الفصل الثاني: الرسالة السوداء
(الضحية رقم سبعة)
«لا تخبري لوسيان.»
يقال إن الماضي يموت حين ننساه، لكن بالنسبة لإيلينا، بعض الأشياء لا تموت، إنما تنتظر فقط أن نتذكرها.
«لم تكن تخاف من الموت، بقدر ما كانت تخاف أن تتذكر لماذا لم تمت.»
هذا ما شعرت به إيلينا عندما سمعت طرق الباب...
طرق... طرق... طرق...
قفزت إيلينا من سريرها بهلع، واتجهت عيناها مباشرة نحو الساعة الموضوعة على الطاولة بجانبها. حدقت فيها لثوانٍ وكأنها لم تصدق ما رأته.
2:45 صباحًا.
همست بارتباك:
— من قد يأتي في هذا الوقت؟
حاولت أن تستجمع شجاعتها، ثم نهضت ببطء من سريرها. تقدمت نحو الباب بخطوات حذرة، وهي تحاول إقناع نفسها بأن ما تسمعه ربما ليس سوى وهم.
لكن قبل أن تصل إليه، انفتح الباب فجأة.
اندفعت إلى الغرفة رياح قوية، باردة على نحو غير طبيعي، حملت معها همسًا خافتًا تسلل إلى أذنيها:
— لا تخبري لوسيان.
تجمدت إيلينا في مكانها.
تسارع نبض قلبها، ونظرت حولها بذعر.
— من هناك؟ من أنتم؟ وكيف استطعتم الدخول رغم أن الأبواب كانت مغلقة؟
لم يجبها أحد.
ثم ظهر رجل طويل القامة أمامها.
كان حاد الملامح، يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وعلى رأسه قبعة عريضة أخفت نصف وجهه، فلم يظهر منه سوى عينين غامضتين جعلتا وجوده أكثر إثارة للريبة.
تراجعت إيلينا خطوة إلى الوراء.
— من أنت؟ وكيف دخلت إلى بيتي؟
قهقه الرجل.
لم تكن ضحكته تحمل أي مرح، بل بدت باردة ومزعجة، وكأنه يستمتع بخوفها.
— هذا ليس السؤال المناسب الذي يجب أن تطرحيه.
عقدت إيلينا حاجبيها.
— وما السؤال الذي يجب عليّ أن أطرحه؟
انحنى الرجل قليلًا حتى أصبح في مستواها، ثم حدق مباشرة في عينيها.
كانت عيناه فارغتين بشكل مخيف.
— السؤال هو... هل ما زلتِ تتذكرين؟
تراجعت إيلينا خطوة أخرى.
— أتذكر ماذا؟
وقبل أن تحصل على إجابة، جاء صوت من خلفها، هادئًا لكنه حمل من التهديد ما يكفي ليغيّر ملامح الرجل أمامها.
— ربما يجب أن تسأل نفسك هذا السؤال يا كاسيان
استدارت إيلينا بسرعة.
كان لوسيان يقف في زاوية الصالون، وكأنه كان هناك طوال الوقت.
ابتسم كاسيان بسخرية.
— آه، عزيزي لوسيان... كم مر من الوقت منذ أن رأيتك؟ اشتقت حتى إلى صوتك الذي يطرب الآذان.
تغيرت ملامح لوسيان.
— كف عن استخفافك، وابتعد من هنا قبل أن تندم.
كانت إيلينا تنظر بينهما بخوف، لكن شيئًا آخر بدأ يتسلل إلى داخلها.
الفضول.
من يكون كاسيان؟
وكيف يعرف لوسيان؟
ولماذا يتحدثان وكأن بينهما تاريخًا يمتد لسنوات؟
ابتسم كاسيان ابتسامة جانبية.
— لوسيان... لوسيان... كم أنت متآمر بطبعك. لكن تذكر أنك لست الملك الآن. لقد تخليت عن...
توقفت كلماته عندما نظر إلى إيلينا.
كانت نظرته مليئة بالتقزز.
— كفاك هراءً يا كاسيان. اختفِ الآن قبل أن...
لم يكمل جملته.
في لمح البصر، اختفى كاسيان.
حدقت إيلينا في المكان الذي كان يقف فيه قبل لحظات، غير قادرة على استيعاب ما حدث.
هل كانت تتخيل؟
أم أن رجلًا كان يقف أمامها للتو ثم اختفى ببساطة؟
أمسكت هاتفها بسرعة، محاولة الاتصال بالشرطة، لكن الشاشة بقيت سوداء.
ضغطت على زر التشغيل مرة.
ثم مرة أخرى.
لا شيء.
— هل اكتفيتِ من المحاولة، أم ستجربين فرصة أخرى؟ أضمن لكِ أنه لن يشتغل.
رفعت إيلينا رأسها نحوه.
— من أنت؟ ماذا تريد مني؟
ظل لوسيان صامتًا للحظة.
— أنا لا أريد شيئًا منكِ سوى...
— سوى ماذا؟ هيا، قل!
اقترب منها قليلًا، ثم نظر إليها بجدية.
— أنتِ تتذكرين؟
تجمدت.
— أتذكر ماذا؟
تغيرت نظراته للحظة، ثم تراجع.
— لا شيء. انسي الأمر. فقط كوني حذرة من الآن فصاعدًا.
— ماذا تقصد بهذا؟ إلى ماذا تلمح؟ وكيف دخلتم إلى بيتي أصلًا؟
لم يجبها.
مر لوسيان بجانبها متجهًا نحو الباب.
وحين مر أمام المرآة المعلقة في الصالون، لمحت إيلينا شيئًا جعل الدم ينسحب من وجهها.
توقفت.
نظرت إلى المرآة.
ثم إليه.
ثم عادت بنظرها إلى المرآة.
لم يكن هناك شيء.
لا انعكاس.
— أنت...
توقف لوسيان واستدار إليها، رافعًا حاجبه باستغراب.
— أنا ماذا؟
أشارت إيلينا إلى المرآة، وصوتها يرتجف:
— أنت... لا تظهر في المرآة!
ساد الصمت.
نظر لوسيان إلى المرآة، ثم أعاد نظره إليها.
بقي صامتًا لثوانٍ.
ثم قال بهدوء مخيف:
— ألم تفهمي بعد؟
أفهم ماذا؟
نظر إليها لوسيان للحظات، ثم أشاح بنظره.
— لا شيء. فقط توخّي الحذر.
استدار وكأنه على وشك المغادرة، لكنه توقف فجأة.
— بالمناسبة... هل أخذتِ الصندوق؟
نظرت إليه إيلينا بارتباك.
— أي صندوق؟
رفع لوسيان حاجبه، وكأن إجاباتها لم تطمئنه.
— آمل أنكِ لم تأخذيه.
عقدت حاجبيها.
— ولماذا؟
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال ببرود:
— لا شيء. ليلة سعيدة.
وقبل أن تتمكن من سؤاله مجددًا، غادر.
بقيت إيلينا واقفة في مكانها، تراقب الباب الذي أغلق خلفه.
الصندوق.
لماذا كان يسأل عنه؟
ولماذا بدا وكأنه يخشى أن يكون معها؟
لكن سؤالًا آخر كان أكثر إزعاجًا...
كيف عرف بوجوده أصلًا؟
في صباح اليوم التالي، وصلت إيلينا إلى الجامعة وهي بالكاد تستطيع إبقاء عينيها مفتوحتين. لم تنم طوال الليل تقريبًا.
كانت الكلمات تتردد داخل رأسها بلا توقف.
«الضحية السابعة.»
«لا تخبري لوسيان.»
حاولت طردهما من ذهنها، لكنهما كانتا تزدادان وضوحًا كلما حاولت نسيانهما.
وما إن اقتربت من مبنى الجامعة حتى سمعت صوتًا مألوفًا خلفها:
— يبدو وكأن أحدهم تأخر اليوم... وليس كعادته.
استدارت إيلينا لتجد مايا واقفة أمامها بابتسامة منتصرة، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها بفخر.
نظرت إليها إيلينا باستخفاف.
— هل أبدو في وضع يسمح لكِ بالسخرية مني؟
اختفت ابتسامة مايا فورًا.
تأملت وجه صديقتها، ثم تغيرت ملامحها إلى القلق.
— ما بكِ؟ ماذا حدث؟ أنتِ لا تبدين على ما يرام اليوم.
تنهدت، ثم أضافت بنبرة عارفة:
— نفس الكابوس ككل مرة، صحيح؟
هزت إيلينا رأسها نفيًا.
— سأخبركِ... لكن ليس الآن. بعد انتهاء الدرس، بالتأكيد.
أومأت مايا برأسها.
— حسنًا، لكنكِ لن تفلتي مني هذه المرة.
دخلتا الصف.
بعد منتصف النهار، خرجت إيلينا ومايا من الجامعة واتجهتا إلى المطعم القريب. طلبت كل منهما طعامها، وما إن جلستا حتى وضعت مايا ذراعيها على الطاولة ونظرت إلى صديقتها بجدية.
— والآن أخبريني. ماذا بكِ؟ ولماذا أنتِ شاحبة هكذا؟
تنهدت إيلينا.
ثم بدأت تحكي.
أخبرتها بكل شيء.
عن استيقاظها في منتصف الليل، وعن الباب الذي انفتح، والريح التي حملت معها ذلك الهمس الغريب.
أخبرتها عن الرجل الذي ظهر أمامها، وعن كاسيان، وعن اختفائه المفاجئ.
ثم أخبرتها عن هاتفها الذي انطفأ دون سبب، وعن الصندوق الذي اختفى من أرشيف الجامعة.
وبعد لحظة تردد، أخبرتها عن لوسيان.
عن ظهوره المفاجئ.
عن حديثه الغامض.
ثم عن المرآة.
وعن الحقيقة التي لم تستطع حتى الآن استيعابها.
لوسيان لا يظهر فيها.
ظلت مايا صامتة للحظات، تحدق فيها وكأنها تحاول معرفة ما إذا كانت جادة أم أنها تمزح.
— هل أنتِ متأكدة من أن هذا حصل فعلًا؟
رفعت إيلينا حاجبها.
— هل أبدو وكأنني أحلم؟
— حسنًا...
ترددت مايا قليلًا.
— ربما لأنكِ وجدتِ اسمكِ على تلك الورقة داخل الصندوق، أثر ذلك فيكِ أكثر مما تتصورين. ربما كنتِ مرهقة وخائفة، فتخيلتِ بعض الأشياء.
سكتت إيلينا.
كانت الفكرة منطقية.
منطقية أكثر مما تريد الاعتراف به.
— ربما...
ثم قطبت حاجبيها محاولة تذكر شيء آخر.
— لكن هناك شيء آخر.
— ماذا؟
— أتذكر أن في القصة شيئًا عن الهلال... الهلال الأسود، أظن. لا أتذكر الاسم بالتحديد.
تغيرت ملامح مايا قليلًا.
— الهلال الأسود؟
رفعت إيلينا عينيها إليها.
— نعم... لماذا؟
لم تجب مايا فورًا.
بل بقيت تحدق في إيلينا وكأنها تحاول تذكر شيء ما.
ثم قالت ببطء:
— إيلينا... أظن أنني سمعت بهذا الاسم من قبل.
رفعت إيلينا عينيها إليها باهتمام.
— أين؟
ترددت مايا، ثم أخذت هاتفها وأخذت تبحث في ذاكرتها قبل أن تقول:
— لا أتذكر بالضبط... لكنني متأكدة أنني رأيت رمز الهلال الأسود من قبل.
— أين؟
نظرت مايا إليها للحظات، ثم قالت:
— في مكان لا يفترض أن يكون موجودًا فيه.
شعرت إيلينا بقشعريرة تسري في جسدها.
— ماذا تقصدين؟
فتحت مايا فمها لتجيب، لكن هاتف إيلينا اهتز فوق الطاولة.
نظرت إليه.
رقم مجهول.
ترددت قبل أن تفتح الرسالة.
كانت جملة واحدة فقط:
«أخبرتكِ ألا تخبري لوسيان.»
تجمدت إيلينا.
رفعت عينيها ببطء نحو مايا.
— ما الأمر؟ من أرسل لكِ؟
لم تجب إيلينا.
كانت تحدق في الشاشة، وقلبها يخفق بعنف.
ثم وصلت رسالة أخرى.
«والآن أصبح يعرف أنكِ تتذكرين.»
رفعت إيلينا رأسها فجأة.
— مايا...
— ماذا؟
— علينا أن نغادر.
— لماذا؟
نظرت إيلينا حولها.
لم يكن هناك شيء غريب.
المطعم مزدحم، الناس يتحدثون، الأطباق تتحرك بين الطاولات...
لكنها شعرت بشيء.
أحدهم كان يراقبها.
ثم لمحت رجلًا يجلس وحده في آخر المطعم.
كان يرتدي الأسود.
وعندما التقت عيناه بعينيها...
ابتسم.
النهاية
«حين تبدأ الحقيقة بالبحث عنك، لن ينفعك الاختباء منها....
«فبعض الأبواب لا نفتحها بحثًا عن الحقيقة... بل لأن الحقيقة هي من دفعتها.»