من خلفهما، عادت قاعة المجلس إلى صمتها البرزخي، وانحسر الضباب الرمادي ليعيد غزل خيوطه الباردة فوق المنصة الحجرية.
سار إدوارد ومايكل في ممر طويل وممتد، تحفّه أعمدة نحاسية عملاقة تصعد نحو أفق لا تدركه الأبصار، بينما كانت التروس المعلّقة في الفراغ تدور فوقهما ببطء وبرنين زهيد.
كان إدوارد يتقدم بخطوات ثقيلة ومحسوبة، ملتحفًا بصمت مطبق، وملامحه الصارمة مشدودة، كأنه يحمل على كاهله ثقل القرار الصادر من قلب العهد.
تأمله مايكل لبرهة. خفت هدوء الشاب، واستيقظت فيه تلك الرغبة الدائمة في كسر الجمود واستفزاز رفيقه. أسرع خطاه قليلًا حتى غدا يحاذيه، ثم قال بنبرة تهكمية خفيفة:
} أظن أن القائد أعجب بتقريرنا... خصوصًا أنك، بتدقيقك الفائق، لم تستطع العثور على العرّاف.{
لم يلتفت إدوارد، ولم يتغير إيقاع خطواته الموزونة فوق الصخر.
واصل مايكل، مسددًا ضربة أخرى أشد جرأة:
} أم أنك كنت مشغولًا بمراقبة الجدران وحساب عمر التروس؟{
توقف إدوارد فجأة.
توقفت معه حركة الهواء في الممر.
التفت ببطء نحو مايكل، وبرقت عيناه الغائرتان بنظرة حادة كأنها نصل جاف.
}هل انتهيت؟{
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي مايكل، ورد بنبرة خالية من الأسف:
} كنت أختبر صبرك فقط. {
في تلك اللحظة، تبددت السخرية.
تغير الجو في الممر كليًا؛ خمدت حركة الضباب الرمادي حول إدوارد وتجمدت في الهواء. ثقل الجو حتى كاد يمنع التنفس، ولمعت حول جسده هالة خافتة وثقيلة ذات بريق نحاسي معتم.
في الفراغ المحيط به، بدأت ذرات نحاسية دقيقة تتشكل من العدم، بينما أطلقت التروس الضخمة المعلقة فوقهما أزيزًا مكتومًا.
تلاشت الابتسامة عن وجه مايكل. وعلى الرغم من محاولته الحفاظ على ثباته، فإنه تراجع نصف خطوة إلى الخلف، رافعًا يديه في إشارة مهادنة:
{حسنًا... يبدو أنني اختبرت صبرك أكثر مما ينبغي.}
طالعه إدوارد لثوانٍ معدودات بنظرة تحذيرية حاسمة، ثم قال بنبرة خافتة كحفيف الصخر:
{لا تختبره مرة أخرى.}
تلاشى البريق المعتم تدريجيًا، وانحلت الهالة الثقيلة، فعادت التروس إلى دورانها، وعاد الضباب يتحرك في الممر ببطئه الأزلي.
استأنفا السير جنبًا إلى جنب.
لكن السخرية تراجعت هذه المرة، ليحل محلها انتباه مايكل الشديد وحسّه البرزخي الدقيق.
سأل مايكل بجدية:
{هل شعرت بذلك أيضًا؟}
ظل إدوارد محدقًا في الطريق الممتد أمامه.
{بماذا؟}
{عندما مررنا قرب تلك الورشة المغلقة في الزقاق الضيق.}
صمت إدوارد.
لم ينكر، ولم يندفع في الإجابة. استمر في سيره بضع ثوانٍ قبل أن يقول بصوت خفيض:
{شعرت بشيء... بثقل لم يكن ينبغي أن يكون هناك. لكنني لا أملك دليلًا واضحًا بعد.}
اتسعت نظرة مايكل؛ فلم يكن الأمر مجرد وهم، بل كان انطباعًا خاطفًا تقاطع فيه حسّه الوقّاد مع صرامة إدوارد التحليلية.
وصلا إلى نهاية الممر، حيث ينتهي الفضاء الأثيري عند معبر ضيق يفصل بين حدود البرزخ والعالم المادي.
في أقصى المعبر، تلألأ ضوء باهت ومكتوم، كأنه شقّ في نسيج الظلام يقود إلى عالم البشر.
وقبل أن يخطو إدوارد قدمه الأولى نحو البوابة، توقف فجأة.
التفت بنصف جسده، ونظر إلى الضباب القابع خلفهما في أعمق نقطة من البرزخ.
قال بصوت خفيض:
{هناك شيء تغيّر.}
عقد مايكل حاجبيه وسأله:
{في العهد؟}
حوّل إدوارد نظره نحو العالم المادي أمامه، وأجاب:
{لا... في العالم الذي تركناه.}
في تلك اللحظة بالذات، وقع أمر مكتوم.
ترس عملاق من التروس المعلقة في السقف الأثيري، كان يدور بإيقاع منتظم منذ عقود، توقف عن الدوران كليًا.
ثبت لخمس ثوانٍ كاملة.
تردد في الممر سكون مرعب، وتعلقت عينا الرجلين به في ترقب صامت.
ثم، وبلا مقدمات، عاد الترس إلى الدوران بالإيقاع البطيء ذاته، وكأن شيئًا لم يكن.
تطلع إدوارد إلى المعبر المادي المظلم أمامه، ثم خطا خطوته الأولى داخله.
تبعه مايكل، وبدأ الضباب الرمادي يبتلعهما تدريجيًا، حتى غابت ملامحهما في العتمة.
تردد صوت مايكل متهكمًا وهو يختفي في الظلال:
{آمل فقط ألا يكون صاحب الشرخ أكثر إزعاجًا منك.}
أتاه صوت إدوارد الحاسم والعميق من قلب العتمة الممتدة:
{مايكل...}
ثم أطبق الصمت.
وتلاشت أطيافهما داخل الممر، بينما ظل الترس العملاق يدور في مكانه...
وكأن شيئًا لم يحدث.