NOVELFLEX

رماد على أسفلت المطر.

العينة 09 · بقلم Tallinn

كان السكون المميّز للقاعة المصفحة رقم 09 لا يشبه أيّ سكونٍ مألوف في هذا العالم لم يكن صمتاً يعقُب النّوم، بل كان خنقاً تشعر به الرئتان قبل أن تدركه الأذنان. صمتاً ثقيلاً كأنّه صخرة تسقط على الصدر، أشدّ قسوةً وأنفذ أثراً من الصراخ نفسه.

كانت "العينة 09"التي لم يجرؤ أحدٌ على مناداتها بـ "ميا" إلا فتاة واحدة في هذا العالم مستلقيةً على طاولة معدنية شديدة البرودة. كانت القيود المصنوعة من الصلب المعزز تلتفّ حول معصميها الكحيليْن، وعناني ساقيها، كأنها أفعى فلزية ترفض أن تدعها تتنفس. الأنابيب الدقيقة الممتدة من الأجهزة المجاورة كانت مغروسةً في أوردتها، تنقلُ عبرها سوائل فوسفورية ذات ألوان مريبة، تلمعُ في الظلام كأغصانٍ طفيلية تمتصّ الحياة لتغرس مكانها سموم الخوف والقدرة.

كل إيقاع في الغرفة كان مدروساً بمقاييس دقيقة الأنوار البيضاء الخافتة المعلقة في السقف الشاهق ترمش في فترات منتظمة، متزامنة مع شاشات رصد النبض التي ترسم خطوطاً بيانية خضراء. كلّ شيء هنا ينطق بالبرود التنظيمي لـ "منظمة الظلال"، المكان الذي أُسس ليجرد الكائنات البشرية من أسمائها، ويحولها إلى أدوات صامتة.

على الجانب الآخر من الزجاج المضاد للرصاص لذي يبلغ سمكه ثلاثين سنتيمتر كانت "إيلينا" تقف متصلبة. يداها الملتصقتان بالسطح الزجاجي البارد كانتا ترتجفان بشكل لا يمكن ضبطه. والدموع الحارقة، التي طالما حاولت كتمانها كي لا تراها الأعين الآلية، كانت تتجمع في عينيها لتغطي رؤيتها بضبابة ضبابية.

كانت تراقب صديقتها الوحيدة. الفتاة التي تقاسمت معها كسرة الخبز الخافية ليلاً تحت الأسرة الحديدية الخشنة، والتي تحمّلت معها ساعات العزل المظلمة حين كانت أجسادهما الصغيرة تعجز عن تحمّل الجرعات الكيميائية. كانت ميا تتلوى حسرةً تحت وطأة التجارب، وكان صدرها يعلو ويهبط بألمٍ صامتٍ لا يجد مساراً للخروج.

عصفت ذكرى خاطفة بذهن إيلينا وهي تحدق في ميا؛ ذكرى ليلة شتوية قبل عامين، حين كانتا تصغيان إلى صرير الأبواب الحديدية الخارجية.

"أتظنين أن هناك شائباً خارج هذه الجدران يا ميا؟" همست إيلينا يومها، بصوت يرتجف خوفاً من الحراس.

ردّت ميا، وعيناها مثبتتان على السقف الخرساني: "يقولون إن هناك مطراً يسقط من السماء مباشرةً، دون أن تمرره أنابيب التبريد... ويقولون إن السماء لا سقف لها."

"سماء بلا سقف؟ كيف لا تسقط علينا إذن؟"

"لا أعرف يا إيلينا... لكن عندما نخرج من هنا، سنقف تحتها معاً، حتى لو أحرقتنا."

لكن السماء الليلة لم تكن سوى أجهزة مراقبة ورشاشات غاز مثبّتة في الزوايا، والسقف كان على وشك أن ينهار على رأسيْهما.

فجأة، تغير إيقاع الأجهزة.

صوت النبضات المتزن تصاعد إلى نغمة حادة، ثاقبة، تشبه صرير المعدن حين يُسحق تحت ضغطٍ هائل. الخط الأخضر على الشاشة الرأسية تحول إلى متعرجات جنونية، ارتفعت الضغوط العصبية داخل القشرة المخية لميا إلى مستويات تجاوزت الخانات القياسية للقياس.

انطفأ الضوء الأبيض الدائم في القاعة كلياً. وفي جزء من الثانية، حلّ محله وميض أحمر دوّار، مترافقاً مع صفارات إنذار صاخبة أطلقت صرخاتها عبر مكبرات الصوت المثبتة في الزوايا، تحذر من أن العينة 09 تتجاوز حد الاستقرار العاطفي ومستوى الطاقة العقلية يتجاوز الحدود الأمنية مع خطر انهيار المستوى الهيكلي.

بدأت الأنابيب الفوسفورية الموصولة بأوردة ميا ترتجف بشدة، ثم انفجرت واحدة تلو الأخرى، لتنثر السائل الوهّاج على الجدران وعلى ثوبها الأبيض. القيود الصلبة التي كانت تثبت معصميها بدأت تتلوى وتتغير أشكالها، وكأن يداً خفية تعصرها بقوة غير مرئية.

كانت طاقة ميا العقلية الفائقة تلك القوة التي أنفقت منظمة الظلال سنوات في محاولة تهذيبها وكبحها بالسلاسل والأدوية تتحرر دفعة واحدة. لم تكن مجرد طاقة ذهنية، بل تحولت إلى موجة كهرومغناطيسية وميكانيكية تسحق المادة الجسدية حولها.

انطلقت موجة صدمة غير مرئية من مركز الطاولة المعدنية.

وفي اللحظة التالية، انشطر لوح الزجاج المصفح الفاصل بين الغرفتين إلى ملايين الشظايا الكريستالية التي تطايرت كالشفرات الحادة في الهواء. انهارت القواطع الخرسانية وكأنها كرتون مقوّى، ورُفعت الأجهزة الطبية الضخمة التي تزن مئات الكيلوغرامات لتطير في الفراغ وتصطدم بالسقف والأرضية.

انفجرت المصابيح والأجهزة الإلكترونية واحداً تلو الآخر، مصدِرةً شرارات نارية كثيفة. استحال المكان إلى ظلامٍ دامس، لا يضيئه سوى الأحمر الدوّار لإنذار الطوارئ وشرارات الأسلاك المحترقة.

في وسط هذا الركام المشتعل، كانت ميا تجلس على بقايا الطاولة المكسورة. كان شعرها الأسود يتطاير نحو الأعلى حاملاً إياه مجال طاقي محيط بها، وعيناها لم تعد بهما تلك النظرة التائهة الخائفة، بل كانت تُشعّان بنور أرجواني كثيف يخفي الحدقتين بالكامل.

خرجت من أعماق حنجرتها صرخة... لم تكن صرخة غضب مدروسة، بل صرخة ممزقة للقلوب، صرخة تختزل سنوات الحرمان، والطعنات الطبية، والقيود التي أكلت لحم معصميها. صرخة تسببت في إحداث هزات أرضية موضعية جعلت الأرضية الخرسانية تتشقق تحت أقدام الجميع.

ركضت إيلينا وسط عاصفة الغبار والشرارات المتطايرة. كان الهواء محتجزاً بالدخان الكثيف ورائحة الأوزون المحترق. كانت تتطوح، ترتطم بكتل الخرسانة المكسورة، والدموع الممزوجة بالرماد تجري على وجنتيها.

"ميا! أرجوكِ اسمعيني!" صرخت إيلينا، وجسدها الصغير يرتجف أمام قوة الضغط الهوائي الناجم عن طاقة صديقتها. "هذا أنا... إيلينا! أوقفي هذا قبل أن تمزقكِ طاقتكِ من الداخل!"

التفتت ميا نحو الصوت ببطء. لكن نظرتها كانت فارغة، تائهة، وكأن روحها قد ابتعدت عن جسدها وحلت محلها القوة المجردة. لم تكن ترى إيلينا، بل كانت ترى أشباح المختبر وحراسه الذين استبدلوا إنسانيتها بأرقام. رفعت يدها المرتجفة نحو الفراغ، فانطلقت موجة ضغط أخرى جعلت الهيكل السقفي للمبنى يتداعى.

وفجأة، مع صوت صرير مرعب، انهار السقف الممتد فوق القاعة الفاصلة بينهما.

سقطت كتلة خرسانية ضخمة مدعمة بقضبان الحديد بين الفتاتين، محدثةً انفجاراً غبارياً حجب الرؤية كلياً. انقذفت إيلينا إلى الخلف بفعل قوة العصف، ليرتطم رأسها وجسدها بالجدار الخلفي المتبقي. سقطت على الأرضية الباردة، وغرقت في ظلام الغيبوبة فوراً دون أن تتمكن من النطق بكلمة أخرى.

على الجانب الآخر من السقف المنهار، كانت ميا تتنفس بصعوبة. طاقاتها بدأت تستنزف آخر أرماد جسدها، وتتركها خاوية. تعثرت في خطواتها وسط الدخان المتصاعد، تجر قدميها الحافيتين فوق الشظايا والنيران المشتعلة، متجهةً دون وعي نحو المخرج المفتوح الذي تحطمت أبوابه الصلبة.

خرجت ميا إلى الفناء الخارجي للمختبر. كانت السماء في الأعلى تمطر بغزارة؛ مطر ليلٍ مظلم يغسل أطلال المبنى المحترق. سقطت ميا على ركبتيها عند عتبة البوابة الخارجية المفتوحة على الخلاء. المطر البارد يرتطم بوجهها وامتزج بدماء جروحها والرماد الملتصق بجلدها.

وفجأة... سكن الضجيج.

لم يعد يُسمع في المكان سوى حفيف المطر الشديد وهو يرتطم بالأسفلت المبتل، وصدى خطوات منتظمة وثابتة تقترب ببطء شديد فوق المياه المتجمعة.

رفعت ميا رأسها ببطء ثقيل. كانت رؤيتها تتغشى، لكنها استطاعت أن تميز ظلاً أطول من بقية الظلال؛ امرأة ترتدي معطفاً أسود فاخراً، تقف بثبات رغم العاصفة، وتحمل في يدها مظلة سوداء يقطر منها الماء.

كانت "فيكتوريا"، رئيسة منظمة الظلال.

لم تكن ملامح فيكتوريا تحمل أيّ ذرة خوف أو غضب كانت عيناها الجليديتان تتأملان ميا بنفس البرود الذي تتأمل به مهندسةٌ قطعة معدنية أثبتت عدم صلاحيتها للاستخدام.

اقتربت فيكتوريا بخطوات هادئة حتى جثت على ركبة واحدة أمام الفتاة المنهارة. سحبت من جيب معطفها الداخلي حقنة معدنية ذات تصميم طبي معقد، ينتهي رأسها بشريحة دقيقة وسلسلة من أجهزة الاستشعار العصبية. كان السائل داخل الحقنة يلمع بلون ذهبي غامق.

رفعت فيكتوريا ذقن ميا بأصابعها المكسوة بقفاز جلدي بارد، وقالت بصوت منخفض، خالٍ من أي نبرة انفعالية:

"كنتِ التحفة الأجمل في هذا المشروع يا ميا... لكن القوة التي لا خضوع لها ليست سوى خردة خطيرة يجب التخلص منها أو إعادة ضبطها."

قبل أن تتمكن ميا من الحركة أو استدعاء أي شرارة من طاقتها المستنزفة، غرست فيكتوريا الإبرة بقوة في جانب رقبتها.

سرى السائل الذهبي في أوردة ميا كالثلج المذاب. شعرت أطرافها بالثقل الكامل، وشلّت حركتها تماماً. ثم قامت فيكتوريا بضغط الزر الخلفي للحقنة، فتفعّلت الشريحة العصبية المسؤولة عن مسح الذاكرة.

في تلك اللحظة، لم تشعر ميا بألم جسدي، بل شعرت بشيء يُمزّق في جوهر روحها.

بدأت صور ماضيها تتلاشى قطعة بعد قطعة ضحكاتها الخافضة مع إيلينا تحت الأغطية، الوعود الصغيرة التي تبادلتها الفتاتان، الألم المشترك، اسم إيلينا، وحتى اسمها هي... كل ذلك كان يذوب ويختفي كأن لم يكن، كالحبر الذي يمحوه المطر عن ورقة قديمة.

حاولت ميا أن تمسك بآخر خيط من ذكرياتها، أن تحفظ الشكل الأخير لوجه صديقتها، وخرجت من بين شفتيها همسة ضعيفة، أخيرة قبل الغياب التام:

"إيليـ...ـنا..."

لكن الشريحة أتمت عملها بوميض خافت. أغلقت ميا عينيها، وهوت فاقدة للوعي والذاكرة والهوية.

التفتت فيكتوريا ببرود نحو رجل ضخم ينظر من خلف سيارة مصفحة سوداء متوقفة في الظل. أومأت له برأسها، فتقدم وسحب جسد ميا المغمى عليه ورماه في المقعد الخلفي للسيارة.

ثم سحبت فيكتوريا من صندوق معدني محمول جثة بديلة متفحمة أعدت سابقاً لهذا الغرض، ووضعتها في نفس البقعة التي انهارت فيها ميا عند البوابة. أفرغت عليها قارورة كيميائية تحلّ المادة الوراثية وتُظهر الجثة وكأن أصحابها قد احترقوا كلياً بفعل طاقة عقلية ذاتية الانفجار.

قالت فيكتوريا للرجل وهي تمسح القفاز بقطعة قماش:

"الآن سيظن أيّ زائر متطفل أن العينة 09 قد احترقت بفعل طاقتها ولم يتبقَ منها سوى الرماد... خذوها فوراً إلى العائلة التي اشترتها عند المشارف البعيدة."

انطلقت السيارة السوداء عبر المطر المتساقط، محتضنة ميا الحية، ومخفية أثرها عن العالم للأبد.

بعد مرور ساعتين على انقضاء الانفجار، كانت المطر قد خفت حدتها لتتحول إلى رذاذ ناعم يختلط مع أشتات الدخان الأسود المتصاعد من هيكل المختبر المحترق.

من بين الأشجار المحيطة بالمبنى المنهار، ظهرت ظلال حاسمة تتحرك بسرعة ونظام. لم تكن تلك قوات تابعة لمنظمة الظلال، بل كانوا أفراد منظمة "الفجر الأسود" المنظمة السرية التي كرست وجودها منذ عقود لملاحقة المنظمات المظلمة، وإنقاذ الأطفال الحاملين للمواهب والقدرات الخارقة من الاستغلال والتحويل إلى أسلحة بشرية.

في مقدمة الفرقة، كانت تقف "لورينا"، رئيسة منظمة الفجر الأسود. امرأة في الأثلاثنيات من عمرها، تحمل ملامح صارمة صقلتها سنوات الحرب الخفية، لكن عينيها تحويان نبرة حزن عميق لكل حقيقة أدركتها متأخرة.

وإلى جوارها مباشرة، كانت تقف "فاليريا"صديقتها الأقرب، والساعد الأيمن في قيادة المنظمة. كانت فاليريا تتنفس بسرعة، وعيناها تتفحصان الركام بلهفة مجنونة. لم تكن هناك بصفة قائدة فقط، بل بصفتها أمّاً. أمّاً أُخذت منها طفلتها الرضيعة "إيلينا" قبل سنوات طويلة في هجوم غادر لمنظمة الظلال، وظلت تبحث عنها في كل أرشيف ومختبر سري تصله يد المنظمة.

"افحصوا القطاعات السفلية فوراً،" أمرت لورينا وهي ترفع جهاز الكشف الكهرومغناطيسي. "التقطنا طفرة طاقية هائلة قبل ساعتين، المكان تم إخلاؤه أو تدميره بالكامل."

تحركت فاليريا بين أهرامات الخرسانة المكسورة، أقدامها ترتطم بالحديد الملتوي والأوراق الطبية المحترقة. كان قلبها يخفق بإيقاع مضطرب، يدفعه حدس لا يُخطئ.

وفجأة، توقفت فاليريا. اتسعت عينها.

"لورينا... تعالَي إلى هنا! فوراً!" خرج الصوت من حنجرتها خافتاً، ممزقاً، يختنق بدموع حبست لسنوات.

على بعد أمتار قليلة، وتحت الجزء السقفي المنهار الذي فصل الغرفتين سابقاً، كانت هناك جثة صغيرة متكورة على نفسها في غيبوبة تامة. كانت الفتاة قد سقطت في أثر العصف الأول المباشر.

جثت فاليريا على ركبتيها فوق الركام الخشن دون أن تهتم بالزجاج الذي جرح ثيابها. رفعت رأس الفتاة المغمى عليها بين يديها ببراعة حنونة ورعشة لا تتوقف. مسحت الرماد عن الجبهة الصغيرة.

"إيلينا..." همست فاليريا، والدموع تنهمر بغزارة من عينيها لتغسل الرماد عن وجه ابنتها. "لقد وجدتكِ يا صغيرتي... أعدكِ أنني لن أدعهم يلمسونكِ مجدداً."

اقتربت لورينا بخطوات ثقيلة، وشاهدت المشهد بأسى. لكن عينيها التقطتا شيئاً آخر عند البوابة الخارجية للمختبر؛ بقايا جثة متفحمة كلياً، تحيط بها أثار تتشابه مع انفجارات الطاقة العقلية الفائقة.

تقدمت لورينا ونحصت البقايا المتفحمة برفق، ثم هزت رأسها بحزن عميق ورجعت نحو فاليريا:

"العينة 09... يبدو أن طاقتها قد تجاوزت حدود جسدها وانفجرت كلياً. لم يتبقَ منها سوى هذا الرماد."

لم تكن لورينا ولا فاليريا يعلمان أن هذه الجثة لم تكن سوى خدعة متقنة صنعتها فيكتوريا لقطع أيّ أمل في البحث عن ميا.

نظرت فاليريا إلى وجه إيلينا الشاحب، واحتضنت جسدها الضعيف نحو صدرها كما يُحمل الزجاج المكسور، وقالت وهي تشد عليها:

"ماتت صديقتها الوحيدة هنا... وشاهدت هذا الجحيم بنفسها. يجب أن نأخذها فوراً يا لورينا، يجب أن أكون معها حين تستيقظ."

أومأت لورينا للفريق بالانسحاب السريع، وحملوا إيلينا نحو المروحية الطبية التابعة لمنظمة "الفجر الأسود" التي كانت تنتظر في مرجة مجاورة.

داخل المروحية، وفي وقت لاحق داخل وحدة العناية المركزة التابعة لمقر منظمة "الفجر الأسود"، كان الجو مختلفاً تماماً عن جحيم المختبر.

كانت الغرفة الطبية معقمة، تضيئها أنوار دافئة ومريحة. الأجهزة المحيطة بالسرير الأبيض تهمس بنغمات منتظمة تُعلن استقرار النبض والضغط الشرياني لإيلينا. تمّ تنظيف جروحها وضماد يديها ووجهها، ووُصلت بأنابيب مغذية ناعمة.

كانت فاليريا تجلس على كرسي بجانب السرير، لا تفارق يد ابنتها الصغيرة. كانت تتأمل تفاصيل وجهها، وتبحث عن السنوات التي أضاعتها المنظمة الظالمة منهما.

تحركت جفون إيلينا ببطء. سكنت أجهزة الرصد لثوانٍ قبل أن تتسارع نبضاتها قليلاً.

فتحت إيلينا عينيها. لم تكن الرؤية واضحة؛ بل كانت تسبح في غيم من أثر المخدر الطبي والألم النفسي العميق. نظرت إلى السقف الأبيض الغريب، ثم التفتت حدقتاها ببطء نحو المرأة الجالسة بجوارها.

لم تسأل إيلينا عن المكان، ولم تسأل من تكون هذه المرأة، ولا عن النور الدافئ حولها. بل خرج صوتها خافتاً، مكسوراً، كهمسة غريق يصارع أنفاسه الأخيرة:

"أين... ميا؟"

انعقدت غصة حادة في حلق فاليريا. لم تتكلم؛ إذ لم تكن تملك الشجاعة لتلقي بخراب الحقيقة المزيّفة على مسامع طفلة استيقظت للتو من الجحيم. اكتفت بمسح شعر إيلينا ببرود حنون والدموع تترقرق في عينيها.

قبل أن تتمكن إيلينا من استيعاب الصمت، أثقلت أدوية التهدئة جفنيها مجدداً، لتهوي رأسها جانبًا وتستسلم للظلام ولغيبوبة شفائية جديدة.

شدت فاليريا على يد ابنتها الصغيرة الممتلئة بالجروح، ونظرت عبر زجاج النافذة نحو الليل المظلم، متعهدة في سرها بأن تكون معها وسنداً لها لحمايتها ومسح منظمة الظلال من هذا العالم.

بينما في الطرف الآخر من العالم، وفي مركبة سوداء تخترق طرقات غير معبدة نحو نزل عائلة غريبة ، كانت ميا تجلس في الظلام عينان فارغتان، وروح مكسورة، وذاكرة بيضاء لا تحمل حسرة ولا حباً.

غارقاً في بياضٍ مطلقٍ وموحش، كان الهواء في الغرفة الطبية المعقمة داخل مقر منظمة "الفجر الأسود" يحمل رائحة المطهّرات الكيميائية والأوزون النقي. لا أثر هنا لرائحة الرطوبة أو الأسفلت المحترق أو الدماء الزكية التي ألفَتها إيلينا طوال سنوات احتجازها في القاع المظلم لمنظمة "الظلال".

استيقظت إيلينا ببطء شديد. كانت حدقتاها الرماديتان تتحركان تحت الجفون الثقيلة كأنما تزيحان جبالاً من المخدر الطبي والإنهاك النفسي. خفق قلبها بنبضات متسارعة أحدثت طنيناً منتظماً في أجهزة الرصد الموصولة بجسدها النحيل. مرت دقائق وهي تحدق في السقف الأبيض الناصع، سقفٍ أملس بلا صفائح معدنية، وبلا رشاشات غاز صامتة، وبلا كاميرات مراقبة ذات أضواء حمراء ترمش بالتهديد.

لكن هذا النقاء المفرط لم يمنحها الشعور بالأمان؛ بل كان يثير في أعماقها رعباً من نوع آخر... رعب الشك.

حاولت أن تحرك يدها اليمنى، فشعرت بضمادة طبية مشدودة بعناية حول معصمها، وبأنبوب تغذية دقيق يتغلغل في أوردتها. التفتت برأسها الشاحب على الوسادة الحريرية الناعمة، فتوقفت حدقتاها عند زاوية الغرفة.

كان هناك شخصان يقفان بالقرب من النافذة الزجاجية الكبيرة التي تُطل على غابة من الأشجار الصنوبرية الشاهقة.

المرأة—التي عرفت إيلينا لاحقاً أن اسمها "فاليريا"—كانت ساحرة الجمال بملامح أرستقراطية دقيقة؛ وجهها بيضاوي ناعم ذو بشرة صافية كالعاج، وعينان رماديتان واسعتان تحيط بهما رموش كثيفة تضفي عليهما غموضاً وجاذبية ساحرة، وأنف دقيق مستقيم يعلو شفتين ممتلئتين بجمال طبيعي يخطف الأبصار. كان شعرها الأسود الحريري ينساب بموجات ناعمة على كتفيها، وترتدي ثوباً أسود داكناً مصمماً من القماش الثقيل المعزز، بياقة مرتفعة تحمي العنق، ويعلوه معطف ميداني طويل كحلي اللون ذو حواف جلدية متينة وأزرار فضية طفيفة البريق.

أما الرجل الجالس بجوارها على مقعد خشب الصنوبر، فقد كان يُدعى "دانيال". رجل ينضح بجمال رجولي مهيب ووسامة فائقة؛ فكه بارز وعريض يمنحه طابعاً قيادياً حاسماً، وبشرته حنطية دافئة تتخللها ندبة صغيرة خفيفة عند عظمة الخد تزيد وجهه جاذبية وغموضاً. كانت له عينان عسليتان عميقتان بدفء أثيري، ونظرات ثاقبة تحبس الأنفاس. كان بكتفين عريضين، يرتدي سترة جلدية بنيّة داكنة ذات بطانة صوفية دافئة وقميصاً قطنياً رمادياً بسحاب أمامي.

أصدر جهاز النبض صفيرة متسارعة حين تحركت إيلينا في جلستها.

التفت الاثنان فوراً. سارعت فاليريا بالاقتراب بخطوات خفيفة ولكنها مشحونة بلهفة مكتومة، بينما تبعها دانيال بثبات، وعيناه تفحصان العلامات الحيوية للطفلة الشاحبة.

جلست إيلينا بصعوبة، متجاهلة الآلام المبرحة التي تسري في قفصها الصدري وركبتيها الجريحتين. تمسكت باللحاف الأبيض، وخرجت أول كلمة من حنجرتها الجافة حادة، مكسورة، ومحملة بوجعٍ يخالطه الرجاء:

"أين... ميا؟"

لم تستفسر إيلينا عن المكان الذي وُجدت فيه، ولا عن سبب غياب الأغلال الفولاذية عن معصميها، ولا عن هويتيهما. كل ما كان شغل وجودها في تلك اللحظة هو الوجه الوحيد الذي أبقاها عاقلة طوال سنوات العتمة.

توقفت فاليريا في منتصف خطواتها. حلّ على الغرفة صمتٌ ثقيل، أشدّ وطأة من أي دمار. تبادلت فاليريا نظرة خاطفة مع دانيال؛ نظرة ألمٍ مشترك ورسالة غير منطوقة بين زوجين خاضا مئات المعارك، لكنهما يقفان الآن عاجزين أمام انكسار طفلة لم تتجاوز سنوات الصبا.

تقدم دانيال بخطوات هادئة حتى أصبح بجانب السرير. جثا على ركبته الواحدة كي تكون عيناه العسليتان الدفئتان في مستوى عيني إيلينا، وضع يده الكبيرة الدافئة على حافة السرير دون أن يلمس جسدها كي لا يفزعها، ثم قال بصوت عميق، خافض، ومحمل بأسى لا يمكن تزييفه:

"إيلينا... يجب أن تكوني صلبة لسمع ما سأقوله. نحن فريق الاستطلاع التابع لمنظمة الفجر الأسود. عندما اقتحمنا الموقع المنهار لمختبر الظلال، كانت النيران قد أكلت الخرسانة كلياً. بحثنا في كل زاوية، تحت كل كتلة خرسانية، وعند المداخل الرئيسية والفرعية..."

توقف دانيال لبرهة، بلع ريقه وصوت أنفاسه يزداد ثقلاً، ثم استطرد:

"لم نجد أحداً حياً عند البوابة الخارجيّة. كل ما وجدناه كان بقايا طاقة عقلية فائقة الانفجار، وجثة متفحمة بالكامل استنزفتها الطاقة حتى الرماد... ميا لم تنجُ يا إيلينا. صديقتكِ قد رحلت."

تجمّدت الملامح على وجه إيلينا.

كأن الزمن قد توقف عن الجريان داخل أروقة الغرفة. سكن الوجود في حدقتيها الرماديتين، وتوقفت أنفاسها في صدرها لمسافة ثوانٍ دهريّة. لم تتكلم، لم تصرخ، ولم تبكِ في اللحظة الأولى؛ بل كانت تحدق في وجه دانيال بذهولٍ رافض، كأنها تحاول ترجمة كلمات لغة غريبة لا تفهمها.

ثم بدأ النفي المجنون.

هزت إيلينا رأسها ببطء، ثم بسرعة جنونية، والدموع الحارقة تنفجر من عينيها لتنسكب على وجنتيها الشاحبتين وتغرق وسادتها.

"لا... لا! أنتم تكذبون!" صرخت إيلينا بصوت ممزق، صوتٍ خرج من أعمق نقطة في روحها الجريحة. "أنتم من منظمة الظلال أيضاً! هذه خدعة أخرى! ميا لم تمت... ميا وعدتني! قالت إننا سنخرج معاً! قالت إننا سنقف تحت السماء الماطرة حتى لو أحرقتنا!"

رفعت إيلينا يديها المضمادتين، وحاولت بشراسة اقتلاع أنبوب التغذية من معصمها، واضعةً قدميها الحافيتين على الأرضية الباردة للغرفة محاولةً الهرب والركض نحو الباب.

"دعوني أخرج! سأعود إلى المختبر! هي تنتظرني تحت الركام... ميا لا تتركني وحدي!"

قبل أن تسقط إيلينا على الأرض بفعل ضعف أطرافها وتأثير المخدر، احتواها دانيال بين ذراعيه القويتين بحذرٍ شديد. لم يمسكها بقسوة، بل أحاط بها كمن يحمي زجاجاً مكسوراً من التناثر. سحبت إيلينا سترة دانيال الجلدية، ضربت صدره بيديها الصغيرتين المرتجفتين، وتوسلت إليه بنبرة بكاء تفتت الصخور:

"أرجوك... خذني إليها... أرجوك لا تقل إنها أصبحت رماداً..."

انحنى دانيال برأسه نحو كتفها، يضمها بشدة ومتحملاً ضرباتها المجهدة، ودون أن تفارقه نبرة الشفقة والألم، وظل يكرر بصوت خافض: "أنا آسف يا طفلتي... أنا آسف جداً..."

في تلك اللحظة، جثت فاليريا هي الأخرى بجانب السرير. كانت دموعها تجري بصمتٍ على وجنتيها العاجيتين النضرتين. رفعت كفيها المرتجفتين وأمسكت بوجنتي إيلينا الباكيتين ببراعة وحنان، مجبرةً إياها على النظر في عينيها اللتين تحملان نفس التدرج الرمادي الساحر.

وقالت فاليريا بصوت يخنق العبرات، لكنه يحمل نبرة يائسة من الصدق:

"إيلينا... اسمعيني جيداً، انظري في عينَيّ. لن نترككِ تصارعين هذا الجحيم وحدكِ بعد اليوم. أنتِ لستِ عينة في مختبر، ولستِ رقماً على طاولة تجارب، ولستِ يتيمة هائمة في هذا العالم المظلم..."

توقفت شهقات إيلينا قليلاً تحت تأثير السحر الدافئ لليدين اللتين تحتضنان وجهها. تطلعت في وجه فاليريا الجميل والشبيه بملامحها، بذهولٍ طفولي مرتبك.

استطردت فاليريا، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة:

"أنا والدتكِ يا إيلينا... أنا فاليريا. وهذا الرجل الذي يحميكِ الآن هو دانيال... والدكِ."

شُلت حركة إيلينا كلياً. انقطعت صرخاتها، وغرقت حدقتاها في موجة من الضياع والذهول غير المصدق. تنقل بصرها بين وجه المرأة الحسناء التي تمسك وجهها بحنانٍ لم تذقه طوال حياتها، وبين وجه الرجل الذي يحضنها بصلابة وأمانٍ طالما حلمت به تحت أسرة السجن الحديدية.

تقدم دانيال قليلاً، ومسح بأبهامه الدموع الممتزجة بالرماد عن وجنة إيلينا، وقال بنبرة ملؤها الحنان الصادق:

"قبل اثني عشر عاماً، حين كنتِ مجرد رضيعة في مهدكِ، شنت منظمة الظلال هجوماً غادراً على مقراتنا الأولى. قاتلنا حتى آخر قطرة دم، لكنهم اختطفوكِ من بين أيدينا... طوال اثني عشر عاماً يا إيلينا، لم تنم فاليريا ليلة واحدة دون أن تنظر إلى ذكراكِ، ولم أضع أنا سلاحي يوماً دون أن تكوني أنتِ الهدف الوحيد لجميع معاركنا. كنا نبحث عنكِ في كل ملف سري، في كل نفق، وتحت كل ركام... إلى أن وجدناكِ أخيراً."

رفعت فاليريا يدي إيلينا الصغيرة ووضعتها بين كفيها، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة، وقالت:

"عرفتكِ منذ اللحظة الأولى التي رأيتكِ فيها غارقة في دماء جروحكِ تحت السقف المنهار... قلب الأم لا يخطئ طفله أبداً يا إيلينا. والآن بعد أن استرددناكِ من بين أنيابهم، لن يجرؤ أحدٌ في هذا العالم على مساسكِ. نحن هنا... عائلتكِ التي سُرقت منكِ، هنا لنحميكِ."

تداخلت المشاعر في أعماق إيلينا بطريقة مرعبة ومزلزلة.

كان هناك جرح عميق، ينزف بالحرقة والألم الممزق لصديقتها ميا الفتاة التي شاركتها العتمة والوعود والأحلام الصغيرة، والتي تصورتها الآن مجرد رمادٍ متفحم عند بوابة هدمها المطر. وكان هناك في المقابل هذا الدفء المفاجئ والغامر... دفء الأمومة والأبوة، الأذرع الدافئة التي لا تطالبها بالخضوع للتجارب، والأصوات التي تناديها بـ "ابنتي" بدلاً من رقم العينة.

ألقت إيلينا برأسها على صدر فاليريا، ودفنت وجهها في ثياب دانيال، وبدأت تنشج بكاءً طويلاً ومريراً. لم يكن بكاء خوف، بل كان خروجاً ذا زفير حار لسنوات الحرمان والوجع، صرخة ألم على ميا المفقودة، واستسلاماً لدفء العائلة التي ظنت أنها مجرد أسطورة خرافية لا وجود لها إلا في الكتب الكيميائية الممزقة.

ضمها الأبوان بشدة، متعهدين في سريهما بألا يدعا الظلام يمس روحها مجدداً، بينما كان جمر الحزن في قلب إيلينا يتحول ببطء إلى عزيمة باردة وقاسية... عزيمة ستجعل من منظمة الظلال ورئيستها فيكتوريا يندمون على كل قطرة دم، وكل ذرة رماد تركوها خلفهم