عام على الشاطئ الآخر
بعد عام، لم يعرف أحد في العالم القديم إلا اسماً واحداً يتردد بإجلال وخوف: إلينا روسّاتي، سيدة مجلس القرابة.
تولت قيادة رافين إلى جانب زوجها، لا كأميرة ملكية تتزين بالسلطة، بل كقاضية صارمة وعادلة، تجلس في المجلس كل أسبوع، تستمع للشكاوى بهدوء، وتحكم بين المتخاصمين بحكمة ورثتها من والدتها. أعادت لمئات العائلات حقوقها المسلوبة، وفتحت أرشيف المجلس السري ليُعاد توزيع أمواله على من ظُلموا، وألغت قانون الغراب القديم للأبد، لأنها لم تعد تقبل ببقاء قسوة كهذه في عالم ورثته.
وفي المساء، حين ينام القصر، كانت تجلس عند نافذة مكتبها، تكتب. كتبت قصتها كلها: الليلة التي أنقذت فيها غريباً جريحاً في الظلام، رحلتها عبر المدن والخيانات والحب والدم، فقدان من فقدت، ومن وجدته. ظهر كتابها الأول تحت اسم "حين يبتلع الليل"، وصار في أشهر قليلة أكثر الروايات رواجاً في أوروبا، يقرأه الناس دون أن يعرفوا أنه ليس خيالاً كله.
وكانت أول صفحة في الكتاب إهداءً بسيطاً: "إلى سيلين، التي رسمت كل مشهد قبل أن أكتبه."
أما سيلين، فقد أقامت أول معرض فني لها في ميلانو، لوحات ضخمة من الظلام والضوء، من الحدائق والدماء والبحار والجبال والوجوه. لم يعرف زوّار المعرض أن كل لوحة منها ذكرى حقيقية، لكنهم وقفوا أمامها طويلاً، صامتين، يشعرون أنهم يعرفون شيئاً لا يستطيعون تسميته.
ثم، بعد أن اكتشف المجلس موهبتها في ربط الأدلة وفك الرموز، أسندت إليها إلينا رئاسة وحدة خاصة، فصارت سيلين محققة ألغاز لا مثيل لها، تفك الخرائط المعقدة والشفرات القديمة، وتكشف أسراراً دفنتها قرون. وكانت تقول دائماً بمرح: "لقد فككتُ خريطتي الشخصية أخيراً، وبعدها كل شيء سهل."
وصار كايدن أعلى قائد في مجلس التجنيد، يدرّب شباب العائلات القديمة على الشرف والولاء لا على القتل، ويعلّمهم أن القوة الحقيقية هي في من تحميه، لا في من تقهره. ولم تفارقه خفة روحه أبداً، فكان الجميع يضحكون حين يدخل المجلس بنكتة جديدة لا تناسب المناسبة إطلاقاً.