كان سوق النحاس يغلي كمرجل عظيم؛ أصوات المطارق فوق الصواني، وصيحات الباعة التي تختلط برائحة البخور، كانت تشكّل غلافًا سميكًا للواقع. وسط هذا الزحام، كان يونس يجلس في ورشته، محاطًا بمخطوطات صفراء تبدو كجلود ميتة تنتظر من يبعث فيها الروح.
مسح يونس عرق جبينه ونظر إلى الساعة المعلقة على الجدار؛ كانت العقارب تشير إلى الرابعة عصرًا، لكن في عينه اليمنى كانت الأمور مختلفة تمامًا.
أغمض يونس عينه اليسرى. فجأة خمد الضجيج، وتلاشت ألوان السوق الزاهية، وحلّ مكانها بياض شبحي وضباب أزرق يزحف بين الأرجل. لم يعد الباعة بشرًا، بل أشباحًا باهتة تتحرك ببطء، أما الجدران الحجرية القديمة، فقد بدأت تظهر عليها عروق نحاسية تنبض بضوء خافت، وكأن المبنى كائن حي يتنفس.
{يونس... هل انتهيت من ترميم كتاب العهود القديمة؟}
جاء الصوت من العتمة خلفه، ففتح يونس عينيه معًا، ليعود الواقع ويصدمه من جديد. كان الواقف عند مدخل الورشة شيخًا تسبقه دائمًا رائحة المسك العتيق التي تذكّر بالقبور المنسية، وعيناه غائرتان توحيان بأنه يرى في الظلام أكثر مما يرى في النور.
{كاد أن ينتهي، لكن هناك صفحة مفقودة... صفحة لا أعلم إن كانت قد مُزقت أم اختفت.}
لم يتحرك الشيخ، لكن ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه، ولمس طرف المخطوطة بأصابعه المرتجفة التي بدت كأنها مصنوعة من خشب قديم.
{البعض يظن أن الورق يضيع، لكن الحقيقة أن الورق يختار من يقرأه... والصفحة التي تبحث عنها، ربما هي التي تبحث عنك.}
بمجرد أن نطق الشيخ كلماته، شعر يونس ببرودة في جيبه. تحسس بيده تلك القطعة النحاسية التي عثر عليها داخل الكتاب، وبدون سابق إنذار، شعر بآلاف الإبر تخترق عينه اليمنى.
رفع رأسه نحو السقف المظلم، فرآها لأول مرة؛ عين زرقاء تتوسط سقف الغرفة، تنظر إليه بجمود مرعب. لم تكن خيالًا... كان الرصد قد بدأ يستيقظ.
تجمد يونس في مكانه. كانت العين الزرقاء في السقف تتسع وتنقبض مثل حدقة كائن حي، تراقبه بتركيز يبعث القشعريرة في أوصاله. شعر برغبة عارمة في الصراخ والإشارة نحو السقف، كأنه يقول: «ألا تراها يا شيخ؟» لكنه كبح جماحه، وابتلع ريقه الذي صار بطعم النحاس.
{يونس...؟}
نطق الشيخ اسمه بنبرة متسائلة، وكأنه أحس بتردد أنفاسه:
{لقد شردت بعيدًا، هل أصابك شيء؟}
{لا، لا شيء.}
أجابه وصوته مبحوح بعض الشيء، محاولًا أن يبدو طبيعيًا وهو يرتب أوراقه بيدين مرتعشتين:
{مجرد إرهاق من ضوء المصباح الخافت.}
تحرك الشيخ خطوة واحدة داخل الورشة، فازداد نبض العين في السقف، وكأنها تتفاعل مع وجوده. ومال رأسه قليلًا، وكأنه يصغي إلى شيء لا يسمعه يونس.
وبعد لحظات، همس وهو يتراجع نحو الباب:
{احذر من العيون التي تبصر في الظلام، فقد تعمى من شدة الضوء. ولا تفتح أبوابًا لا تملك القدرة على إغلاقها.}
غادر الشيخ، تاركًا خلفه صمتًا مطبقًا.
تنفس يونس، وأغمض عينيه بقوة، ثم عاد وفتحهما؛ تلاشت العين الزرقاء، وعادت الورشة إلى حالتها المعتادة. لكن قطعة النحاس في جيبه كانت لا تزال تشع بحرارة غريبة، وكأنها تحثه على الرحيل.
أدرك حينها أن بقاءه لم يعد آمنًا. أغلق الباب بقلب يقرع صدره بقوة، ووضع القفل الحديدي في مكانه، ثم بدأ بالسير في أزقة السوق التي بدأت تخلو من المارة مع اقتراب الليل.
كانت عينه اليمنى ترفض الانغلاق، ولم تكن ترى الأعين الزرقاء هذه المرة، بل رأت زواحف من ظلال سوداء تنساب بنعومة ملعونة على جدران الأزقة، تاركة خلفها آثارًا تتوهج بزرقة شاحبة، وكأنها ترسم له مسارًا لم يره من قبل.
كانت القطعة النحاسية في جيبه تزداد سخونة وثقلًا، وتنبض بإيقاع منتظم يتطابق مع ضربات قلبه الخائف. حاول يونس جاهدًا أن يحوّل نظره نحو الأرض، وأن يركز على شقوق الطريق المألوفة، لكن خيوط الضوء الأزرق كانت تلتف حول زوايا الرؤية في عينه اليمنى، وتشُد انتباهه قسرًا نحو عمق زقاق ضيق، معتم ومسدود، لم يجرؤ أحد من باعة السوق على دخوله يومًا.
شعر برغبة عارمة في التقدم، بفضول قاتل يسري في عروقه كالسم، يحثه على معرفة ما الذي يختبئ في آخر هذا المسار الضوئي.
اقترب خطوة، ثم خطوة أخرى...
وحين صار على عتبة الزقاق، انقطع النبض الحراري في جيبه فجأة، وحلّ مكانه صمت برزخي مرعب.
في تلك اللحظة، رآها بعينه اليمنى بوضوح: كان الهواء في نهاية الزقاق يتجعد ويتموج كأنه ورقة تحترق، وبدا وكأن الجدار الحجري الأصم في النهاية يوشك أن ينقشع، ليكشف عن شيء هائل وراءه.
تملكه رعب غريزي مفاجئ؛ شعر أن خطوة واحدة إضافية تعني أنه لن يعود «يونس وراق النحاس» أبدًا.
وبفعل إرادي عنيف، أغمض عينه اليمنى، وضغط عليها بكفه حتى شعر بالألم، ثم استدار وساقاه تحملانه بعيدًا عن المكان.
ركض بكل ما أوتي من قوة، لاهثًا في شوارع السوق التي ابتلعها الليل، ولم يتوقف حتى دفع باب بيته، وأوصد الترباس الحديدي خلفه، ليرتمي على الأرض وعيناه معلقتان بالقطعة النحاسية التي أخرجها وألقاها على الطاولة... تلمع ببرود، كأنها تنتظر جولة أخرى.
استسلم يونس لإعياء جسده، وجلس في ركن غرفته المظلمة، مسندًا رأسه إلى الجدار. أغمض عينيه طمعًا في غيبوبة نوم تخرجه من هذا الكابوس، لكن النوم لم يكن ملجأً.
في اللحظة التي غفا فيها، وجد نفسه واقفًا مجددًا في ذلك الزقاق المسدود.
لكن السوق كان صامتًا تمامًا؛ صمتًا يخلو حتى من صوت أنفاسه.
نظر إلى الجدار الحجري في نهاية الزقاق، ولم يكن هناك باب، بل كان هناك والده.
كان والده يقف وظهره ليونس، مرتديًا جلبابه القديم الذي اختفى به منذ سنوات.
تعالت نبضات قلب يونس، واندفع نحوه صارخًا:
«أبي! أين كنت؟»
التفت الرجل ببطء، وحين واجه يونس، تجمد الدم في عروق البطل من الهلع.
لم يكن لوالده وجه...
كان مكانه فراغ أسود مطموس، وفي منتصف ذلك الفراغ تمامًا، كانت تتوسطه عين زرقاء ضخمة تنبض بضوء برزخي.
مدّ والده يده النحاسية الباردة، وقبض على معصم يونس بقوة هائلة، وهو يهمس بصوت يتردد من أعماق بئر سحيق:
{لقد أغلقتَ عينك يا يونس... لكنك نسيت أن الرصد لا يرى وجهك، الرصد يرى دمك. عُد إلى الباب... أو سيأتي الباب إليك.}
انتفض يونس واقفًا في فراشه وهو يصرخ، والعرق البارد يغرق جسده.
كان الفجر قد بدأ يلوح بخيوطه الرمادية الأولى من النافذة. تنفس بصعوبة وهو يتحسس معصمه، ليرى علامة حمراء داكنة على جلده، كأن أصابع معدنية كانت تقبض عليه قبل ثوانٍ معدودة.
نظر إلى الطاولة...
كانت القطعة النحاسية قابعة في مكانها، صامتة، لكنها لم تعد باردة.