NOVELFLEX

حضن لا يسقط

رواية: ما بيننا وعد · بقلم زهرة سارة

كانت الشمس تغرب بلونها الذهبي على نوافذ الاستوديو، والضوء ينساب داخل الغرفة بهدوء كأنه يربّت على كتف لولا .. انتهى العرض… انتهت العاصفة… وخلت الكواليس من الزحام، إلا من بعض المتأخرين في التنظيف أو التقاط الصور الأخيرة.

دخلت **أم لولا**، تحمل وردة بيضاء واحدة، وابتسامة رقيقة على شفتيها.

**الأم (بصوتٍ خافت):**

"لم أرد أن أصرخ بين الجمهور… لكنني كنت هناك ..  رأيتكِ."

**لولا**، ما إن رأت والدتها حتى ركضت إليها، وألقت بنفسها في أحضانها كما كانت تفعل عندما كانت طفلة.

**لولا (وهي تبكي بخفة):**

"أمي … هل كنتِ فخورة بي؟"

**الأم (تشد على ظهرها):**

"أنا فخورة بكِ منذ ولادتك، لولاتي… لكنني اليوم شعرتُ أن أباكِ كان معنا. كأنه واقف هناك، يصفق من آخر الصفوف."

**لولا (تضحك وهي تمسح دموعها):**

"تخيّليه يصرخ وسط الناس… (هاي، هاي، هاي! هذي بنتي!)"

ضحكتا معًا، ثم جلستا على المقعد الخشبي الطويل في زاوية الكواليس.

**الأم:**

"هل تعلمين؟ أنا خائفة عليكِ أحيانًا… هذا العالم لا يرحم، والمنافسة شرسة."

**لولا (تنظر إلى الأرض):**

"أعلم… لكنّي لن أترك حلمي. حتى لو اضطررت أن أمشي وحدي فيه."

**الأم (تلمس وجهها):**

"أنتِ لا تمشين وحدك. هناك ظل أبيكِ، دعائي، وصداقة كريس… لا تنسي أن هناك قلوبًا خلفك تدفعك للأمام."

**لولا (بابتسامة باهتة):**

" أمي… عندما أتخرج من الجامعة… سنذهب سويًا إلى قبر أبي ، حسنا ..؟ سيكون فخورا بي "

**الأم (بدمعة في عينها):**

"و سيبتسم… أعلم أنه سيفعل."

في الخارج، بدأت السماء تمطر خفيفًا، كأنها تحتفل بهدوء .. و في الداخل، كانت لولا تعيش لحظة لا تُنسى… بين الحلم الذي بدأ، والحب الذي لا يموت .

في اليوم التالي بعد عرض الأزياء، كانت لولا تسير في ممرات المدرسة بهدوء، ترتدي سترة سوداء بسيطة، وشعرها مربوط إلى الخلف.. حيث كانت الهمسات تنتشر بين الطالبات:

> "هل رأيتِ عرض الأمس؟ إنها لولا!"

> "من يتوقع أن تكون بهذا المستوى؟ إنها تبدو عادية في المدرسة!"

> "أصبحت مشهورة، أليس كذلك؟"

لكن لولا لم تهتم… كانت تمشي وكأنها لا تسمع شيئًا.

عند الاستراحة، جلست بجانب كريس على الطاولة، فتحت زجاجة العصير، وقبل أن تتحدث، ظهر **ديفيد** فجأة، مستندًا على الطاولة بيديه، يبتسم ابتسامة ساخرة.

**ديفيد (بصوت منخفض):**

"أيتها العارضة… لم أكن أعلم أنكِ تملكين هذه المهارة."

**لولا (دون أن تنظر إليه):**

"ولم أكن أعلم أن المغرورين يتابعون العروض."

**ديفيد (يرفع حاجبه):**

"كنت أبحث عن شيء مثير للاهتمام… ووجدته."

**لولا (تضع العصير وتلتفت له):**

"أمر غريب حقا .. ألا يكفيك الغرور ؟ أصبحت تلاحق الفتيات أيضا ؟ افف .. ستساعدني كثيرا إن توقفت عن ملاحقتي "

ضحكت كريس وهي تغطي فمها، أما ديفيد، فقد ابتسم وكأن الرد لم يُزعجه، بل أغراه أكثر.

**ديفيد:**

"أعترف… أنتِ مختلفة. لستِ مثل الأخريات."

**لولا:**

"لا أحتاج شهادة منك. ولن أكون جزءًا من مجموعتك."

**ديفيد (بنبرة أكثر جدية):**

"لولا… أنا لا أمزح. أنتِ مميزة فعلاً."

**لولا (ببرود):**

"حافظ على كلماتك، وقلها لمرآتك. أظنها تشتاق لإعجابك بها كل صباح."

سحب ديفيد يده من على الطاولة، ابتسم بهدوء، ثم قال:

**ديفيد:**

"يبدو أن التحدي بدأ."

واستدار مبتعدًا، تاركًا خلفه جوًا من التوتر… وشيئًا آخر لم تفهمه لولا، لكنه كان غريبًا.

**كريس (وهي تهمس):**

"أوه لا… أعتقد أنه بدأ يطاردك."

**لولا (بابتسامة ساخرة):**

"ليُطارد أحلامه إذًا… لأنني لست واحدة منها."

𓆩♡𓆪 ───────── 𓆩♡𓆪

مرت الأيام سريعًا، ثم تبعتها الأشهر… ثم السنوات.

**لولا** كبرت، وجمالها أصبح أكثر هدوءًا ونضجًا. لم تعد تلك الطفلة التي تهرب من أحزانها… بل أصبحت شابة تعرف تمامًا ماذا تريد، وأين تسير.

لم تلتقِ بـ **ماكس** منذ طفولتها..  لكنها لم تنسه… ولا ليومٍ واحد.

كانت تراه أحيانًا في منامها… صوته، ضحكته، خصلات شعره، وحتى نداءه الخاص لها:

> "لولاتي…"

تضحك لنفسها كلما تذكرت ذلك الاسم .. أما الآن، فقد التحقت بالجامعة، في قسم الإعلام والموضة، بعد أن حصلت على منحة دراسية بفضل أعمالها الأولى في عروض الأزياء، التي بدأت تتزايد ببطء لكنها بثبات .. وبالصدفة – أو قدرًا – التحقت معها في نفس الجامعة صديقتها **كريس**، التي اختارت قسم التصوير الفوتوغرافي.

في الجامعة، تغيرت الوجوه… وتغيرت الحياة .. لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: **ديفيد**

نعم، ما زال يُلاحقها. رغم مرور الوقت، ما زال يجد طريقه إليها، بحجج مختلفة، وابتسامات قديمة لا تموت.

**ديفيد** التحق بنفس الجامعة، بل وبقسم قريب منها. ورغم أنه حاول أن يتغيّر، إلا أن شيئًا في عينيه كان دائمًا يخبر لولا أنه لم يتوقف عن محاولاته.

في استراحة الجامعة، تجلس **لولا** تحت شجرة قديمة، تراجع ملاحظاتها بينما تشرب قهوتها .. و **كريس** تصل متأخرة، كعادتها، وتمسك بها من الخلف.

**كريس (تضحك):**

"هل تعلمين؟ قالوا لي إن ديفيد سجل في نفس الورشة التي اخترتها… هل تظنين أنه يعرف أين تذهبين؟"

**لولا (تغمض عينيها):**

"أقسم إن هذا الإنسان يملك رادارًا خاصًا بي."

**كريس (تغمز):**

"أنا لا أكره ذلك بصراحة… شخص يطاردك بهذا الإصرار؟ لا يحدث كل يوم."

**لولا (بنبرة صارمة):**

"لكنني لا أبحث عن مطارد… أنا أبحث عن…"

تتوقف فجأة.

**كريس (تنظر إليها):**

"عن من؟"

**لولا (بنبرة منخفضة):**

"... عن شخص ناداني يومًا بلولاتي."

**كريس (بدهشة خفيفة):**

"ماكس؟ لولا… لقد مرت سنوات."

**لولا (بعينين تلمعان):**

"ربما، لكنه لم يمر من قلبي بعد."

وفي مكان آخر من هذا العالم … كان **ليون** يتأهب لمهمة جديدة… وقريبًا جدًا، سيجمع القدر بينهما من جديد ، لكن… **هل سيكون اللقاء كما تتخيله لولا؟ أم أن الحياة قد غيّرت كل شيء؟**

𓆩♡𓆪 ───────── 𓆩♡𓆪

كانت الشمس تغيب خلف مبنى الجامعة، ترسم ظلالًا طويلة على الأرض، بينما تسير **لولا** بخطوات بطيئة في الحرم الجامعي، تحمل كتبها ودفترها الذي تمتلئ أوراقه برسومات وتصميمات لفساتين لم تُنفذ بعد… لكنها كانت تراها، تعيشها، كأنها حقيقية.

وصلت إلى مبنى الفنون، حيث ينتظرها موعد مع أستاذ تصميم الأزياء لمناقشة مشروعها الأول.

لكن قبل أن تدخل، ظهر **ديفيد** أمامها فجأة.

**ديفيد (بابتسامة هادئة):**

"لولا… هل يمكننا أن نتحدث؟ فقط دقيقتان."

**لولا (تنظر إلى ساعتها):**

"لديّ موعد مهم… تحدث بسرعة."

**ديفيد (يتنفس بعمق):**

"أنا أعرف أنني كنت مزعجًا… وربما مغرورًا. لكنني أحاول. منذ أن عرفتك… شعرت أنني أريد أن أصبح إنسانًا أفضل."

**لولا (ببرود):**

"من الجيد أن تحاول. لكنني لم أطلب منك ذلك."

**ديفيد:**

"أنا لا أريد أن أكون مجرد شخص في حياتك… أريد أن أكون جزءًا من مستقبلك."

**لولا (تحدّق فيه بنظرة ثابتة):**

"مستقبلي؟ ديفيد… مستقبلي لا مكان فيه إلا لحلمي. لقد وعدت والدي، وأنا لا أخلف وعودي."

**ديفيد (ينخفض صوته):**

"وهل هذا يعني أنه لا مكان لأحد في قلبك؟ حتى الآن؟"

**لولا (بهمس):**

"قلبي… ليس غرفة انتظار."

ثم تجاوزته، ودخلت المبنى، تاركةً ديفيد يقف في مكانه، يراقبها تختفي خلف الأبواب الزجاجية.

دخلت لولا القاعة ، وجلست مع أستاذها، تناقش تصميمها الجديد لفستان مستوحى من البحر والحرية والحنين.

**الأستاذ:**

"جميل جدًا… الألوان تعكس روحًا تبحث عن شيء مفقود. هل هو شيء… أم شخص؟"

**لولا (بابتسامة باهتة):**

"ربما كلاهما."

**الأستاذ : 

"عظيم .. أعجبني عملك يا لولا ، هل تمانعين إن أخذته ؟ سيعلق ضمن أفضل التصاميم " 

**لولا ( بابتسامة) : 

"بالطبع سيدي يمكنك ذلك " 

ثم خرجت من القاعة شاكرة لأستاذها و عادت إلى المنزل مرهقة ، دخلت غرفتها مباشرة .. استرخت قليلا ثم  فتحت ألبوم صور صغير، فيه صورة قديمة…

**لها وهي طفلة، تقف بجانب ماكس.**

لمست الصورة بإصبعها، وتمتمت:

> "هل ما زلت تتذكرني، يا ماكسي؟"

في تلك اللحظة… شعرت بهدوء غريب يملأ الغرفة. كما لو أن أحدًا ما كان يستمع.