ما بين البحث والانهيار الصامت
بعد أن هدأت الأجواء قليلاً، جلس إلسيان في مكتبه صباح اليوم التالي، والملف الذي وجده في الغرفة المهجورة لا يزال مفتوحاً أمامه، حين تذكر فجأة شيئاً كان قد أهمله وسط فوضى الهجوم.
"الخريطة،" قال لنفسه، ثم نهض بسرعة ليجد إلينا في الصالة المجاورة.
"إلينا، أعتقد أن هذا الملف مرتبط مباشرة بموقع بقايا الخريطة الذي أخبرني عنه صديق والدك. يجب أن نتابع البحث اليوم."
نظرت إلينا نحو غرفة سيلين بقلق: "لكن سيلين—"
"أعرف،" قاطعها بلطف، "ولهذا بالضبط سنذهب أنا وأنتِ وحدنا. سيلين تحتاج للراحة والهدوء الآن، لا لرحلة بحث متوترة أخرى. كايدن سيبقى معها، وأنطونيو سيعتني بهما كلاهما."
أومأت إلينا موافقة، وإن كان قلبها لا يزال معلّقاً بصديقتها.
بقي كايدن جالساً بجانب سيلين طوال الصباح، يمسك يدها بصمت أحياناً، وأحياناً أخرى يحاول انتزاع ابتسامة منها بنكتة خفيفة لم تنجح دائماً في كسر ثقل الصمت المحيط بها.
دخل أنطونيو بصينية شاي عشبي دافئ، ونظر إليهما بحنان أبوي حقيقي: "هذا يساعد على الاسترخاء، سيدتي. صنعته بنفسي، وصفة قديمة من جدتي."
ابتسمت سيلين بضعف، لكنها ابتسامة صادقة هذه المرة: "شكراً لك، أنطونيو."
جلس الرجل المسن على كرسي قريب، ونظر إليها بعينين حكيمتين: "أتعلمين، الكوابيس التي تلاحقنا من الماضي لا تختفي بالتجاهل، بل بمواجهتها ببطء، مع من نثق بهم. لست مضطرة لإخبارنا كل شيء الآن، لكن اعلمي أن هذا البيت، كل من فيه، أصبح يهتم بك حقاً."
شعرت سيلين بدمعة تنساب دون قصد، ومسحها كايدن برفق بإبهامه، دون أن يقول كلمة، فقط حضوره كان كافياً.
لكن وسط هذا الدفء، شعر كايدن أحياناً بنظرة أنطونيو تحمل شيئاً آخر، حزناً غامضاً عميقاً حين ينظر لسيلين أحياناً، كأنه يتذكر شخصاً آخر مرّ بألمٍ مشابه في حياته الخاصة، لكنه لم يفصح عن شيء، فقط ابتسامة حزينة عابرة قبل أن يغادر الغرفة بصمت.
في جناحها، وقفت فيولا وحيدة أمام نافذتها، تراقب إلسيان وإلينا وهما يغادران القصر معاً نحو سيارة تنتظرهما، ضحكة خافتة تصل إليها من بعيد بينما كان إلسيان يفتح لها الباب بلطف واضح.
شيء في داخلها انكسر نهائياً في تلك اللحظة، آخر بقايا التردد الذي شعرت به سابقاً تجاه الخطة، تلاشت تماماً، لتحل محلها عزيمة باردة جديدة.
"لن أتوقف عند إلينا وحدها،" همست لنفسها، صوتها هادئ بشكل مخيف، "سأدمرهم جميعاً، واحداً تلو الآخر، ببطء، حتى لا يبقى من هذه السعادة المزيفة شيء. إلسيان سيتعلم أخيراً أن بعض الأشياء التي تُترك خلفها لعشر سنوات، لا تُنسى، ولا تُسامح."
جلست أمام مرآتها، وابتسمت لانعكاسها ابتسامة لم تحمل أي دفء بشري متبقٍ فيها: "وستبدأ اللعبة الحقيقية اليوم."