
يوم تعيس آخر يُضاف إلى عمر مايك.
كانت الساعة السادسة صباحًا عندما غادر مايك منزله، تاركًا خلفه أصوات فوضى التنظيف.
كانت عيناه السوداوان الباهتتان تدمعان، ربما بسبب تلك الجراح الكثيرة التي أضيفت إليه مؤخرًا: عزاء يتلوه عزاء، وجنازة بعد جنازة... والذكريات أثقل من أن تُحتمل.
كانت رائحة المطهرات اللاذعة، التي تحرق الأنف، تحيط به من كل مكان، وتذكره بآخر فرد تركه ورحل: أمه، الشخص الوحيد الذي لم يجعله يفقد الأمل في البشر.
رفع يده وضرب بطنه بقوة، محاولًا إعادة الوعي لنفسه، ثم جمع أدوات التنظيف وأعادها إلى المخزن بعد أن نظّف أركان المنزل بهوس شديد بالنظافة.
حمل حقيبته وارتدى واقياته من "الوحوش الدقيقة" خارج البيت.
كانت الكمامة والقفازات البلاستيكية بالنسبة له درعًا ضد الكائنات الصغيرة المهملة.
طريقه المعتاد، الذي يسلكه منذ سنوات، لم يلتفت فيه يمينًا ولا يسارًا، أو حتى خلفه.
بطبعه، كان ذلك آخر قرار سيتخذه: ألّا ينظر أبدًا إلى الخلف، لأن ما وراءه لا بد أن يكون مكانًا أسود قاتمًا.
دخل البوابة الحديدية الصدئة، الممتلئة بأعشاش المخلوقات الصغيرة المقززة.
"تعتقدين أنني لا أراكِ؟ رأيتكِ يا مقززة... صحيح؟"
تمتم مايك في سره، وأكمل طريقه متفاديًا جميع الأسطح التي بدت له مثل فراغ أسود قد يبتلعه في أي لحظة.
جلس في مقعده بعد أن نظّفه للمرة الخامسة، ورفع رأسه نحو السبورة البيضاء.
ربما كانت الشيء الوحيد النقي في المدرسة.
"ربما لأنها تُمسح دائمًا بالمطهرات."
تمتم مرة أخرى، وكأنه يتحدث إلى شخص غير مرئي.
كان الطلاب والأساتذة ينظرون إليه كأنه غريب، بل كأنه ليس إنسانًا أصلًا.
لم يكن يراهم، لكنه كان يشعر بنظراتهم المشمئزة الساخرة التي جعلت جلده يقشعر.
بعد ساعات طويلة من الشروح المعقدة، لم يبقَ في ذهنه سوى امتلاء السبورة البيضاء.
كان ذلك بالنسبة له أشبه بالسحر.
وعند عودته... في نفس الساعة، ونفس الدقيقة، ونفس التعاسة، انزلقت قدمه فجأة نحو الفراغ.
ظن أن السواد يبتلعه.
لكن ما رآه لم يكن ظلامًا...
بل ضوءًا أصفر خانقًا.
فتح عينيه ليشم رائحة سجاد مبلل عفن.
جدران صفراء تمتد بشكل عشوائي إلى ما لا نهاية، وأزيز مصابيح يثقب الأذن.
كل ذلك كان كابوسًا بحد ذاته...
لكن ما فجّر رعب مايك لم يكن الجدران ولا الرائحة.
بل الغبار.
"غبار... غبار... غباااااار!! في كل مكان!"
حسبي الله ونعم الوكيل... اللهم انصر فلسطين