NOVELFLEX

الفصل الثالث: ما لا يحتاج إلى ترجمة

صوت لايسمعونه · بقلم OPEN SEA

الفصل الثالث: ما لا يحتاج إلى ترجمة

ظل والدها ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكأن الإشارتين اللتين صنعتهما يداها لم تكونا واضحتين بما يكفي. أعادت ليان الإشارة ببطء: كنت أغني. في المدرسة. كان هناك اختبار لفرقة الموسيقى. انتقلت عيناه من وجهها إلى الميكانيكي الواقف في منتصف المطبخ، ثم عادتا إليها. لم يبدُ غاضبًا كما توقعت، بل بدا مرتبكًا، وهذا كان أسوأ بطريقة ما. أشار أخيرًا: ولهذا تأخرتِ؟ أجابت: نعم. سألها: ولماذا لم تخبريني؟ فتحت فمها رغم أنها تعرف أنه لا يسمعها، ثم أغلقته. لم تعرف كيف تجيب. لأنها لم تعتقد أن الأمر مهم؟ لأنها كانت تخشى أن يمنعها؟ لأنها نفسها لم تكن تعرف حتى صباح اليوم إن كانت ستذهب؟ كل الإجابات بدت ضعيفة. أشارت أخيرًا: لم أكن متأكدة أنني سأفعلها.

ضرب الميكانيكي كفًا بكف وقال: «هل يمكننا أن ننتهي من موضوع القارب أولًا؟ لدي سيارة أخرى أنتظرها.» التفتت ليان إليه، وشعرت فجأة بانزعاج لم تستطع إخفاءه. قبل دقائق فقط كانت واقفة في غرفة الموسيقى، وكان شخص ما يسألها عن صوتها وعن موهبتها، والآن عادت إلى المنزل لتصبح مترجمة من جديد. جلست إلى الطاولة وأشارت إلى والدها أن الميكانيكي يريد إكمال الحديث. بدأ الرجل يشرح أن المشكلة ليست بسيطة كما ظن في البداية، وأن المحرك يحتاج إلى قطعة جديدة قد يستغرق وصولها عدة أيام، وربما يكون إصلاحه مكلفًا. نقلت ليان الكلام إلى والدها، فأجابها، ثم نقلت إجابته إلى الرجل. استمرت المحادثة قرابة عشرين دقيقة، وعندما انتهت كان موضوع الغناء قد اختفى تمامًا، كأنه لم يحدث.

غادر الميكانيكي، فجمع والدها الأوراق من فوق الطاولة. انتظرت ليان أن يعود إلى الحديث، لكنه لم يفعل. أشار فقط: أخبري أمك أن العشاء بعد نصف ساعة. ثم خرج من المطبخ. بقيت ليان وحدها، تحدق في الباب الذي أغلق خلفه. لم تكن تعرف ما الذي كانت تنتظره منه تحديدًا. سؤالًا ربما. هل أنت جيدة؟ هل أعجبهم صوتك؟ ماذا غنيتِ؟ لكنها أدركت فجأة أن السؤال الذي بدا طبيعيًا في رأسها لم يكن طبيعيًا بالنسبة إليه. كيف يسألها عن شيء لم يسمعه يومًا؟

عند العشاء، كان آدم أول من أعاد فتح الموضوع. كانت أمها تضع الطعام على المائدة عندما أشار إليها مبتسمًا: سمعت أنك أصبحت مغنية مشهورة. رفعت ليان عينيها إلى أبيها، فعرفت أنه أخبرهم. أشارت إلى آدم: مجرد اختبار. فرد: هل فزتِ؟ ضحكت وقالت بصوت مرتفع دون قصد: «ليس سباقًا.» ثم كررت الجملة بلغة الإشارة. سأل آدم: إذن لماذا تختبرون؟ قالت: ليقرر المدرس من يدخل الفرقة. تدخلت أمها وسألت: وأنت دخلتِ؟ ترددت ليان. لا أعرف بعد. لكنه طلب مني العودة غدًا. ابتسمت أمها فورًا وصفقت بيديها بحماس، بينما رفع آدم يديه وكأنه يحيي جمهورًا وهميًا. وحده والدها ظل يأكل بصمت.

لاحظت أمها ذلك أيضًا. لم تقل شيئًا أمام الجميع، لكنها بعد العشاء لحقت بليان إلى المطبخ. كانت ليان تغسل الأطباق عندما لمست أمها كتفها. التفتت إليها، فأشارت الأم: لا تغضبي منه. أجابت ليان: أنا لست غاضبة. ابتسمت أمها بالطريقة التي تعني أنها لا تصدقها. ثم أشارت: أبوك يخاف الأشياء التي لا يستطيع السيطرة عليها. البحر، المال، المحرك… والآن الغناء. ابتسمت ليان رغمًا عنها. كيف يخاف الغناء؟ سألت. رفعت أمها كتفيها ثم أشارت: لأنه لا يعرفه.

توقفت ليان عن غسل الطبق الذي بين يديها. بقي الماء جاريًا بينما نظرت إلى أمها. سألت بعد لحظة: هل كنت تعرفين أنني أغني؟ ضحكت أمها بصمت، ثم أشارت: أنا صماء، ولست غبية. ضحكت ليان. أغلقت الصنبور ومسحت يديها. تابعت أمها: أشعر باهتزاز الأرض عندما ترفعين صوت الموسيقى في غرفتك. وأحيانًا أراك تغنين أمام المرآة. شعرت ليان بالإحراج. لماذا لم تقولي شيئًا؟ أجابت أمها ببساطة: لأنك لم تخبريني. اعتقدت أنه شيء تريدينه لنفسك. بقيت تلك العبارة معها طوال الليل. شيء تريدينه لنفسك. لم تكن معتادة على امتلاك أشياء تخصها وحدها.

في اليوم التالي، كانت الساعة الثالثة وعشرين دقيقة عندما وقفت ليان أمام قاعة الموسيقى. كان بإمكانها أن تعود إلى المنزل. كانت تعرف ذلك. والدها لم يطلب منها ألا تأتي، لكنه أيضًا لم يقل إنه موافق. ومع ذلك فتحت الباب. كان السيد هاريس وحده، يجلس أمام البيانو ويكتب شيئًا. نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط ثم إليها. «سبع دقائق مبكرًا.» قالت: «يمكنني الخروج والعودة إذا كان هذا يزعجك.» أشار إلى الكرسي. «اجلسي قبل أن أغير رأيي بشأنك.»

وضعت حقيبتها وجلست. فتح السيد هاريس دفتره وقال: «أولًا، تنفسك سيئ.» نظرت إليه باستياء. «مرحبًا بك أيضًا.» تجاهلها. «ثانيًا، ترفعين كتفيك عندما تحاولين الوصول إلى النغمات العالية. ثالثًا، لديك عادة غريبة في ابتلاع نهاية الكلمات.» قالت: «هل يوجد شيء جيد؟» رفع عينيه عن الدفتر. «صوتك.» انتظرت أن يكمل، لكنه عاد إلى أوراقه. قالت: «هذا كل شيء؟» أجاب: «هذا الشيء الوحيد الذي لا أستطيع تعليمك إياه، لذلك نعم، هذا كل شيء.»

نهض واتجه إلى البيانو. «تعالي.» وقفت بجانبه. عزف نغمة وطلب منها تكرارها، ثم أخرى، ثم بدأ يرفع الطبقة تدريجيًا. في البداية شعرت بالسخافة، لكنها بعد دقائق نسيت نفسها. كان يوقفها كلما أخطأت، ويجعلها تعيد الجملة مرات ومرات حتى بدأت تشعر أنها تكرهه حقًا. بعد نحو نصف ساعة أغلق غطاء البيانو فجأة. قال: «لدي سؤال.» أخذت زجاجة الماء من حقيبتها. «أتمنى أن يكون أسهل من التمرين.» سأل: «لماذا لم تتعلمي الغناء من قبل؟»

توقفت يدها.

قالت: «لم أفكر فيه بجدية.»

«كذب.»

نظرت إليه بحدة. «عفوًا؟»

«الأشخاص الذين لا يفكرون في الغناء لا يمتلكون تحكمًا كهذا من دون تدريب. أنت تغنين كثيرًا. ربما منذ سنوات.»

لم تجب.

سألها: «هل والداك ضد الموسيقى؟»

قالت: «لا.»

«إذن؟»

ترددت قبل أن تقول: «هما أصمان.»

تغير وجهه قليلًا.

أضافت: «وأخي أيضًا.»

ساد الصمت.

كرهت تلك اللحظة. كانت تعرفها جيدًا. اللحظة التي تخبر فيها شخصًا أن عائلتها من الصم، فيتغير وجهه ويظهر ذلك المزيج من الشفقة والفضول. انتظرت السؤال المعتاد: حقًا؟ كيف تتحدثون؟ كيف يعيشون؟ هل تستطيعين لغة الإشارة؟ لكن السيد هاريس لم يسأل شيئًا من ذلك.

قال فقط: «وأنت تسمعين.»

«من الواضح.»

«وهل هذا سبب أنك لم تتدربي؟»

«لا أعرف.»

«إجابة سيئة.»

«لأنني فعلًا لا أعرف.»

اقترب من البيانو وجلس. «حسنًا. سنكتشف لاحقًا.»

نظرت إليه باستغراب. «هذا كل شيء؟»

«ماذا تريدين مني؟ أن أشعر بالأسف عليك؟»

تجمدت.

أكمل وهو يقلب صفحات النوتة: «لن أفعل. عائلتك صماء، وأنت تغنين. هذه حقيقة وليست مأساة. المشكلة الوحيدة التي تهمني هي أنك تضيعين موهبتك.»

لم تعرف ليان لماذا أثرت فيها كلماته إلى هذا الحد. ربما لأنه كان أول شخص يسمع قصتها ولا يعاملها كشيء هش. أخذت نفسًا وقالت: «أنا لا أضيعها.»

رفع حاجبه.

قالت بتحدٍ: «أنا هنا، أليس كذلك؟»

ابتسم للمرة الأولى ابتسامة حقيقية. «جيد. إذن أثبتي ذلك.»

فتح النوتة أمامه، ثم قال: «هناك عرض للمدرسة بعد ستة أسابيع. أريدك أن تغني فيه.»

تراجعت خطوة. «ماذا؟»

«أمام جمهور.»

«لا.»

«لم أسألك.»

«وأنا أقول لا.»

«لماذا؟»

«لأنني لا أغني أمام الناس.»

نظر إليها طويلاً ثم قال: «غنيت أمامي.»

«أنت شخص واحد.»

«وأمس كان شخص واحد أكثر مما اعتدت عليه. بعد ستة أسابيع سيكون هناك ثلاثمائة. هذه تسمى الرياضيات.»

ضحكت رغماً عنها، ثم هزت رأسها. «لن أفعل.»

قال بهدوء: «سنرى.»

عندما خرجت من القاعة كان سامر ينتظر عند الخزائن. كان يمسك جهاز ووكمان أسود، وسماعتاه معلقتين حول عنقه. ما إن رآها حتى أخرج شريط كاسيت من جيبه ومدّه إليها. نظرت ليان إليه. «ما هذا؟»

«واجب منزلي.»

أخذته منه. كان شريطًا مسجلًا يدويًا، وعلى الملصق الأبيض كتب بقلم أزرق: ليان — لا تحكمي على الأغنية الأولى.

ابتسمت. «لماذا؟»

«لأنك ستحكمين عليها.»

«إذن لماذا وضعتها؟»

«لأنني أعتقد أنك ستعجبين بها بعد الدقيقة الثانية.»

قلبت الشريط بين أصابعها. «هل صنعت هذا لي؟»

حاول أن يبدو غير مبالٍ. «كان عندي شريط فارغ.»

«وكتبت اسمي عليه صدفة؟»

ابتسم. «بالضبط.»

شعرت بشيء دافئ يتحرك في صدرها. لم يعطها أحد من قبل شريطًا موسيقيًا اختار أغانيه من أجلها. في عام 1998، كان صنع شريط لشخص ما يعني أن تجلس أمام جهاز التسجيل، تختار الأغاني واحدة تلو الأخرى، تنتظر نهايتها، وتقرر أي أغنية تستحق أن تأتي بعدها. كان الأمر يحتاج وقتًا، وهذا تحديدًا ما جعل الهدية تبدو أكبر من مجرد قطعة بلاستيكية صغيرة.

قال سامر: «اسمعيه الليلة.»

«حسنًا.»

«وعد؟»

رفعت الشريط. «وعد.»

في المساء، أغلقت ليان باب غرفتها وأخرجت جهاز الكاسيت القديم من درج مكتبها. وضعت الشريط وضغطت زر التشغيل. بدأت الموسيقى، فاستلقت على سريرها وأغمضت عينيها. بعد أقل من ثلاثين ثانية فتحتها وقالت لنفسها: «إنها سيئة فعلًا.» ثم تذكرت ما كتبه سامر فضحكت وانتظرت الدقيقة الثانية.

في الطابق السفلي كان والدها يجلس أمام طاولة المطبخ يحسب مصاريف القارب. مرت أمها خلفه ثم توقفت. كان كوب الماء الموضوع أمامها يهتز بخفة على الطاولة. نظرت إلى السقف.

ابتسمت.

أشارت إلى زوجها: إنها تغني مرة أخرى.

رفع رأسه نحو السقف.

لم يكن يسمع شيئًا.

لكن بعد لحظات وضع كفه على سطح الطاولة.

وصل إليه اهتزاز ضعيف، بالكاد يُشعر به.

ظل ساكنًا.

في الأعلى، كانت ليان تغني مع الشريط، غير مدركة أن والدها، للمرة الأولى، كان يحاول أن يجد طريقة يسمعها بها من دون أذنيه.

وبعد دقائق، طرق باب غرفتها.

أوقفت الموسيقى وفتحته.

كان والدها أمامها.

رفع يديه وسألها:

هل تستطيعين أن تغني لي؟

بقيت ليان تنظر إليه، غير قادرة على الحركة.

ثم أشارت ببطء:

لكن… لن تسمعني.

نظر إليها والدها طويلًا، ثم مد يده ووضع أصابعه برفق على جانب عنقها، حيث شعر بالاهتزاز عندما ابتلعت ريقها.

ابتسم.

وأشار:

إذن اجعليني أشعر بك.