NOVELFLEX

تقبل ريبلا

كين سورا · بقلم كين سورا

تظهر ريبلا بشكل أوضح لهارو، وقد كانت فتاة ترتدي تنورة طويلة وردية مرصعة بالبنفسجي، وشعرها مجعد ينسدل حول وجهها، بينما تعلو رأسها قبعة سحرية صغيرة ولطيفة. كانت عيناها البنفسجيتان تملؤهما مشاعر الفضول عندما رأت هارو يقف أمامها.

اقتربت منه قليلاً، وأخذت تتأمله من رأسه حتى قدميه، وكأنها تحاول معرفة نوع الزائر الذي وصل إلى مكانها المعزول.

ــ زائر جديد؟ هذا غريب، لم يزرني أحد من قبل.

ينظر هارو إليها بدهشة، فقد كان من الصعب عليه تصديق أن الفتاة التي أمامه هي نفسها ريبلا التي أثار اسمها قلق الرئاسة.

ــ هل أنتِ ريبلا؟

تتسع عيناها بفرح عندما سمعت اسمها، وتبدأ بالابتسام وهي ترفع يديها بحماس.

ــ نعم! أنا ريبلا! كيف عرفت اسمي؟ هل أخبرك أحد عني؟ هل جئت لرؤيتي؟

كانت أسئلتها تتدفق بسرعة، وكأنها لم تتحدث مع أحد منذ زمن طويل.

ابتسم هارو قليلاً، لكنه لم يتمكن من الإجابة، إذ سمع صوتاً غاضباً يأتي من بعيد.

ــ أيهاااا اللعين!

فجأة، اندفعت راينا نحو بليندي بسرعة كبيرة، ووجهت إليه لكمة مباشرة.

لكن بليندي لم يتحرك إلا في اللحظة الأخيرة، حيث مال برأسه إلى الجانب، لتفوت اللكمة وجهه بفارق بسيط.

ــ ماذا؟!

تدور راينا بجسدها وتوجه ركلة جانبية نحو رأسه، إلا أنه انحنى بسهولة، ثم ابتعد بخطوة واحدة فقط.

لم تتوقف راينا، بل واصلت الهجوم.

لكمة تلو الأخرى، وركلات متتابعة كانت تنطلق نحوه، بينما ظل بليندي يتفاداها بهدوء غريب.

ــ توقفوا عن الشجار! لم نتعرف على بعض بعد!

قالت ريبلا محاولة إيقافهما، لكن صراخها لم يصل إلى مسامعهما.

كان بليندي سريعاً بشكل مخيف، يتفادى أسرع الضربات والركلات من راينا وكأنها طفلة صغيرة تعبث أمامه.

لكن هارو انتبه إلى شيء غريب.

بليندي لم يكن يبادلها الضربات.

لم يوجه إليها لكمة واحدة، ولم يحاول إسقاطها، بل كان يبتعد عنها قدر الإمكان، وكأنه يحاول تجنب إيذائها.

تتراجع راينا قليلاً، وتضغط على أسنانها بانزعاج.

ــ هل تسخر مني؟!

ازدادت راينا غضباً وأخذت تنظر حولها بحثاً عن شيء تستخدمه.

تلتقط عيناها صخرة كبيرة بالقرب منها.

تتقدم نحوها، وتنحني قليلاً، ثم تحملها بكلتا يديها.

ــ حسناً! لنرَ إن كنت تستطيع تفادي هذه أيضاً!

ترفع راينا الصخرة فوق رأسها، ثم ترميها بكل قوتها نحو بليندي.

كانت الصخرة ضخمة بما يكفي لتغطية جزء كبير من جسده، واندفعت في الهواء بسرعة هائلة، بينما تصدر صوتاً قوياً نتيجة احتكاكها بالهواء.

لكن بليندي لم يبدُ عليه أي قلق.

في لحظة واحدة، تمر خطوط غير مرئية عبر الصخرة. ويهبط بليندي على الأرض

لم تستغرق وقتاً طويلاً في الهواء حتى تقطعت إلى أجزاء عديدة، لتتناثر القطع الصخرية في جميع الاتجاهات.

تتسع عينا هارو.

ــ ماذا...؟!

لم يكن الأمر مجرد تحطيم للصخرة، بل كان تقطيعاً دقيقاً جعلها تتحول إلى أجزاء صغيرة قبل أن تصل إليه.

تسقط القطع على الأرض، ويتصاعد الغبار من حول بليندي، بينما يقف في مكانه دون أن تتغير ملامحه.

تندفع راينا مجدداً.

هذه المرة، لم تكتفِ باللكمات والركلات، بل بدأت تتحرك حوله بسرعة كبيرة، محاولةً مباغتته من زوايا مختلفة.

تضرب الأرض بقدمها، ثم تقفز فوقه وتوجه ركلة نحو رأسه.

ينحني بليندي، فتضرب قدمها الأرض خلفه، ويحدث صوت قوي يتردد في المكان.

تستدير راينا بسرعة وتوجه لكمة أخرى، لكنه يتراجع إلى الخلف.

تظهر بجانبه وتوجه ركلة قوية نحو خاصرته.

لكن بليندي يستشعرها و يبتعد عنها مجدداً .

كانت حركاته بسيطة للغاية، ومع ذلك لم تتمكن راينا من إصابته.

ــ توقف عن الهرب أيها الغليظ!

تصرخ راينا بغضب، ثم تقفز نحوه مجدداً.

وفي هذه المرة، لم يعد القتال مقتصراً عليهما فقط.

فمع كل حركة سريعة، كانت الأرض تتشقق تحت أقدام راينا، وتتناثر الصخور من حولهما.

تضرب راينا جذع شجرة بلكمتها أثناء محاولتها إصابة بليندي، فينحني الجذع وينكسر من منتصفه.

ثم تقفز فوق صخرة كبيرة، وتستخدمها نقطة انطلاق نحو بليندي، لكن الأخير يبتعد عنها، لتصطدم قدمها بالصخرة وتتحطم إلى أجزاء.

بدأ المكان الذي كان هادئاً قبل لحظات يتحول إلى ساحة مليئة بالغبار والحطام.

كانت الأشجار تتمايل من قوة الاصطدامات، والصخور تتناثر على الأرض، بينما تواصل راينا هجومها دون أن تصل أي ضربة منها إلى هدفها.

أما بليندي، فكان يكتفي بالتفادي.

لم يكن يبدو عليه التعب، ولم يكن يحاول استغلال الفرص المتاحة أمامه لإسقاطها.

كل ما كان يفعله هو الابتعاد عنها.

وفي تلك الأثناء، كانت ريبلا تقف بعيداً عنهما، تنظر إلى المكان الذي بدأت أجزاءه تتحطم.

تضرب قدمها بالأرض بقوة.

ــ توقفواااا!

لكن صوتها لم يكن كافياً لإيقافهما.

تبدأ عيناها بالامتلاء بالدموع، وهي تنظر إلى الأشجار والصخور التي كانت تحيط بمكانها.

ــ لا تكسروا الأشياء... أرجوكم!

لم يسمعها أحد.

تغطي وجهها بيديها للحظة، ثم ترفع رأسها مجدداً، وقد بدأت دموعها تنزل على خديها.

ــ لماذا لا تتوقفون؟!

يلاحظ هارو انزعاج ريبلا، وينظر إليها للحظة.

كانت الفتاة التي استقبلته قبل قليل بفرح وفضول، تقف الآن وهي على وشك البكاء.

لم تكن خائفة من القتال بقدر ما كانت حزينة على المكان الذي يتحطم أمامها.

كانت تتصرف وكأنها تحاول حماية لعبتها من الكسر، وكأن كل شجرة وصخرة في هذا المكان تحمل قيمة خاصة لديها.

ينظر هارو مجدداً إلى راينا وبليندي.

كانت راينا تواصل القفز وتوجيه اللكمات، بينما يستمر بليندي في تفاديها.

تتحطم صخرة أخرى بالقرب من ريبلا، فتتراجع إلى الخلف بفزع.

ــ كفى...!

في تلك اللحظة، يقرر هارو التدخل.

يندفع نحو راينا بسرعة، ويقترب منها من الخلف، ثم يمسكها بكلتا ذراعيه محاولاً إيقافها.

ــ راينا! توقفي!

ــ ماذا؟!

تحاول راينا التحرر من قبضته، لكنها تشعر بأن حركتها أصبحت أصعب من المعتاد.

كانت الهالة التي تمنح هارو مضاعفة للقوة تساعده على تثبيتها، لكنه كان حريصاً على عدم استخدام قوته بشكل يؤذيها.

لم يكن يريد إسقاطها أو إيذاءها.

كل ما أراده هو إيقافها.

ــ اتركني أيها القصير!

ــ راينا، هم لن يؤذونا! تذكري هدفنا!

ــ ليس هدفنا! إنه هدفك أنت! دعني أحطم وجه هذا الغليظ!

تحاول راينا دفعه بعيداً، بينما يشد هارو قبضته قليلاً.

ــ راينا! انظري حولك!

ــ لا أريد النظر إلى شيء!

ــ المكان كله يتحطم! انظري إلى ريبلا!

تتوقف راينا للحظة.

لكنها سرعان ما تلتفت بعصبية.

ــ وما شأني بها؟!

ــ راينا...

تلاحظ أخيراً أن ريبلا تجلس على الأرض، وقد بدأت بالبكاء.

لم تكن تصرخ الآن، بل كانت تحاول كتمان بكائها، بينما تغطي وجهها بيديها.

يتوقف بليندي عن الحركة.

يلتفت نحو ريبلا.

يتنفس بهدوء، ويعود إليها بخطوات ثابتة مستشعراً مكانها.

أما هارو، فيبقى ممسكاً براينا حتى يتأكد من أنها لن تندفع مجدداً.

تسحب راينا ذراعيها بقوة، وتنجح في إبعاده عنها.

ثم تعقد يديها أمام صدرها، وتتمشى بانزعاج بعيداً عنهما.

ــ رائع! لقد أفسدتم كل شيء!

ينظر هارو إليها باستغراب.

ــ نحن؟!

ــ سأخبر أبي بما فعلته!

تبتعد راينا وهي تتمتم بكلمات غاضبة، بينما يتركها هارو دون أن يرد عليها.

لم يكن لديه وقت للجدال معها.

كان ينظر إلى ريبلا التي تجلس على الأرض، وبليندي يحتضنها محاولاً تهدئتها.

يقترب هارو ببطء، ثم ينحني قليلاً أمامها.

ــ أنا... أنا آسف عما فعلته راينا.

لم ترد ريبلا.

استمرت بالبكاء، بينما كان بليندي يربت على رأسها بهدوء.

ينظر هارو إلى المكان المحطم من حوله، ثم يعيد نظره إليها.

كان يشعر بأنه قد فهم شيئاً عنها، لكنه لم يكن يعرف كيف يعبر عنه.

يفكر قليلاً.

ثم يقول:

ــ بالمناسبة... لديكِ شعر جميل!

تتوقف ريبلا عن البكاء للحظة.

ترفع رأسها ببطء، وتنظر إلى هارو مباشرة، بينما لا تزال آثار الدموع على وجهها.

ــ هل ترى هذا حقاً؟

يبتسم هارو بثقة.

ــ بكل تأكيد! أنتِ فتاة جذابة للأنظار، فلماذا تخربين وجهك بالبكاء؟ لا داعي لذلك.

لم ترد عليه.

ظلت تنظر إلى عينيه، وكأنها تحاول معرفة إن كان يقول الحقيقة أم يحاول فقط تهدئتها.

ثم تبدأ شفتاها بالابتسام قليلاً.

ــ لم يقل لي أحد هذا الكلام من قبل...

ينظر هارو إليها بدهشة بسيطة.

ــ حقاً؟!

تخفض ريبلا رأسها، وتبدأ بتحريك أصابعها فوق الأرض.

ــ الجميع يخافون مني... لا أحد يريد الاقتراب مني.

تسكت للحظة، ثم تتابع بصوت منخفض.

ــ كنت أظن أنني سأبقى وحدي هنا إلى الأبد.

ينظر هارو إليها بهدوء.

لم يكن يعرف الكثير عن ماضيها، لكنه كان يرى أمامه فتاة لا تختلف كثيراً عن أي شخص آخر يريد أن يجد من يتقبله.

ــ لقد ظلموا جمالك يا فتاة! تألقي، كفي عن البكاء وتعالي معنا!

ترفع ريبلا رأسها مجدداً.

ــ ماذا؟

ــ اتركي هذا المكان المعزول، وتعالي لتظهري للعلن! ليروا جمالك!

تتردد ريبلا، وتبدأ بتحريك أصابعها فوق الأرض.

ــ وهل تظن أنهم سيتقبلونني؟

يبتسم هارو بثقة.

ــ إن لم يتقبلك أحد، فسوف أتقبلك أنا دائماً يا فتاة!

تتأثر ريبلا بكلامه.

تتسع عيناها قليلاً، ثم تبدأ بالابتسام وهي تمسح دموعها.

ــ حقاً...؟

ــ طبعاً!

تنهض ريبلا بسرعة، ثم تقفز نحوه وتعانقه بعفوية وقوة.

ــ شكراً لك!

يتفاجأ هارو من اندفاعها، ويتراجع قليلاً بسبب قوة العناق.

ــ مهلاً! مهلاً! لا داعي لكل هذا!

لكن ريبلا لم تتركه.

كانت تضحك بسعادة، وكأنها وجدت أخيراً شخصاً لا يخاف منها ولا ينظر إليها باعتبارها تهديداً.

أما راينا، فقد كانت تنظر إلى المشهد بوجه متجهم.

تضع يدها على خصرها، ثم تقول بانزعاج:

ــ رائع! الآن أصبح لدينا قصيران!

ينظر هارو إليها من فوق كتف ريبلا.

تدير راينا وجهها بعيداً، بينما تستمر ريبلا في احتضان هارو بسعادة.

وفي ذلك المكان الذي كان مليئاً بالصراخ والحطام قبل لحظات، عاد الهدوء مجدداً.

لكن هذه المرة، لم تكن ريبلا وحدها.

............

نهاية الفصل الثالث عشر.