قبل خمس سنوات …
لم أكن أبحث عن معجزة ، كنت فقط أريد طفلاً واحداً…طفلاً يركض نحوي ويناديني " أبي" .
لكن الحياة كانت تأخذ مني أكثر مما تعطي، حتى نسيت كيف يبدو طعم الفرح.
إسمي مالك ولأول مرة أعترف أني كنت ضعيفاً، أضعف من أن أرى زوجتي ليلى وهي تنزف أمامي وأنا غير قادر على إنقاذها ، أضعف من أن أحتفظ بضحكتها التي كانت تملأ البيت، قبل أن يصبح بيتنا قبراً مفتوحاً لجنين تلو الآخر.
كنا نحلم أن نملأ هذا البيت بالأصوات ، لكننا ملأناه بالذكريات المرّة ، كل ركن فيه يذكرني بحمل لم يكتمل.
لم أعد أقوى على النظر في عينيها …
كانت تسألني بصوت مرتجف:
"مالك ، هل أنا السبب"
وأنا أكذب ، وأقول لها :
" القدر فقط هو الظالم ، وليس أنت."
وفي كل مرة كنا نخسر فيها طفلاً ، كنت أحفر اسمه في رأسي وأدفنه في قلبي.
ومع كل فجر جديد، كنت أتحول إلى شيء آخر …لا هو حي، ولا ميت .
أجل أتذكر اليوم الذي أخبرتني فيه ليلى أنها حامل لأول مرة ، كانت تضع يدها على بطنها ، وعيناها تلمعان بدموع الفرح.
قالت بصوت مرتجف :
" مالك…أنا حامل."
شعرت في تلك اللحظة أن العالم كله توقف من حولي ، ضحكت ، بكيت ، سجدت على الأرض وشكرت الله على ما رزقني به .
في تلك الليلة لم ننم ، كنا نخطط، نختار أسماء ، نتخيل ملامحه، صوته خطاه الأولى …
كان كل شيء جميل… ليلى صارت أجمل ، تشع نوراً في كل صباح ، كنت أعود مبكراً من العمل وأحضر لها الطعام ، و أضع أذني على بطنها لأسمع النبض .. ذاك الصوت الذي جعلني أشعر أنني أخيراً حيّ.
لكن..في الشهر السابع ، في إحدى الليالي المظلمة كانت الشتاء تهطل بدون توقف ، شعرت ليلى بمغص قوي في بطنها لم تشعر به من قبل، وفجأة بدأت تنزف بشدة وهي تمسك بطنها وتقول:
"سيسقط الولد .. ! سيسقط ….إفعل شيئاً يا مالك…"
حملتها فوق ظهري وخرجت مسرعاً أبحث عن أحد يأخذنا إلى مركز صحي كان يوجد قرب قريتنا .
وجدت أحد الشباب يقف بعربته الخشبية فطلبت منه أن يساعدنا لكنه رفض وقال :
" آسف لا يمكن للعربة أن تسير في هذا الطقس ،أنظر إلى برك الماء "
فتوسلت إليه وقلت :
" أرجوك.. أرجوك ساعدني .. ألم ترى حال زوجتي وهي تنزف ، لا أريد أن أفقد ابني "
فقال بسخرية :
"لماذا تسعون لما لا طاقة لكم به "
فهمست ليلى في أذني بصوت خافت :
" لقد فات الأوان يا مالك .. "
بعدها أكملت طريقي وأنا أبكي وأطلب من ليلى أن تتحمل …
وصلنا بعدها إلى المركز الصحي ، فتدخلت إحدى الممرضات وأخذت ليلى إلى إحدى الغرف كي يفحصها الطبيب.
بقيت أنتظر قرب باب المركز إلى أن حل الصباح ، خرجت إحدى الممرضات بوجه بائس وقالت:
"لقد مات الطفل يا سيدي وزوجتك في حالة ضعيفة لأنها فقدت الكثير من الدم ، وأدعو الله أن يرزقكم مولوداً جديداً "
مرت الأيام وبدأت حالة ليلى تتحسن بعض الشيء ، أما أنا فكنت أطيل البقاء خارج البيت كي لا أقابل وجهها البائس والحزين .
بعد فقدان طفلنا الأول لم أعد كما كنت، شيء في داخلي انكسر ولم أجد وسيلة لإصلاحه ، كان الصمت يسود في البيت وكأنه مهجور ، يقطعه بكاء ليلى أحياناً ، لم تكن تبكي أمامي كثيراً لكنها كانت تبكي في نومها ، كنت أسمع أنينها مكتوماً وأراها تمسك وسادتها بقوة .
أما أنا فقد كنت أبقى مستيقظاً ..أعد أنفاسها ، وأبكي في صمت دون أن تراني .
كل شيء تغير حتى الناس الذين هنّأونا بالحمل ، صاروا يمرّون أمامنا دون أن ينظروا في أعيننا.
كنت أقف أحياناً عند غرفة الطفل ، التي لم ندخلها منذ ذلك اليوم .
أنظر إلى السرير الخشبي الذي صنعته بيدي ، وأتخيّل ظلّ صغير يتمدد فيه…
كنت أحاول أن أبدو قوياً أمام ليلى، أن أقول لها كلاماً يطمئنها …
لكن الحقيقة ؟
كنت أحسد حتى العصافير على صغارها ، وأتجنب المارة حين أرى طفلاً في حضن أمه.
وفي كل مساء كنت أجلس خلف بيتنا تحت شجرة عالية أتأمل أغصانها وأصغي إلى صوت أوراقها نتيجة تحركها بفعل الرياح، ثم أقول لنفسي : " سنحاول من جديد…."