NOVELFLEX

رحلة تمنراست

بدر التمام · بقلم ahmedhussin20162016

وفي الصباح حزمَ والدُ بدرِ التمام الحقائب وتوجها إلى مطار بورتسودان ليركبا طائرة ترانزيت إلى مطار الخرطوم ، وبغروب الشمس كانت الطائرة المتوجهة إلى تمنراست قد أقلعت من مطار الخرطوم وعلى

متنها بدر التمام ووالدها يقرأونَ دعاء السفر ويدعونَ يُتمَ اللهُ سفرهم على كل خير .

بدت أثارُ التعب من السفر على بدر التمام فأثرت النوم طوال الرحلة ، بينما والدها كان مستيقظاً طوال الرحلة ينظرُ إلى وجهِها لكى يطمئن عليها بين الفنيةِ والأُخرى ، ويدعو الله تعالى .

وما زال هو كذلك حتى سمع إطارات الطائرة ترتطم بأرض تمنراست ، وصوتُ قائدِ الطائرة مهنئاً الراكبين على وصولهم بالسلامة إلى وجهتهم ، فأيقظَ الأب بلطف بدر التمام ، قائلاً هيا يا حبيبتى قد وصلنا بحمد الله تعالى .

وكانَ وصولهم في وقت صلاة الفجر فصلوا الفجر في مسجد المطار بتمنراست ، وانطلقوا عندَ الشروق إلى وسط مدينة تمنراست ، وكانَ الأب قد أحبَ أن يُزيل عناءَ السكن في الفنادق عن بدر التمام ، فأستأجر بيتا صغيراً دور أرضى له فناء كبير مفتوح إلى السماء تشرق عليه الشمس بشكل جميل مع نقوش جميلة من    التراثِ الجزائرى لمدينةِ تمنراست في داخل المنزلِ وخارجه ، كانَ هذا المنزلِ من دواعى سرور بدر التمام فأخذت قرابة الساعتين تتجول في فناء المنزل وتنظر إلى الشمس فرحةً بهذا المنزلِ الجميل .

وبحلول العصر تحركَ الوالد وبدر التمام وأخذا يسألانِ في مدينة تمنراست على شخص كبير السن زاهدٌ في الدنيا قد تركهُ أبناءه بسبب حبهم للدنيا ، ولكن لم يستدلوا عليه حتى أظلمت السماء .

استعجب الأب وعاد ببدر التمام إلى المنزل ... كيف لا يعرفه أحد !!!

تمنراست مدينة صحراوية ، العادات فيها قبلية ، والقبائل تعرف بعضها  وإن غاب أحد أو ابتعد فمن السهل معرفةُ ذلك .

مرَ الليل سريعاً على بدر التمام ووالدها يستعجلان الأحداث للبحث عن زاهد تمنراست ، وفي الصباح تحركا يسألان كل بيت ، وكل دكان ، وكل مسجد ، حتى أُرهقا من البحث ، هذا الرجل لا يعرفه أحد !!

وظلا هكذا حتى أقبل الليل فعادا إلى المنزل ، وبدأ القلق يساور والد بدر التمام ، يود أن يخبر بدر التمام أن تتأكد من الرؤيا أو أن ترى رؤيا جديدة ، لكنهُ يثق فيها وليس بمقدورها أن ترى رؤياً إلا ان يشاء الله تعالى .

وفي الصباحِ الباكر تحركا إلى شيخ المدينة فاستقبلهما بترحاب فأخبراه عن مواصفات الرجل الذى يطلبانه فأجاب أنه يعرف كل رجال تمنراست وأصولُهم ولكنهُ لا يعرف رجل بهذه المواصفات ، وفي أثناء جلوسهم قدم علي شيخ المدينة رجل بدوى تظهر عليه أثار السفر ، فحدثه شيخُ المدينة عن طلب بدر التمام ووالدها فقال  لعله الحاج قويدر هو يعيش في أطراف قرية أراك .

قال شيخُ تمنراست ، الحاج قويدر!! أنا أعرفه، أليس هو رحل إلى دولة المغرب لكى يعيشَ مع ابنتهُ هناك ؟

أجابهُ الرجلُ البدوى قائلاً : كلا يا شيخنا الكريم ، هذا ما أخبرَ أولادهُ اللئام بهِ الناس بتمنراست لكي يخفوا عدم بِرهم لهُ بعد طلبهم أن يرثوهُ حياً ، أعطاهم الميراثُ كلهُ بعدَ أن يأسَ منهم جميعاً ، وزهدَ الدنيا ، وهو

يحيا الآن كفافاً ، على بعضِ القُوت يعطيهُ إياهُ المارة يوماً بعدَ يوم.

قال شيخ تمنراست : الحاج قويدار الغنى يحدُثُ لهُ كلُ ذلك، والله ما هكذا تصيرُ الأمور ..

هيا بنا نذهب إليه آلان في قرية أراك ..

رَكِبَ الجميع سيارةَ شيخ تمنراست وبعدَ نصفِ ساعة وصلوا إلى بيتٍ قديمٍ على أطراف قرية أراك بعيد   عن كلِ البيوت .

طرقوا الباب كثيراً حتى ظنوا أنه غير موجود وعندما هموا بالإنصراف فتحَ الحاجُ قويدر لهمُ الباب فوجوده بحالةٍ يرثى له ، فأشارَ إليهم أن يتفضلوا في بيته ، فأبى شيخُ تمنراست قالَ لهُ يا حاج قويدر واللهِ لا أدخلُ

لكَ بيتاً حتى أفتضحَ أمرَ أولادكَ أمامَ أهلِ تمنراست جميعاً ويعودُ إليكَ مالك ، أيورث مالكَ وأنتَ حيٌ يا رجل أيعقلُ هذا!!! قالها شيخُ تمنراست وهوَ مغضب .

فلما رأى الحاج قويدر ذلك بكى بكاءً شديداً ،وقال أولادى لا يهمهمُ إلا الدنيا ، ونسوا خدمتى لهم وهم صغار ، قال له سوفَ تنام اليومَ في بيتى يا حاج قويدر وغداً بإذنِ الله سترى ما أنا فاعلٌ معَ أولادك .

رحلَ الجميع إلى بيت شيخِ تمنراست ، وباتَ مع الحاج قويدر بدر التمام ووالدها يطيبونَ قلبهٌ ويخففونَ

عنهُ وقد سعدَ بهم جداً لما علمَ أنهما جاءا إليهِ بأقدارِ اللهِ تعالى .

كان شيخُ تمنراست قد دعا أهلَ المدينةِ جميعاً في اليومِ التالى لوليمةٍ عنده ، وبعدَ صلاةِ الظهرِ كانَ الجميعُ في حضرته بما فيهم أولادُ الحاجِ قويدر ، فدخلَ عليهم شيخُ تمنراست وبشَ في وجوهههم ودعا لتقديم الشاى لهم جميعاً وتبادلَ معهم الحديث ، وحكى لهم حكايةَ الحاج قويدر دونَ ذكرِ اسمه وقال لهم إنى محكمكم يا قوم ، أبناء فعلوا مع أبيهم مثل هذا الفعل وورثوه في مالهِ كلَهُ وهو حي ، ماذا ترونَ الحكم المناسب لهم .

قال أناس يرجعوا مال أبيهم وينفوا من مدينتهم ، وقال أخرون نبلغ الشرطة عنهم ، عندها قال شيخ تمنراست أخرج أيها الرجل الطيب ، خرج عليهم الحاج قويدر ...

أصاب الجميع الذهول ، هل الحاج قويدر هوَ صاحب هذه الحكاية ؟؟

الكل كان يظنُ أنهُ يعيشُ مع ابنته في المغرب ..

قال لهم شيخُ تمنراست أولادهُ المحترمين قد أخفوا عنكم خبرهُ لأنهم خافوا على سمعتهم ، وإنى فاضح أمرهم لكم وإن لم يعيدوا ماله كله له ، سوفَ أطلب من  أهل تمنراست وأجوارها قطع العلاقات معهم تماماً، والأهم عندى هو برهم أبيهم .

هرعَ الأبناء يقبلونَ يد أبيهم أن يسامحهم ، فسامحهم .

وتعهدوا إلى شيخ تمنراست أن يعيدوا لأبيهم ماله وأنهم سوفَ يبرون والدهم طيلة حياته .

عمد الحاج قويدر إلى بدر التمام فحملها ووضعها على كتفيه أمام الناس جميعاً ، وقال لهم أيها الناس قد كنتُ حزينا وحيداً في بيتا لا يزرونى أحدٌ فأنصفنى الله ببدر التمام من مصر ، واللهُ ربى العظيم لا ينسى  أحداً  .

فرحت بدر التمام ووالدها أنهما قد ساعدا الحاج قويدر وخرجا من عندهُ وشيخ تمنراست بعد وداعٍ حار إلى  المطار وفي الطريق إلى المطار نامت بدر التمام فرأت رؤيا بأن القطعةَ الثالثة من القمر قد أضاءت وكتب عليها كلمة “ بِر “ والتصقت بوجهها ، ثم سمعت صوتاً يقولُ لها إذهبى يا بدر التمام إلى تاجرِ صلالة فإنه في حزنٌ شديدٍ من بعدِ وفاةِ ولدهِ الوحيد ، ستجدينهُ في مسجدِ الشيخ أحمد بن عفيف، وحينها استيقظت .

أخبرت بدر التمام أبيها بما رأت فحمدَ الله أن رحلتهم في الجزائر قد تمت وعلمَ أن وجهتهم القادمة في

صلالة بعُمان .