انحسرت الحرارة اللاهبة من معصمه كأنها لم تكن، وتلاشى الصرير الميكانيكي تحت جلده تمامًا، ليحل محله سكونٌ ناصع. فتح يونس عينيه في الورشة، فلم يجد طنينًا يثقل رأسه، ولا نبضًا يزعج سكون المكان، وحتى ذلك الصوت الخفي الذي كان يلاحقه طوال الأيام الماضية اختفى كليًا.
أمال يده اليمنى تحت ضوء الصباح الدافئ المنساب من شقوق الباب الخشبي؛ كانت العروق النحاسية الغائرة تحت جلده ساكنة ومستكينة، ملساء بلا حرارة أو وهج.
تنفس بعمق، وشعر بخدرٍ لذيذ يسري في صدره، فارتسمت على شفتيه ابتسامة واهية، وهمس لنفسه:
{ربما انتهى الأمر... ربما استعدت جسدي أخيرًا.}
قام من مكانه بهدوء لم يعهده منذ زمن. فتح باب الورشة ليسمح لضوء الشمس الذهبي بأن يفرش الأرضية الترابية، ثم بدأ ينظف أدواته؛ مسح الأزاميل العتيقة، ونظف رفوف الخشب من غبار النحاس المتراكم، وصنع لنفسه كوبًا دافئًا شربه ببطء وهو يتأمل الحارة الهادئة في الخارج.
لأول مرة منذ بدء هذه اللعنة، لم يكن يونس الشخص المطارد الذي يركض خلف الأسرار، بل كان يونس الحرفي... الإنسان الذي يستمتع بصباحه وبساطة حياته.
سحب قطعة نحاسية خام، وثبتها فوق الطاولة الخشبية ليشرع في نحتها بالطريقة القديمة التي يعشقها. غير أن عقله، رغم سكون المكان، رفض الاستسلام لهذه الهدنة. مع كل ضربة إزميل، كانت الأسئلة تطفو على السطح كالجمر المكتوم:
عينا مَن؟
من كان ذلك الرجل الخائف في الكابوس؟
لماذا قال إن عينيّ تشبهان عينيه؟
ما هذا العهد اللعين؟... ولماذا كان صوت أبي هناك يصرخ بي كي أركض؟
توقف عن النحت، وتنهد بجهد، محاولًا طرد تلك الهواجس. رفع الإزميل ليكمل عمله، وفي منتصف الحركة... تجمد.
تك.
ساد صمتٌ مطلق في الورشة، ثم تكررت الدقة ببطء شديد:
تك... تك.
انخفض نظره إلى يده اليمنى؛ كانت ساكنة تمامًا، بلا حرارة ولا نبض. هز رأسه، ظانًا أنه مجرد توهم، وعاد إلى صقل سطح القطعة النحاسية.
غير أن حدقتيه اتسعتا رعبًا عندما رأى القطعة النحاسية الصغيرة التي يعمل عليها تتحرك ببطء فوق الطاولة الخشبية من تلقاء نفسها؛ تنزلق بضعة مليمترات استجابةً لحركة يده، دون أن يلمسها، وكأن المعدن بات يتنفس على إيقاع خفي يربطهما معًا.
سقط الإزميل من يده اليسرى، فأحدث رنينًا حادًا فوق الأرضية.
أدرك في تلك اللحظة أن الهدوء الذي عاشه لم يكن سيطرةً ولا شفاءً... بل كان مرحلة جديدة وأعمق من التكيف.
ترك كل شيء، ونزل بخطوات مضطربة إلى السرداب، متوجهًا نحو المخطوطة الأبنوسية الموضوعة فوق الطاولة الحجرية.
لم تكن المخطوطة تشرح شيئًا بوضوح، بل كانت تحتوي على رسومات ورموز معقدة تتداخل فيها الهندسة مع التشريح البشري.
اقتربت يده اليمنى من إحدى الصفحات، فتفاعلت أطراف الرموز المكتوبة بمسحوق النحاس مع اقتراب معصمه، لتتضخم كلمتان حُفرتا بأسلوب مسنن، وتبرزا بوضوح من بين السطور:
السكون ليس النجاة.
بقي يونس يحدق في الكلمتين طويلًا، وشعورٌ ثقيل بالعجز يطبق على أنفاسه.
أغمض عينيه، وقال لنفسه بصوت متعب:
{يكفي... لن أفهم شيئًا وأنا أفكر بهذا الشكل.}
قرر لأول مرة منذ بداية هذه الأحداث أن يضع حدًا لهذا الهوس، وأن يمنح عقله وجسده استراحة حقيقية لبضع ساعات.
أغلق المخطوطة الأبنوسية بعناية، وأخفاها في عمق التجاويف الحجرية إلى جانب الصندوق النحاسي، ثم أغلق باب السرداب وأحكم قفله الحديدي.
التقط قفازًا جلديًا عتيقًا من ركن أدواته، وسحبه فوق كفه ومعصمه الأيمن ببطء، مستمتعًا باختفاء العروق النحاسية تمامًا تحت طبقة الجلد الداكنة، وكأن ما لا يُرى لا وجود له.
أدار المفتاح في قفل الورشة، وخرج إلى حواري المدينة.
كانت أزقة السوق تعج بالحياة؛ صياح الباعة، ورائحة التوابل والخبز الدافئ المتصاعدة من الدكاكين. تجول يونس بين الناس، يتنفس هواء الشارع المألوف، واشترى بعض الفاكهة وطعامًا خفيفًا، محاولًا الاستغراق في أي تفصيل إنساني يستعيد به إحساسه ببشريته.
وللحظات خاطفة بين الجموع، نجح في نسيان الأثر والمخطوطة وعين السماء الزرقاء.
وفجأة...
وفي أوج تلك السكينة، سرت تحت طبقة القفاز الجلدي نبضةٌ خفيفة، متواترة ودافئة، كأن قلبًا ثانيًا ينبض فوق عظم يده اليمنى.
تجمدت خطواته للحظة، غير أنه ضغط على كفه بقوة داخل القفاز، وتجاهل النبضة تمامًا، وواصل سيره، رافضًا أن يفسد على نفسه هذا الهروب.
مع حلول المساء وهبوط الغسق، عاد يونس إلى الورشة. أدخل المفتاح ليتفقد السرداب قبل أن يغادر إلى بيته.
نزل الدرجات الحجرية حاملًا السراج، وفحص القفل؛ كان مغلقًا كما تركه تمامًا، ولم يُرمَ.
فتح القفل ودخل الحجرة الصغيرة، فسقط ضوء السراج على الطاولة الحجرية...
وتصلبت الدماء في عروقه.
كانت المخطوطة الأبنوسية ممدودة فوق الطاولة، مفتوحة بوضوح على صفحة جديدة تمامًا، تتوسطها خطوط نحاسية ذهبية، رغم أنه أغلقها بنفسه ووضعها في المخبأ ثم أحكم قفله.
استدار يونس بذهول، وأغلق باب السرداب خلفه فورًا دون أن يلمس المخطوطة، ثم خرج من الورشة وأقفل بابها الخارجي بإحكام.
مشى في حواري المساء المظلمة بخطوات مسرعة، وهو يلف يده المغطاة بالقفاز حول صدره، متجهًا نحو بيته ليستريح...
تاركًا الورشة خلفه، مسكونةً بنبض الآلة وأسرار الأثر.