NOVELFLEX

بين أنياب جحيم جديد

العينة 09 · بقلم Tallinn

لم يكن الموت رحيماً بـ "ميا" ليأخذ روحها في ذلك الانفجار الهائل عند بوابة مختبر الظلال، بل كان قادراً على رسم مصيرٍ أشد قسوة ودماراً.

كما اتضح في تلك الليلة المشؤومة، كانت "فيكتوريا" رئيسة منظمة الظلال قد خططت لكل شيء ببراعة شيطانية زبفت موت ميا بالكامل عبر جثة متفحمة بديلة لتضلل الجميع، وتحديداً إيلينا وفريق الاستطلاع. تسببت في تخدير ميا بجرعات مركزة، ثم استخدمت جهازا عصبياً محظوراً لانتزاع ذاكرتها ومحو كل أثر لإيلينا ولماضيها من عقلها، قبل أن تبيعها كعينة مطيعة ومجردة من الهوية لإحدى أكثر العائلات وقسوة التابعة لشبكتهم المظلمة: عائلة "فالمور".

خمس سنوات مرّت على ميا داخل قصر عائلة فالمور الحجري المنعزل وسط الشتاء الممتد، خمس سنوات كأنها قرنٌ من العتمة والجليد. أربعمائة وثلاثة وسبعون ألف ساعة من الإهانات اليومية، والأعمال الشاقة، والضرب المبرح الذي لا يترك مكاناً لالتئام الجروح القديمة على جسدها النحيل.

تغيرت ميا خلال هذه السنوات الخمس كبرت لتصبح فتاة في الثامن عشرة من عمرها، تحاط بها هالة من الغموض والبرود الجليدي القاسي.

كانت تملك ملامح ناعمة ووجهًا بيضاويًا، يحيط به شعرٌ بنيّ طويل وناعم ينسدل حول كتفيها. عيناها بنيّتان داكنتان، واسعتان اللتين غاب عنهما كل بريق للحياة بعد مسح ذاكرتها، وتحولتا إلى بحيرتين من الجليد الأسود والبرود التام الذي لا يكسره بكاء ولا استعطاف، تحيط بهما رموش كثيفة تمنح نظرتها عمقًا ساحرًا. حاجباها داكنان ومنسّقان، وأنفها صغير ومتناسق، بينما شفاهها ممتلئة قليلًا بلون وردي هادئ. كانت ملامحها تجمع بين البراءة والغموض، وكأن في عينيها حكاية لم تُروَ بعد.

في صباح يوم شتوي آخر من السنة الخامسة، كانت ميا تجلس على ركبتيها فوق بلاط المطبخ السفلي للقصر الشديد البرودة، ترتدي حذاءها الخفيف المستهلك. كانت يداها الصغيرتان المبتلتان بالماء المثلج تنظفان الأرضية الرخامية بقطعة قماش خشنة، والبرد يقطع أطرافها النحيلة.

دوت خطوات كعب عالٍ وثقيل فوق البلاط، لِتظهر "سيدرا" الابنة الكبرى لعائلة فالمور، امرأة متعجرفة بملامح حادة ورداء مخملي فاخر ينضح بالرفاهية.

وقفت سيدرا فوق رأس ميا، ونظرت إليها باحتقار واشمئزاز، ثم رفعت قدمها المسدودة بحذاء صلب، وضربت بها يد ميا المبللة بقسوة.

"ألا تعرفين كيف تنظفين أسرع من هذا يا قذارة؟

لم تصرخ ميا، ولم تسحب يدها المتألمة بحدّة. بل رفعت رأسها ببطء شديد.

تلاقت عيناها البنيتان الجليديتان مع عيني سيدرا الغاضبتين. كان وجه ميا الأبيض الصغير خالياً كلياً من أي تعبير؛ لا خوف، لا ألم، ولا رجاء. لم تكن تتذكر اسمها القديم، ولا من تكون، ولا سبب وجود هذه الندوب على جسدها، لكن عقلها طور بروداً مطلقاً يجعله كالجدار الصواني أمام ضرباتهم.

"انظري إليّ عندما أكلمكِ!" صرخت سيدرا، ورفعت يدها لتسدد صفعة قوية حارقة على وجنة ميا البيضاء.

أنحرف وجه ميا جانباً بفعل قوة الضربة، وانسكبت خصلات من شعرها البني الناعم على وجهها، بينما ظهرت علامة حمراء داكنة على بشرتها العاجية الناعمة. لكنها لم تضع يدها على وجنتها، ولم تذرف قطرة دموع واحدة.

مسحت ميا خيطاً بارداً من الدم سار من شفتها الصغيرة بظهر كفها، ثم أعادت نظرتها الباردة والثابتة، وقالت بصوت خافض، جاف، ومحمل ببرود يرعب النفوس:

"هل انتهيتِ؟ الأرضية تحتاج إلى مسح آخر قبل أن ينزل السيد."

"أنتِ حقيرة بلا روح!" صرخت سيدرا وهي ترفس دلو الماء المثلج ليتناثر الماء فوق جسد ميا وثيابها الرثة، ثم استطردت بإهانة متواصلة: "أنتِ مجرد بضاعة مفرغة العقل بيعت لنا بضع ثمنها، ولولا عائلة فالمور لكانت الجرذان قد أكلت جثتكِ في الشوارع! أنتِ لا شيء... لا شيء!"

استدارت سيدرا وغادرت وهي تسب وتلعن، بينما ظلت ميا جالية في منتصف الماء المثلج المنتشر على البلاط.

تنهدت ميا بزفير حار خرج كبخار أبيض في القبو البارد. رفعت يديها المرتجفتين وجمعت شعرها البني الحريري خلف أذنها، ثم نظرت إلى انعكاس وجهها الشاحب في بقعة الماء الملقاة على الأرض.

رغم أن فيكتوريا انتزعت ذاكرتها بالكامل، ورغم أن ميا لا تذكر أي شيء من ماضيها، إلا أن أعماق روحها كانت تحتفظ بفراغ هائل وشعور غامض بالانتظار... شعور بأن هناك شيئاً أو شخصاً ما في هذا العالم الضخم يبحث عنها، وأن هذا الجليد الذي يغلف قلبها ليس سوى درع مؤقت حتى تستعيد نسختها الحقيقية.

لم تكن قسوة النهار وأسياط عائلة فالمور هي أشد ما يمزق روح ميا بل كانت اللحظات التي تغلق فيها عينيها البنيتين لتستسلم للنوم في القبو السفلي الداكن. هناك، كان الجليد الذي تحتمي به طوال النهار يذوب كلياً ليتركها فريسة لكوابيس تتكرر بدقة مرعبة كأنها شريط سينمائي معطل.

في منتصف تلك الليلة الباردة، كانت ميا تتلوى فوق فراشها الخشن، وجبينها الأبيض الصغير يتصبب عرقاً بارداً، بينما تنطلق من بين شفتيها الصغيرتين المرتجفتين أنشاج مكتومة وأنفس متقطعة.

في رؤاها، لم تكن هناك أبواب ولا سماء. كانت تجد نفسها محتجزة داخل غرفة بيضاء شاحبة، ناصعة البياض لدرجة تؤذي العينين، تنبعث من جدرانها إضاءة نيونية باردة.

كانت تجلس متصلبة على مقعد معدني بارد، ومكبلة بأغلال ميكانيكية تنغرس في معصميها النحيفين. ومن حولها، امتدت أنابيب بلاستيكية شفافة مخترقة بشرتها البيضاء العاجية، يجري فيها سائل فوسفوري غريب ينسكب مباشرة نحو جهاز عصبي ضخم ينبض بصوت ميكانيكي حاد.

حول المقعد، كانت الأجهزة الطبية وشاشات تخطيط الدماغ تصدر طنيناً متواصلاً، وإبر محقونة بالهواء والكيماويات معلقة في الفضاء كأنها عقارب حاصدة.

لكن المرعب حقاً في تلك الغرفة البيضاء لم يكن الأنابيب أو الأجهزة... بل الأرضية.

كانت الأرضية الرخامية البيضاء مغطاة ببرك من الدماء الدافئة والداكنة التي تنساب بهدوء نحو جثث مكدسة في زوايا الغرفة؛ جثث لأطفال وفتيات بأعمار مختلفة، أجسادهم ممزقة ووجوههم شاحبة مغطاة بقطرات العرق والألم، وعيونهم المفتوحة على وسعها تتطلع نحو ميا بجمود مرعب.

"لماذا نجوتِ أنتِ؟" كانت الأصوات تتداخل في رأسها، أصوات مبهمة تنبعث من خلف الأنابيب والأجهزة.

وفجأة، بين تلك الجثث الملطخة بالدماء، تظهر صورة ظل أنثوي بعينين رماديتين ساحرتين تتطلع إليها من خلف زجاج مكسور، تمد يدها الملطخة بالدماء نحو ميا صاعقة: "لا تنسي..."

وقبل أن تلمس تلك اليد الشاحبة، ينفجر أنبوب السائل الكيماوي، وتندفع موجة من الدماء الساخنة لتغمر الغرفة البيضاء بالكامل.

"لااااا!"

استقرت ميا جالسة بنفضة حادة هزت جسدها النحيل بالكامل. فتحت عينيها البنيتين الواسعتين، والحدقتان تتسعان في ظلام القبو الدامس.

كان صدرها يعلو ويهبط بحدة، وأنفاسها المتسارعة تخرج كبخار أبيض. رفعت يديها الصغيرتين المرتجفتين لتتحسس رقبتها وبشرة ذراعيها، تتفقد الأنابيب والتوصيلات... لكنها لم تجد سوى جلودها النحيلة وعلامات الضرب الحمراء التي تركتها سيدرا في النهار.

مسحت ميا العرق البارد عن وجهها الشاحب بظهر كفها، وشعرها البني الناعم ينثلم على وجنتيها المبتلتين.

ضمّت ركبتيها الشاحبتين إلى صدرها ونظرت نحو النافذة العالية المكسوة بالثلج، وقالت بتمتمة بصوت جاف وخافض يملؤه الثبات والإصرار رغم الرعب:

"تلك الغرفة البيضاء... الأنابيب والدماء ليست مجرد أوهام. أنا لستُ مجرد خادمة بلا أصل هنا... أقسم أنني سأكتشف من أكون حقيقةً، وسأعرف ماضيّ، مهما كلفني الثمن."

تلك الغرفة البيضاء، والأنابيب الممتدة، والدماء المراقبة، لم تكن مجرد أوهام... كانت صدى لجحيم حقيقي عاشته، وشاهداً حياً على أن عقلها الباطن يرفض أن ينسى الجريمة حتى لوُ مسحت الذاكرة.

لم تقتصر قسوة عائلة فالمور على حدود جدران القصر الحجري، بل امتدت لتشمل صباحات ميا في ثانوية "سانت جوليان" وهي صرح تعليمي فاخر لأبناء الأرستقراطيين والنخب النافذة، حيث تم إرسال ميا إليها بموجب قوانين الرعاية الصورية لتغطية وجودها كخادمة، ولإظهار العائلة بمظهر "الإحسان".

في أروقة تلك الثانوية ذات الجدران العالية والنوافذ الملونة، كانت ميا تمشي كطيفٍ غريب.

ترتدي الزي المدرسي الموحد، لكنه كان يبدو باهتاً وقياسه أكبر من جسدها النحيل، فشعرها البني الناعم ينحدر على كتفيها بغير انتظام، ووجهها الأبيض الناصع والصغير يبرز شحوباً طفولياً غامضاً. كانت تسير بخطوات ثابتة بين سلاسل الضحكات الساخرة ونظرات الازدراء، تعلو بشرتها بعض الكدمات الخفيفة التي تحاول تغطيتها بياقة قميصها.

كان الطلاب يتجمعون عند الخزانات الحديدية، يرمونها بعبارات التهكم كلما مرت:

"انظروا... خادمة آل فالمور تشرّفنا بحضورها اليوم!"

"يقال إنها لا تتذكر حتى أصلها... مجرد حشرة ملقاة في الأزقة اشتروها لإطعام الجرذان!"

لم تكن ميا تلتفت، ولم تسرع خطواتها. كانت تمشي بوقار غريب، وعيناها البنيتان الجليديتان تتطلعان إلى الأمام مباشرة، متجاهلتين وجودهم وكأنهم أشباح بلا أجساد.

في حصة التاريخ، كان المدرس رو وهو رجل متكبر يمالئ أبناء العائلات الغنية يقف عند السبورة. رفع نظارته ونظر نحو المقعد الأخير حيث تجلس ميا بمفردها، صامتة كصنم رخامي.

وجه حديثه إليها بنبرة حادة ومتهكمة أمام جميع الطلاب:

"يا طالبة... بما أنكِ تكتفين بالحد الأدنى من الحضور، ولا تشاركين في أي نشاط، هل تتكرمين بتوضيح السبب التاريخي لسقوط المعاهدات القديمة؟ أم أن ذهنكِ المفرغ لا يستوعب سوى حمل المكنسة في قصر سادتكِ؟"

انفجر الصف بالضحك، وتعالت همسات التندر والشماتة بين الطلاب.

لم يتغير شيء في ملامح ميا البيضاء . لم تتحرك شفتان صغيرتان بارتباك، ولم تتهدج أنفاسها. رفعت عينيها البنيتين الساكنتين نحو المدرس، ونظرت إليه بنظرة فارغة تتسرب منها برودة تثلج الصدور.

وقفت ببطء، ويدها النحيلة مستقرة على الطاولة، وقالت بصوت خافض، جاف، ومسطح كصفحة الجليد:

"المعاهدات تسقط حين يظن البعض أن غرورهم يحميهم من القاع... تماماً كما يظن البعض أن المنصب يمنحهم الذكاء."

حل صمت مفاجئ وثقيل في القاعة. تسللت الدهشة إلى وجوه الطلاب، بينما احمرّ وجه المدرس رو خجلاً وغضباً من هذا الرد البارد المفحم الذي أصاب كبرياءه في مقتل.

"كيف تجرئين على هذه الوقاحة؟!" صرخ وهو يضرب الطاولة بقبضته: "أنتِ مجرد نكرة بلا ذاكرة ولا أصل! إلى مكتب المدير فوراً!"

جمعت ميا دفترها البسيط، وقالت ببرود مطلق وهي تتجه نحو الباب دون أن ينبض لها جفن:

"الذهاب للمدير يوفر عليّ التواجد في حصة لا تقدم جديداً. شكراً لك."

خارج القاعة، في الممر المؤدي للساحة الخلفية، اعترض طريقها "أدريان"أحد أكثر الطلاب تنمراً وابن أحد المستثمرين الكبار. وقف أمامها بقميصه المفتوح وابتسامته الخبيثة، ومعه اثنان من أصدقائه.

رفس أدريان حقيبة ميا المتهالكة لتسقط على الأرض وتتناثر منها الأوراق، ثم اقترب منها ودفع كتفها النحيل بقسوة:

"إلى أين يا خادمة؟ تحسبين نفسكِ شجاعة بردودكِ الباردة؟ أنتِ مجرد نكرة ، ومهما فعلتِ ستظلين تحت أقدامنا!"

سقطت الأوراق على الأرض، لكن ميا لم تنحنِ لتجمعها فوراً. وقفت منتصبة القامة، وشعرها البني الحريري يغطي جزءاً من وجنتها الناعمة. رفعت رأسها ببطء، وتلاقت عينان بنيتان بثبات مرعب مع عينيه الغاضبتين.

كان وجهها الناصع البياض خالياً من أي انفعال؛ لا خوف، لا غضب، ولا انكسار. لم تتدخل في مواجهة كلامية عقيمة أو تطلق تهديدات لا معنى لها، بل نظرت إليه بنظرة شخوص جافة، واقتربت منه خطوة واحدة ببطء وثبات، مما جعل أدريان يتراجع خطوة غير إرادية إلى الخلف أمام هيبتها الغامضة.

انحنت ببراعة وهدوء تام، جمعت أوراقها المبعثرة ووضعتها داخل حقيبتها دون أن يرف لها جفن، ثم وقفت مجدداً وقالت بصوت خافض، ناعم وبرد كالموت:

"يمكنك دفعي، ويمكنك المراهنة على سحق أوراقي... لكنك في كل مرة تتراجع خطوة للخلف لأنك تعلم في أعماقك أنني لا أملك شيئاً أخشى خسارته."

مرت من بجانبه ببرود تام دون أن تلتفت خلفها، تاركة أدريان وأصدقاءه صامتين في وسط الممر، يلاحقهم شعور غريب بالخوف من طالبة لا تملك أصلا ، لكنها تحمل قلباً أصلد من الجليد