NOVELFLEX

صرخة طفل

وادي الظلال · بقلم Yassine

رفع مالك رأسه، وعينه تمتلئ بحزن عميق :

" خذها…"

في تلك اللحظة صرخت ليلى صرخة أقوى من ذي قبل وضعت يدها تحتها ، وشعرت بأن اللحظة قد حانت وأنها على وشك الولادة.

داخل الكوخ اقترب الساحر من مالك .

قال بهدوء :

"بمجرد أن تفقدها لن ترى النور مرة أخرى."

أجاب مالك بصوت خافت :

"يكفي أن يعرف أطفالي النور"

ابتسم الساحر ابتسامة شريرة مع ظهور أسنانه ذات البقع السوداء،

فوضع أصابعه ذات الأظافر الطويلة بمادة لزجة ثم وجهها نحو عين مالك.

في البيت تعالت صرخات ليلى وازداد العرق على وجهها وتسارعت أنفاسها وهي تضغط على بطنها وتصرخ بكل قوتها وفجأة ساد الصمت في المكان حتى تعالت صرخات طفل في الأرجاء .

فتحت عينيها بصعوبة ، ودموعها تختلط بابتسامة ضعيفة وهمست :

"طفلي.."

لكن الألم لم ينته بعد.

صرخت مرة أخرى ، وكأن موجة جديدة قد بدأت .

في الكوخ سقط مالك على ركبتيه ، ويده تتحسس وجهه في ظلام مطلق .

في البيت ، وبعد لحظات من الألم انبعث صوت بكاء ثانٍ أضعف لكنه واضح.

نظرت ليلى أمامها وابتسمت رغم تعبها، وقالت بصوت بالكاد يسمع:

"اثنان.."

مدّت يدها المرتجفة نحوهما، وضمت طفلين صغيرين إلى صدرها وأغمضت عينيها من شدة التعب.

وفي نفس اللحظة خارج الكوخ هبّت رياح خفيفة كأنها تحمل خبراً بعيداً.

رفع مالك رأسه في الظلام وابتسم وقال :

"لقد وصلتما…."

عاد مالك مع انبلاج الفجر، خطواته بطيئة ومترددة وعصاه تضرب الأرض برفق، كان الصمت يحيط به وكان من الصعب عليه العودة إلى البيت وهو فاقد لبصره لكن هذه الطريق الذي سلك منذ أول مرة لن ينساها مهما حيا.

توقف أمام البيت ويده ترتجف وهو يتحسس الخشب، كأنه يودّ لو يؤجل هذه اللحظة قليلاً…لحظة لن يرى فيها ما انتظره طوال عمره.

في الداخل كانت ليلى مستلقية شاحبة الوجه لكنها تحتضن طفلين صغيرين بين ذراعيها ، رفعت رأسها حين سمعت الصوت، وعندما رأته…تجمّدت.

اقتربت منه ببطء وعيناها تمتلئان بالدموع ، وهمست:

"مالك…؟"

رفع رأسه نحو صوتها كأنه يتشبث به في هذا الظلام الأبدي، وقال بصوت هادئ يخفي انكسراه :

"ليلى..هل…هل هما بخير؟"

قالت بتساؤل :

" هما…؟ كيف عرفت..؟"

"ليس مهم كيف عرفت… المهم هو هل هما على ما يرام ؟"

انهمرت دموعها ، واقتربت حتى صارت أمامه تماماً ، ثم قالت بصوت مبحوح :

"نعم…هما بخير"

مدّ يديه أمامه بتردد، يبحث في الفراغ، وقال بصوت يكاد ينكسر :

"أيمكنني …لمسهما ؟"

أجهشت ليلى بالبكاء ثم أخذت الطفلين برفق، وضعت الصغيرة أولاً بين ذراعيه.

تجمدّ للحظة … ثم احتضنها بحذر شديد وكأنها شيئ مقدس قد ينكسر. مرّر يده على وجهها الصغير يتحسس ملامحها بأصابعه المرتجفة ودموعه تنزل بصمت .

همس:

" هذه ابنتي ؟"

أجابت ليلى وهي تبكي :

"نعم"

ابتسم لكنه كان موجوعاً، ثم قال :

" كنت أتمنى أن أرى عينيها. "

أعادها إليها ، ومدّ يديه من جديد، فوضعت ليلى الطفل الثاني بين ذراعيه.

احتضنه بقوة هذه المرة ، وكأنه يخشى أن يضيع منه ثم قال بصوت مكسور:

"وهذا ابني ؟"

"نعم"

أغمض عينه الفارغتين ، وكأنه يحاول أن يراه بقلبه ، ثم قال :

"كنت أريد أن أكون أول من ينظر إليه…أن أحفظ ملامحه…أن أرى ابتسامته.."

اختنق صوته وتوقّف للحظة قبل أن يهمس :

"لكن..يبدو أن بعض الأحلام تُدفع ثمناً لتتحقق."

جلست ليلى أمامه تبكي بصمت ثم قالت :

"لماذا فعلت هذا بنفسك يا مالك؟ كان من الممكن أن نعيش حتى بدون أطفال…"

هزّ رأسه ببطء وقال بصوت عميق مليء بالصدق :

"لم أضحّ لأجل طفل فقط …بل لأجلكِ أنتِ."

صمت للحظة ثم تابع :

"كنتُ أراكِ تموتين كل يوم وأنتِ تحلمين أن تصبحي أمًا.. ولم أستطيع أن أقف متفرجاً."

ارتجفت ليلى وهي تنظر إليه فقالت :

" نِعْمَ الزوج ، زوج لم يترك زوجته رغم عدم إنجابها عدة مرات ، ويضحي من أجلها ومن أجل أطفاله ، كن على يقين يا مالك بأنني سأظل أحبك إلى آخر يوم في حياتي."

فقال :

" إن كان عليّ أن أعيش في ظلام …مقابل أن أراكِ تبتسمين مرة واحدة بصدق…فذلك ليس ثمناً."