شيئًا ما يهمس لها: «لا تسمحي لهم بأن يسيطروا على عقلك.»

فتحت عينيها، حدقتها في الظلال المتراقصة على الجدران، وقالت بصوت ثابت، حازم، يفوق ارتجاف قلبها:

«يكفي… لن أخفَّ منهم بعد الآن. لن أسمح لهم بأن يهيمنوا على عقلي.»

جلست دقيقةً، مستسلمة لقوتها الداخلية، حتى بدأ الخوف يتحول إلى حدة وإصرار. نظرت نحو الباب والنوافذ وهمست لنفسها:

«الآن… يجب أن أضعهم عند حدهم. عليهم معرفة أني لا أخاف.»

كانت كلماتها كشرارة أشعلت عزيمتها. ارتاح جسدها قليلًا، وعقلها بدأ يخطط بخطوات هادئة ومدروسة. الرعب لم يختف تمامًا، لكنه فقد السيطرة عليها… هذه المرة، هي من يفرض قوته على ما حولها.

بعد أن استجمعت قوتها، نهضت إيفلين ببطء من الأرض، كل حركة فيها كانت محسوبة، وكل نفس تتنفسه مليء بالعزم. اتجهت نحو النافذة، نظرت إلى الخارج، حيث كانت الحديقة مظلمة، الأشجار تتحرك مع الريح وكأنها تتنفس، والظلال تتراقص بشكل مخيف على الأرض.

أمسكت بالمقبض بيد ثابتة، فتحت الباب ببطء، كأنها تخوض معركة مع نفسها قبل أن تواجه ما ينتظرها في الخارج. خرجت إلى الحديقة، كل خطوة تصدر صدى في صمت الليل، وكانت أصوات الليل العادية تبدو مشوهة، مخيفة، كأنها تحذرها من شيء مجهول.

وقفت إيفلين في منتصف الحديقة، والليل يلف المكان بستار كثيف من الظلال، والهواء البارد يلسع وجهها بلا رحمة. الأشجار تتحرك بصمت، وأغصانها تصطدم أحيانًا معًا، فتصدر أصواتًا تشبه الهمسات الغريبة التي تلاحقها منذ ساعة. كل زاوية في الحديقة كانت تخبئ شيئًا مجهولًا، وكل حركة للظلال كانت تقفز في مخيلتها، لكنها لم تتراجع.

رفعت إيفلين صوتها، وحروفها تتناثر في صمت الليل:

«إريك! اخرج من منزلك الآن!»

كان صوتها قويًا، كالصاعقة، يقطع صمت الظلام، يحمل كل غضبها، كل خوفها، وكل عزيمتها. ثم صاحت من جديد، بصوت يملؤه الحزم والرفض:

«أنت وزوجتك مجانين! تريدون أن تخيفوني! أن تجعلوني أظن أن عقلي يهرب مني! لن أسمح لكم بذلك!»

ارتجف الجو حولها، كأن الحديقة نفسها تستجيب لغضبها. الأشجار تمايلت بعنف مع الريح، والظلال امتدت بشكل مخيف على الأرض، لكنها شعرت لأول مرة أن قوتها الداخلية تتجمع، وأن الرعب لم يعد يسيطر عليها.

ظهر إريك أخيرًا عند الباب، تلعثم كمن اكتشف فجأة أن المرأة التي يخاف منها ليست ضحية سهلة:

«إيفلين… أنا… لم أقصد…»

قاطعتها بصوت صلب كالصخر، يزلزل الصمت:

«كفى أعذارًا! اخرج الآن، وسأعرف كيف أضع حدًا لكل هذه الألاعيب! لم يعد لدي مكان للخوف!»

وقفت إيفلين ثابتة، عينها تتفحص كل ظل، كل حركة صغيرة، وكل لمحة من الضوء تنعكس على النوافذ. شعرت أن الرعب لا يزال موجودًا، لكنه فقد قوته، وأن السيطرة لم تعد في يدهم، بل في يدها. كانت أول مرة في تلك الليلة تشعر بأن عزيمتها هي السلاح الحقيقي، وأنه لا شيء يستطيع أن يزعزعها الآن.

اقتربت إيفلين بخطوات ثابتة من الباب، وكل خطوة تصدر صدىً خافتًا على الأرض الرطبة. الريح تعصف بالأشجار، وتصدر أصواتًا حادة تشبه صراخًا مكتومًا، وكأن الحديقة نفسها تراقب تصرفها.

وقف إريك في الباب، وجهه شاحب، وعيناه تتلمسان الظلام، يحاول أن يختبئ خلف ملامح البراءة، لكنه لم يفلح. بجانبه، كانت زوجته واقفة، ابتسامة غريبة ترتسم على شفتيها، ابتسامة تخفي شيئًا لا يمكن تفسيره.

رفعت إيفلين يدها، وصرخت بصوت يتحدى الليل:

«لقد انتهى كل شيء! لن أخاف بعد الآن، ولن أسمح لأي أحد أن يلعب بعقلي!»

ارتجفت زوجة إريك، لكن شيئًا في صلابة إيفلين أجبرها على التوقف. الرياح صمتت قليلًا، وكأنها تنتظر ما سيحدث بعد لحظة الصمت المشحون بالخوف.

خطت إيفلين خطوة أخرى، هذه المرة أقوى، تحدق فيهما بعينين لا تعرفان التراجع:

«أنتم تحاولون إخافتي منذ البداية… لكن اليوم، ستعرفون أني لا أخاف. كل حركة، كل خدعة… سأضعها في نصابها!»

تسارع قلبها، لكن عقلها كان يقظًا، كل حاسة مركزة على أصغر تفصيل. الظلال في الحديقة لم تعد تخيفها، بل أصبحت ساحة مواجهة، والليل كله كان يشهد على أن الرعب لم يعد سيد الموقف… إيفلين هي من تسيطر الآن.

لمحت ابنة إريك الصغيرة عند زاوية المنزل، ممسكة بدمية قديمة بين يديها، عيناها واسعتان، تلمعان بالخوف والارتباك.

تراجعت الطفلة خلف جسد والدتها، متشبثة بها، كأنها تحتمي من كل ما يحدث حولها. كانت أصابعها الصغيرة ترتجف على الدمية، وأنفاسها الخافتة تتسرب في صمت الليل، مضيفة إلى الجو العام إحساسًا بالرهبة المكثفة.

نظرت إيفلين نحو الطفلة، وأحست بوخز غريب في قلبها؛ لم يضعف عزيمتها، لكنه جعل المشهد أكثر تعقيدًا وإثارة للترقب. رفعت صوتها عاليًا، متحدية الظلال والليل:

«يكفي! لن أسمح لكم بأن تخيفوني بعد الآن، ولن أسمح لأي أحد بأن يهيمن على عقلي!»

ارتعشت الطفلة أكثر، لكنها بقيت مختبئة وراء أمها، تراقب المشهد بعينين مليئتين بالخوف والارتباك.

عادت إيفلين إلى منزلها بخطوات متسارعة، كأن الأرض من تحتها تترصدها. أغلقت الباب خلفها بإحكام، واستندت إليه لحظة وهي تحاول استعادة أنفاسها، لكن صدرها ظل يعلو ويهبط بعصبية.

لم يكن في البيت سوى صمت ثقيل، صمت يكاد يكون أكثر رعبًا من الأصوات نفسها.

صعدت الدرج بخطوات مرتجفة، كل خشبة تصدر أنينًا موحشًا تحت قدميها. وصلت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ثم جلست على طرف السرير، يداها تضغطان على ركبتيها بشدة، وعيناها تتنقلان بين النافذة والباب كأنها تتوقع شيئًا مفاجئًا سيقتحم اللحظة.

كان الليل بطيئًا، يزحف بثقله على جدران الغرفة. عقارب الساعة تتحرك كأنها تسخر من قلقها، والظلام يزداد عمقًا مع كل ثانية تمر. رفعت رأسها نحو النافذة فرأت القمر مائلًا خلف الغيوم، ضوؤه الشاحب ينساب إلى داخل الغرفة كيدٍ باردة تمس وجهها.

تمددت على السرير دون أن تجد للراحة سبيلًا، أغمضت عينيها قليلًا ثم فتحتهما سريعًا خشية أن تتسلل الكوابيس إليها. كانت تنتظر بشغف اللحظة التي يتسلل فيها أول خيط من نور النهار، اللحظة التي سيأتي فيها أهل زوجها إلى البيت.

أحست أن الفجر صار الخلاص الوحيد لها، كأنه وعود النجاة الأخيرة بعد ليلة مشبعة بالترقب والخوف.

وبينما عقارب الساعة تتقدم ببطء، بقيت إيفلين جالسة، عيناها متوهجتان بالأرق، وأفكارها تتصارع في رأسها:

هل سيحمل الغد الأمان… أم بداية كابوس آخر؟

استفاقت إيفلين على صوت محرك سيارة يتوقف أمام منزلها. انتفض قلبها بخفة، أدركت أنهم أهل زوجها الذين وعدوها بالزيارة هذا الصباح. أسرعت نحو النافذة، رفعت الستار قليلًا، فرأت السيارة السوداء تتوقف وسط الغبار المتصاعد، وأفراد العائلة ينزلون واحدًا تلو الآخر.

ابتسمت، ثم هرعت نحو الباب، فتحته على عجل، وركضت نحوهم. كانت أول من عانقته شقيقة زوجها، ثم والدته التي ضمّتها بحرارة، وبعدها صافحت شقيقه بابتسامة مترددة.

قال أخو زوجها وهو يتلفت من حوله:

ــ “وأين هم جيرانك؟”

ابتسمت إيفلين بهدوء، ورفعت يدها لتشير إلى المنزل الملاصق، لكن ابتسامتها تجمّدت فجأة. ارتجفت أصابعها وهي تحدق… لم يكن هناك بيت كما اعتقدت. أمامها لم يظهر سوى منزل قديم مهجور، جدرانه سوداء كأنها ابتلعتها النيران، والحديقة التي تحيط به تحولت إلى أرض محترقة قاحلة، أشجارها محطّمة وأعشابها يابسة.

ساد صمت ثقيل بين الواقفين، نظرات الاستغراب ارتسمت على وجوههم، بينما بقيت إيفلين واقفة تحدق في الخراب، وداخلها سؤال يطرق بقوة:

“فمن هم إذن… الذين كانوا يسكنون هناك؟”

ساد الصمت لوهلة، تبادل أفراد العائلة النظرات فيما بينهم، قبل أن تقول والدة زوجها بقلق وهي تضع يدها على كتف إيفلين:

ــ “عزيزتي… هذا المنزل مهجور منذ سنوات طويلة، لقد احترق بالكامل… لم يسكنه أحد منذ زمن بعيد.”

ضحك شقيق زوجها بسخرية خفيفة محاولًا كسر ثقل اللحظة:

ــ “ربما كنتِ تحلمين، أو خيالك يلعب بكِ لأنك تعيشين بمفردك هنا.”

لكن شقيقة زوجها تقدمت خطوة، نظرت نحو الأطلال بعين متوجسة وقالت بصوت منخفض:

ــ “ومع ذلك… الغريب أنني شعرت البارحة، ونحن في الطريق إليك، بأن أحدًا كان يراقبنا من هذه الناحية.”

تجمدت الكلمات في حلق إيفلين، بينما ارتعشت أصابعها أكثر وهي تحدق في النوافذ السوداء المحطّمة، كأنها تنتظر أن يطل منها وجهٌ مألوف.

وقفت إيفلين جامدة مكانها، كأن الأرض سحبت أنفاسها فجأة. رمشت بعينيها عدة مرات غير مصدّقة ما تراه… البارحة فقط، كان هناك منزل عادي، حديقة خضراء، ضحكات الطفلة تتسرب من النوافذ. أما الآن… فأنقاض سوداء، جدران متفحمة، أشجار محترقة كالأشباح، والهواء نفسه مشبع برائحة الرماد.

ارتجفت شفتاها وهي تهمس بصوت متقطع:

ــ “مستحيل… لا… لا يمكن…”

وضعت يدها على صدرها تحاول استيعاب المنظر. شعرت بقشعريرة تزحف على جلدها، وبرودة غريبة تلسع أطراف أصابعها.

اقتربت خطوة من النافذة، عيناها متسعتان في ذعر، وكأنها تبحث عن أثر… أي دليل على أن ما تراه مجرد وهم. لكنها لم تجد سوى باب صدئ يتدلى من مفصلاته، يصرّ بصوت حاد كلما هزّته الرياح.

أمسكت الستار بيد مرتعشة، ثم التفتت بسرعة إلى أهل زوجها الذين كانوا ما يزالون واقفين عند الباب خلفها. حاولت أن تتكلم لكن الكلمات خانتها.

ــ “كانوا… كانوا هنا… أقسم أنني رأيتهم… سمعت أصواتهم!”

نظر إليها شقيق زوجها باستغراب، ابتسم ابتسامة مشوبة بالريبة وقال:

ــ “إيفلين… هذا المنزل مهجور منذ سنوات… لم يسكنه أحد بعد الحريق.”

تراجعت خطوة إلى الوراء، أحست بالدنيا تدور من حولها. قلبها يخفق بعنف، عرق بارد سال من جبينها. همست وكأنها تكلم نفسها:

ــ “لكنني… لم أكن أحلم… لم أكن…”

في اللحظة ذاتها، اجتاحها صداع حاد، كأن مطرقة تضرب رأسها. شعرت بالدنيا تدور من حولها، الصور تختلط، أصوات عائلتها تتداخل مع الصفير العالي في أذنها.

ــ “إيفلين! مالك؟” صرخت والدة زوجها وهي تمد يدها.

لكن إيفلين لم تستطع أن تجيب، فقد تهاوت ركبتاها، وارتخى جسدها بين أذرعهم. أنفاسها صارت متقطعة، ووجهها شاحب كقطعة ثلج.

قبل أن تغيب عن الوعي، لمحت بعينيها نصف المفتوحتين شيئًا خلف زجاج النافذة المحترقة… ظلًّا أسود يتحرك ببطء، كأنه يراقبها.

ثم عمّ السواد كل شيء.

في عمق الليل، فتحت إيفلين عينيها فجأة. كان الظلام يلف الغرفة، والهدوء يخيّم إلا من أنفاس متقطعة لأهل زوجها النائمين في الطابق العلوي. للحظة، اعتقدت أنها تحلم… الصور تتلاشى وتعود: البيت المحترق، الأرض المتفحمة، نظرات الاستغراب التي واجهتها في النهار.

جلست على حافة السرير، رأسها مثقل بالدوار. وضعت يدها على صدرها، قلبها يخفق كأنه يهمس لها:

“قومي.”

همست لنفسها:

ــ “لا يمكن… ربما كان مجرد وهم… حلم… أو هل كان حقيقيًا؟”

اقتربت بخطوات حذرة من النافذة. الستائر تتمايل ببطء مع تيار الريح، والليل في الخارج ساكن بطريقة مريبة. هناك، وراء الظلال، يلوح ذلك البيت المحروق، صامتًا كقبر.

ترددت لثوانٍ، ثم أمسكت بمعطفها الخفيف، وخرجت من الغرفة دون أن تصدر صوتًا. السلم الخشبي أنين خافت تحت قدميها، لكنها توقفت كل مرة خشية أن توقظ أحدًا.

عندما بلغت الباب الأمامي، أخذت نفسًا عميقًا، وأدارته.

⸻

توقفت إيفلين عند مدخل الحديقة، تتنفس بصعوبة وكأن صدرها يضيق من ثقل الهواء المحمّل برائحة الرماد. وبينما كانت تتأمل المكان، وقعت عيناها على شيء جعل الدم يتجمد في عروقها.

كانت هناك طاولة خشبية قديمة، في وسط الحديقة، ما تزال في مكانها كما لو أن النيران لم تمسّها أبدًا. فوقها بقايا حلويات تعرفها جيدًا، هي نفس تلك التي أحضرتها للعائلة قبل يومين فقط. الفناجين أيضًا ما زالت مرصوصة، وبعضها مائل كأن الأيادي التي رفعتها تركتها على عجل.

دخلت إيفلين أعمق داخل البيت المحروق. أصوات الريح تخترق النوافذ المكسورة، تحمل معها صفيرًا أشبه بالأنين. قلبها يدق بسرعة، ورجلاها ترتجفان فوق أرضية يغطيها الرماد والزجاج المتناثر.

وبينما هي تدور بعينيها في المكان، لفت انتباهها جدار ما زال يحمل بقايا إطارات سوداء من أثر النيران. اقتربت بخطوات مترددة، مسحت بيدها الغبار والرماد العالق، فإذا بصور تظهر أمامها.

شهقت… الصور لم تكن غريبة عنها. كانت وجوه إيريك، جارها الذي تعرفه جيدًا، وزوجته، وبينهما ابنتهما الصغيرة. العائلة التي كانت تراها بالأمس فقط، تضحك في الحديقة، صارت الآن مجمّدة داخل صور محروقة معلّقة في بيت متفحم!

وقفت إيفلين مشدوهة، حدّقت أكثر لتتأكد من عينيها، ثم همست لنفسها:

ــ “مستحيل… هذا… بيت إيريك؟!”

فجأة، سقطت إحدى الصور وحدها على الأرض، وانكسر زجاجها إلى شظايا حادة. نظرت إليها مذعورة، وإذا بصورة الطفلة تحدق فيها بابتسامة غامضة، ابتسامة لم ترها من قبل.

إيفلين كانت تحدّق في صورة نصف محترقة معلقة على جدار أسود من أثر النار… فجأة أحست أنّها تنسحب من اللحظة الحاضرة، وكأنّ الصور بدأت تنبض بالحياة أمام عينيها.

البيت لم يعد خرابًا… بل عاد كما كان: دافئًا، ممتلئًا بالضوء. ستائر بيضاء تتحرك برفق مع نسيمٍ صيفي، صوت موسيقى قديمة ينبعث من راديو صغير في المطبخ.

إيريك يجلس عند الطاولة الخشبية، يضحك بصوتٍ عالٍ وهو يرفع ابنته الصغيرة عاليًا، والطفلة تصرخ بين ضحكاتها:

- “أعلى يا أبي! أعلى!”

زوجته كانت تقف عند الحوض، يديها مبللتان بالماء والصابون، لكنها لم تتوقف عن الابتسام وهما تنظران إليها. لحظة عائلية مثالية، هدوء يشبه لوحة منسوجة بالحب.

ثم انتقلت الذكرى إلى الحديقة… العشب أخضر يلمع تحت الشمس، الطفلة تجري وراء كلب صغير وهي تضحك، إيريك يضع يده على كتف زوجته قائلاً:

- “كل ما أريده… هو أن تبقى هذه اللحظات أبدية.”

فتجيبه بابتسامة خجولة:

- “وأنا… طالما نحن معًا، لن يقدر شيء أن يفرقنا.”

لكن فجأة… المشهد تغيّر. السماء صارت رمادية، الضحكات تلاشت، وصوت محرّكات سيارات توقفت أمام البيت قطع السكينة.

طرقات قوية على الباب دوّت، ثم أصوات رجال قاسية تهتف باسم إيريك. ارتبك وجهه، نظر إلى زوجته نظرة يعرفها وحده… نظرة خوف واعتراف في نفس الوقت.

- “إريك، من هؤلاء؟”

- “لا تقتربي… فقط خذي الصغيرة واهربي!”

لم يمهلهم الوقت. الباب اقتحم بقوة، رجال مقنّعون دخلوا، أصوات صراخ، زجاج يتحطّم… النيران اشتعلت في الستائر بسرعة مرعبة، ألسنة اللهب ابتلعت الأثاث، الدخان غطى المكان.

آخر ما سمعته إيفلين في الذكرى… هو صرخة الطفلة، حادة، قصيرة… ثم صمت.

وفجأة، عادت إيفلين للواقع، قلبها يخفق بجنون، والبيت حولها مظلم، محترق كما رأته أول مرة.

رأت إيفلين الدمية القديمة مرمية على الأرض، كانت تعرفها جيدًا… تخصّ ابنة الجيران.

انحنت ببطء لتلتقطها، لكن فجأة دوّى صوت طفولي خلفها، رقيق وهادئ:

“أيمكنك أن تُعيدي لي دُميتي؟”

ارتجف جسدها بالكامل، وبرودة قاتلة سرت في عروقها. التفتت بخوف شديد، فإذا بالطفلة تقف هناك، تنظر إليها بعينين واسعتين مظلمتين.

لم تستطع إيفلين أن تصرخ، شلل الرعب جمد حنجرتها، وفي لحظة غاب وعيها وسقطت أرضًا بين الركام المحترق.

سقطت إيفلين أرضًا، جسدها ارتطم بالرماد المتناثر، وعيناها انطفأ فيهما الضوء. آخر ما رآه وعيها قبل أن يغرق في السواد كان ابتسامة غامضة على وجه الطفلة، ابتسامة لم تُشبه البراءة قط.

ثم حلّ صمتٌ خانق…

لا أحد يعلم: هل ستستفيق إيفلين من هذا الكابوس، أم أن الظلام الذي ابتلعها كان آخر ما تبقى لها من حياة؟