﴿مقدمــة﴾
واشنطن— 12 اكتوبر 2009.
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليـل، حين انسـلّت ثلاث ظـلال في الأزقة المظلمة للعاصمة واشـنطن. هدوء المدينة أشـبه ما بغطاء كثيـف يخفـي وراءه أسـرارًا لا يمكن لاي كلماتٍ عابرة أن تلتقطها. في ذلك الزقاق الضـيق، وقف ثلاثة رجال، كل منهم يُدرك جيـدًا ما جاء من أجـله، وكأنّ ماضـيهم المُظلم يُلاحقهم إلى هـذه اللحظة.كيــن مورفي كان في المقدمة، عريض الكتفين، مُميّز بحضوره القوي، ملامحه تحمل آثار معارك سابقة، لم يُخفِ أحدها ندبة طويلة تمتد عبر وجنته. بجانبه دونالد راشيل، الصامت، الهادئ، الذي بدا وكأن ملامحه مصنوعة من الجليد، عينيه تلمعان في الظلام كأنهما قادرتان على اختـراقه. وأما جوزيف أرنولد، فقد كان ذو ابتسامةً مشوبة بسخرية، كأن كل هذا مجرد لعبة بالنسبة له، لعبة ينتظر فيها لحظة الحسم.
رنّ هاتف كيـن، كسر صـوته الصمت من حولهم. رفع الهاتف ببطء، أجاب دون أن ينبس ببنت شفة، كأن كل كلمة تلقاها تترجم مباشرة إلى خطة عمل في ذهنه. من الطرف الآخـر، جاءه صـوت غير معروف، بارد، جاف، يكاد يخلو من أي عاطفة، يأمرهم بتنفيذ المهمة: "حان وقت التنفيذ".
ثلاثة كلمات فقط جاءت عبر الأثير ،ومن ثم إنقطع الإتصال،لم يحتاج الثـلاثة لتعليمات أكثر؛ فقد كانوا يعرفون هدفهم بدقة. فهذه المهمة كانت مختلفة، ليست كمثل سابقاتها، ليست كأيّ عملـية اعتيادية سابقة.
سار الثلاثة في الزقاق كأشباح، لم يبدُ عليهم الخوف، فقط. تركيز شديد وهـدوء قاتل. كل خطوة كانت مدروسة بدقة، وكل حركة كانت تحمل في طيّاتها خبرات السنوات الطوال في عالم الجريمة السرّي.
♦…………….………♦♦♦……….……………♦
في مكانٍ آخــر… كان الليـل يستولي على سماء العاصمة واشنـطن، الشوارع الخالية من المارة؛ تعكـس هدوءًا مزيفًا، وكأن المدينة بأكملها تتنفس الصعداء في صـمت. في قلب هذا الصمت، في إحدى شقق الابراج الشاهقة بحي بلير هاوس الفاخر، كانت الجريمة التي ستقلب العالم رأسًا على عقب قد بدأت تتشكل. حين رجع الدكتور شارل ألبرت لتوه إلى شـقته الصغيرة بعد يوم طويل في خدمة الرئيـس. شارل ألبرت، الطبيب الخاص للبيت الأبيـض، والذي أصبـح جزءًا لا يتجزأ من حياة الرئيـس اليومية. يعرف كثيرًا من التفاصيل الصغيرة، والتي لا يجرؤ أحـد على طرحها. ويحمل أسرار الرئيس – إن رغب بالحديث علي مقربة منه– داخل قلبه أكثر من أي شخص آخر. كان يعتقد دائمًا أن وظيفته…. هي الحفاظ على صحة الرئيـس فحسب، دون أن يتخيل للحظة واحدة أن الأسـرار التي تلقاها من الرئيس مباشرة، قد تكون أهم بكثير من عمله كطبيب. أسرار دبلوماسية تغلفها الحكومة تحت عباءة سوداء مكتوب عليها: سري للغاية. معلومات عن متطرفون إرهابيون، أباطرة المافيا في التهريب والإتجار الغير مشروع، أو حتي ساسه فاسدون. ولكن... الشرط الوحيد للحصول علي تلك الأسـرار هي السرية التامة، وعدم الأسئلة التي لا تعني صاحبها، وهذا ما أعتاد عليه دكتور شارل ألبرت، منذ أن وطئت قدميه البيت الأبيض.
حين عاد الي البيت……
وعندما فتح الباب، كانت كل الاشياء طبيعية في البداية. حيث خفوت الضوء وإنسجام الأثاث في تناغم مع الأجواء الهادئة. المكان بأكمله مزيجًا مختلطًا ما بين الحداثة والكلاسيكية الأميركية. ابواب الغرف بعضها مغلق، وبعضها مفتوح؛ ليكشف عن مكان فارغ من البشـر، فلعدة سنوات… والطبيب البالغ من عمره ثمانية واربعون عام… يعيش بمفرده، منذ أن إنفصل عن رفيقته في لوس أنجلوس، لأسباب لم يُعلن منها للعامة شئ، حتي أن الرئيس بنفسه لم يعلم سبب توحد طبيبه الخاص، وعزلته التامة عن الجنس الأخر. حتي بداخل أروقة المجمع الرئاسـي، لم يَسبق له أن تحدث مع إحدي العاملات هناك لأكثر من دقيقتين! تجنب مثل تلك النقاشات حتي ولو كان بها شيء من الود علي سبيل الملاطفه.
عقب تواجـده في الصالون، توقف بسـبب رنين هاتفه. أخرج الهاتف من جيبه ثم رد بتنهيدة تُعبر عن الأرق والضغط النفسي: "هالو، شارل ألبرت يتحدث".
من الطرف الآخـر جاءه صوت دبلوماسي: "دكتور ألبرت، أنا سكرتير الرئيـس روني كامبل، أحدثك من كابينة إتصال عامة".
تسأل ألبرت بغرابة: "ما خطبك سيد كامبل؟".
بدأ صوت السكرتير مليئًا بالخوف والريبة: "الليلة سوف يتم تنفيذ المخطط، أدركت ذلك عندما رجعت الي شقتي، وجدت أسفل المبني رجلان يمشطان الشارع، أعلم أنهم يبحثون عني… ولست أنا وحسب، بل جميع من يثق بهم الرئيـس. ألبرت، أنصحك أن تعود الي المُجمع الرئاسي الآن، وتخبر الرئيس…..".
قاطعه ألبرت: "أين أنت الآن يا روني؟".
رد روني كامبل مسرعًا: "دعك مني الآن يا ألبرت، ونفذ ما أطلبه منك".
قال ألبـرت وهو يتحرك في جـوانب الصالون: "حسـنًا روني، سأفعل ما تريد، ولكن أجب علي سؤالي أين أنت الآن؟".
رد روني بحزم مشوب بحزن: "أعتقد أنني في طريقي نحو الهاوية".
توسل اليه ألبرت: "حبًا بالله أجب علي سؤالي…..".
الي هنا… وإنقطع الإتصال فجاءة.
تمادي ألبرت في تكميل المكالمة، محاولاً إقناع نفسه بأن هناك سبيل: "روني، الو، روني…….".
"دع الهاتف، روني كامبـل لن يُجيب يا دكتور".
لم يكن هذا الصوت صوتًا داخليًا ينبع من أعماقه التي تجمدت للتو، ولا صوت آلي ينبعث من الهاتف عبر الأثير. بل كان صوتًا آخـر، صوتُُ عميق؛ كأنه نابع من بؤرة الجحيم. صوت سمعه شارل ألبرت في عمره مرتان، فقط…. مرتان. وهذه المرة هي المرة الثالثة، أو قد تكون هي الأخيرة بالنسبة اليه، أو قد يكون هذا الصوت هو أخر صوت سيسمعه دكتور شارل ألبرت في حياته. هذا هو صوت الظل العالق بين جدية الإنتقام والتكنيك الإجرامي….. صوت قايين، قابيل، كين مورفي.
فجأة…..
حين التفت مسـرعًا للخلف، شعر بشيء ثقيل، على قلبه أولًا، كما لو أن قلبه قد توقف عن العمل. ثانيًا… كان الثقل الأكبر علي عقله، حيث بدأ الأمر كما لو أن عقله قد شُـل وتوقف عن برمجيته. كانت هذه اللحظات هي التي سيتذكرها طـوال حياته وإن كانت حياته قد انتهت بالفعل. قبل أن يتمكن من التفكير في السبب؛ كان الثقل الأخير قد حط من رحاله……. صفعة قوية مصحوبة بآلة حادة، نزلت كمطرقة علي الجانب الأيسر من مقدمة رأسه، أفقدته الوعي تمامًا.
♦…………….………♦♦♦……….……………♦
بعد وقت غير معلوم….. قابع في الظلام. فاق دكتـور شارل ألبـرت جراء دلق دورق مياه باردة فوق رأسـه، إستفاق من ثباته مثل نائم في ملاذه، يصارعه جاثوم راقدًا علي قلبه، يزن 1,000000/كجم.
عندما فتح عينيه كانت الرؤية مشوشه وضبابية، فلم يتمكن من تميّز الأشياء علي الإطلاق، حتي ذلك الظل الأسود الجالس أمامه مباشرة علي الكرسي.
تدريجيًا….. بدأ عقله يعود لعمله من جديد. ومن ثم التدقيق في الأشياء من حوله، شقته، يداه خلف ظهره مقيدتان في الكرسي. وظل دونالد راشيل يقف عند الشرفة يُدخن سيجارًا. وعلي الجانب الأخـر عند آريكة الصالون، جلس ظل جوزيف ارنولد يتصفح مجلة مسائية مصورة.
ولكن…... ما كان يخشاه دكتور شارل ألبـرت، هو النظر في هيئة ذلك الظـل الثالث، الذي بدأ وكأنه ملاك الموت؛ متجسدًا في شكل كـين مورفي.
تحدث كين: "نتأسف علي الطريقة التي إسقبلناك بها في شقتك، يا دكتور".
لم يُجيب دكتور شارل ألبرت بأي ردود، كان يتألم من إثر جرح رأسه الذي نتج عن الصفعة التي تلقاها. كان يقطر دمًا فوق الدم الجاف الذي تشبث بفروة رأسه.
قال كين: "ولكننا لسنا في حانة ضيافة لتمييز طُرق الإستقبال، نحن هنا لأجل غرضٍ أسمي. غرضٍ… أنت رفضت مشاركتنا فيه من قبل".
كلمات كين جذبت إنتباهه، مما دفعه للقول وهو يتألم: "بل غرض حقير".
ضحك كـين بهدوء ثم قال: "سأغفر لك ذلك الذنب، فأنت لاتعي ما تقول".
قال دكتور ألبرت بغضب: "كلا، أعي ما أقوله جيدًا".
سكت دكتور شارل ألبرت لبرهة جمع فيها شتاته ثم أكمل: "أنت وأسيادك في الأخـوية مجرد حثالات تمجد شيطان، لا يراهم الشيطان إلا خدام. ادوات تُستخدم لأغراضٍ حقيرة".
صفعه كـين علي وجهه، ثم أضاف بتعصب مكتوم: "أمثالك لا يعلمون قيمة ما نضحي من أجله، ولا يستطيعون قراءة ما بين السطور، أمثالك مُسـيرون وفـق بنـود السلطة والرئيس، في إعتقادك أنك بئر أسـرار الرئيس. إن كنت تعتقد ذلك؟ فنحن لن نترك مياه تلك البئر صالحة للشراب".
قام كـين من مقعده، ثم تحرك ليكون خلف دكتور شارل ألبـرت. أنذاك إجتمع كلا من دونالد وجوزيف بجانبه، أشهر كين مسدسهSIG المزود بكاتم للصوت، صوبه نحو رأس شارل ألبرت. ثم قال بصوت هادئ وعميق: "رسالتنا قد أُرسلت. والرئيـس لم يعد في أمان بعد الأن، دكتور ألبرت".
قال شارل ألبرت بلا تردد أو خوف: "عليكم اللعنة جميعًا".
أجابه كـين بسخرية: "لا بأس دكتور، كلاكما قد تتقابلا عما قريب في إحـدي الدوائر السبعة للجحيم، كما يصفها دانتي أليغيري".
لم يكن دكتور شارل ألبرت يعرف الكثير عن هؤلاء الأشخاص. فقط…. كل ما كان يعرفه–– هو أن قتله وهو الطبيب الخاص للرئيس لم يكن مجرد حادث، بل كان بداية لشيء أكبر بكثير تم التخطيط له مسبقًا.
ضغط كـين علي الزناد…..
الضغط علي الزناد أعطي قوة انفجار لإحتراق البارود، وموجـة من الصـدمة تمددت في سبطانة باردة. ثم إنفصلت الرصاصة عن سبطانة المسـدس، مثل قدرٍ قد تحرر من سجنه، لتشق الهواء كهمسة من العدم.
الرصاصة….. تحررت بسـرعة تفوق حاجز الصوت بدوران محوري أحدث في مداره تشوه طفيف في الهواء. شقت طريقها عبر الفراغ بسـرعةٍ لا يتصـورها عقل، شـوّهت الفضاء من حولها، تركت خلفها أثرًا لا يُرى بالعين المجردة. كأنها شظية من نبوءة منسية؛ بدأت تتحقق.
الموت…. يُصبح ملموسًا في وقت الاصطدام. حيث تتلامس الرصاصة بالجلد كقُبلة الموت الأولى. علي إثرها الجلد يتمزق، ثم تغوص لتكمل رحلتها، تشرّح اللحـم، تكسر التوازن الأبدي بين الحياة والموت، تحفر إسمها داخل الجسد كالوشم الأبدي، ثم تستقر من عبئ رحلتها!.
للحظة، يشعر الهدف بكل شـئ، ببرودة الفولاذ في عمقه، وبالصمت الذي يبتلع الضجيج، وأخيرًا التلاشي البطئ لكينونته. تظل الروح تتأرجح بين عالمين، ممسكةً بآخر خيط من الإدراك قبل أن ينقطع إلى الأبد.
طلقة الرصاص المفاجئة ثقبت مؤخرة رأس الطبيب، اخترقت عظام جمجمته، ومزقت كل ما بداخل رأسـه، ثم خرجت من بين عظام الجبيـن وهي تنثر الدماء في الفـراغ، تاركةً وراءها سيل بطيء إنساب نحو عينيه المتجمدة.
بعد دقائق، كان كل شئ قد انتهى.
لم تبق سوى الجثة مُقيدة علي حالتها.
والرجال الذين نفذوا العملية كانوا قد اختفوا كما ظهروا. وآثارهم تلاشت في الهواء، ولم تترك سوى ظلال من الشـك، وعبارة مكتوبة بخط يدٍ مرتجفة علي ورقة صغيرة في يد الطبيب، نصها: "بعض الحقائق لا يُجيب عنها إلا الموت".
تلك الليـلة في واشـنطن، لم تكن مجرد حادثة جنائية عابرة؛ بل كانت زلزالًا صامتًا ضرب ركائز السلطة، حيث تلاقت كل خيوط القدر مع إرادة الموت في شقة الدكتور شارل ألبرت. في الغرفة التي خيم عليها صمت الموت، كان الهواء مشبعاً برائحة البارود الخفيفة والدم، بينما بقيت ظلال الأخوية المتمثلة في الثلاثي– كين مورفي، ودونالد راشيل، وجوزيف ارنولد – تتحرك بدقة لاستكمال طقوس التطهير.
بالنسبة لكين مورفي، لم يكن الاغتيال مجرد تنفيذ لأمر، بل كان أشبه برسالة أيديولوجية مشفرة؛ إذ كان يؤمن بعقيدة الأخوية التي ترى في نفسها مطهرًا للعالم من الخطايا والآثام وفساد السياسة، واعتبرت الطبيب شارل ألبرت وأمثاله مجرد آبار ملوثة يجب تجفيفها لضمان نقاء الأسرار التي يحملونها.
وعلى الجانب الآخـر، وقف الدكتور شارل ألبـرت الذي كان صمته حصنًا منيعًا لأسرار البيت الأبيض، مؤمنًا بأن –ولاءه للرئيس وللوطن– يتجاوز أشكال الإغراء أو التهديد، ليرحل وهو قابض على قناعته كقيدٍ أخير في يديه