أغلق يونس الباب الخشبي خلفه، وعاد إلى عمق الورشة، يلفّه صمت ثقيل. كان النجاح في تجربة السوق قد منح ذهنه هدوءًا لثوانٍ معدودة، لكنه لم يلبث أن تلاشى أمام الحرارة المكتومة التي كانت لا تزال تحتدم تحت شريانه. جلس أمام طاولة العمل، ورفع كُمَّ قفطانه الحريري ليتفحص معصمه الأيمن عن قرب.
ثبّت تنفّسه، وركّز كل ذرة من وعيه على تهدئة تسارع الدم، محاولًا تطويع تلك الطاقة وإجبارها على الانكماش. لكنه، بدلًا من أن يرى الختم يستقر في مكانه، فوجئ بما أرسل قشعريرة باردة في كاهله؛ كانت الشعيرات النحاسية الدقيقة تحت جلده تنبض ببطء، وتتغذّى على المجهود الذهني الذي يبذله. وبدلًا من أن تتراجع، بدأت أطراف النسيج المتورّم تتمدّد خطوةً بخطوة، زاحفةً ببطء فوق خطوط المعصم، لتتجاوز الحدود التي رسمها بالفحم قبل ساعات.
توقّف نبضه لحظةً من الصدمة. أدرك أن المحاولة السلبية للسيطرة لم تعد كافية، وأن العهد يفرض وجوده بشكل أسرع مما توقّع. أخرج من جيبه الداخلي القطعة النحاسية الصغيرة التي استعادها من السرداب. كانت باردة وداكنة، تفوح منها رائحة معدن عتيق مسكون.
تردّد لثوانٍ، ثم اتخذ قراره بالمجازفة.
رفع يده اليسرى، ووضع القطعة النحاسية مباشرةً فوق الختم المشتعل على معصمه الأيمن.
في تلك اللحظة، ضربت جسده موجة حرارية عنيفة، كأن سائلًا من النحاس المذاب جرى في شرايينه دفعةً واحدة. كتم صرخته، وأطبق أسنانه بقوة حتى كادت تتكسّر. أغمض عينيه، وركّز كل ما تعلّمه عن ضبط الأنفاس، وأجبر رئتيه على شهيق وزفير منتظمين ومحسوبين، يصارع الحرارة العارمة التي حاولت التهام وعيه.
لثوانٍ معدودة، شعر بالمعجزة: استجابت القطعة النحاسية لنبضه الهادئ، وتوقفت اللسعة الحارقة، لتتحول إلى اهتزاز منتظم يتناغم مع دقات قلبه. نجح في تطويعها والسيطرة عليها لفترة قصيرة... لكن الطاقة المتبادلة كانت أكبر بكثير من قدرة جسده البشري على الاحتمال.
بدأ رأسه يدور، وانسحبت الدماء من وجهه، واشتعل وهج زجاجي مائل إلى الحمرة على سطح القطعة النحاسية، مغيرًا لونها الداكن.
فقدت يده القدرة على الإمساك، فسقطت القطعة النحاسية على الخشب بصوت رنين حاد، وانزلق يونس عن كرسيه، وتهوى جسده على أرضية الورشة، ليستسلم لغيبوبة قسرية ومطبقة.
لم تكن الغيبوبة ظلامًا ممتدًا، بل كانت سحبًا عنيفًا لوعيه نحو فضاء معلّق؛ برزخًا فاصلًا بين عالمه الذي يعرفه وعتمة لا نهاية لها.
وجد يونس نفسه يقف على أرضية ضبابية هشة. كانت السماء فوقه مكتظة بعيون زرقاء ساطعة وغائرة، تتفتح واحدة تلو الأخرى في العتمة، وتحدّق فيه بنظرات ثقيلة وباردة. كان يستشعر وزن تلك النظرات يضغط على صدره، كأنها أجهزة رصد لكائن حي ينشط في العتمة.
وفي وسط هذا الفضاء، رأى خيالًا لشخص يبدو مألوفًا، غارقًا في الظلال، يصارع باستماتة ومقاومة رهيبة كي لا يُسحب إلى عمق البرزخ. كان ذلك الشخص يبذل كل ما أوتي من قوة ليبقي نفسه خارج مدى تلك العيون المترقبة، ويحاول بكفّيه المجهدتين دفع الظلام ومنعه من الاقتراب من يونس.
وقبل أن يبتلع البرزخ ذلك الظل بالكامل، التفتت ملامحه المجهدة نحو يونس، وانبعث منه صوت همس تحذيري متقطّع، تردّد صداه في الفراغ:
«لا تنظر في العيون إذا اشتعل النحاس... الصبر هو الجدار الوحيد بينك وبين البرزخ. الختم ليس مفتاحًا للباب، بل هو الباب نفسه... إياك أن تفتحه بالكامل!»
استيقظ يونس بفزعة حادة، وجسده يتصبّب عرقًا باردًا، وهو يستنشق الهواء بلهاث، كأنه يطفو من قاع بئر عميق.
كانت الورشة هادئة، وزوايا الخشب تطوّقه بصمتها المعتاد، والقطعة النحاسية ملقاة على الطاولة، وقد استعادت لونها الداكن البارد.
رفع يده اليمنى ليمسح جبينه، لكن عينيه اتسعتا من هول الصدمة عند رؤية ما حدث.
لم يعد النسيج النحاسي مجرد وسم دقيق على معصمه، بل امتد وتفشّى أثناء غيبوبته بشكل مرعب؛ كان جلده، ابتداءً من المعصم وحتى أطراف أصابعه الخمسة، متوشّحًا بعروق نحاسية متورّمة وداكنة، تتشابك كأغصان معدنية دقيقة، منغرزةً في أنسجة يده بالكامل، وتنبض تحت الجلد ببرود حذر.
تطلّع إلى يده النحاسية الكاملة بذهول، ثم اتجهت عيناه بنظرة حادة وثابتة نحو فتحة السرداب القابعة في منتصف الورشة... مدركًا أن الإجابة الوحيدة، والنجاة مما يحدث لجسده، مخبّأتان داخل الصندوق الموجود هناك.