NOVELFLEX

نظرات لا تموت بسهولة

رواية: ما بيننا وعد · بقلم زهرة سارة

كانت لولا تجلس برفقة كريس في زاوية هادئة من مقهى صغير قرب الجامعة، تفوح منه رائحة القهوة الطازجة والفانيليا.

كريس (تتحدث بحماس وهي تقلب هاتفها):

"هل رأيتِ الإعلان عن عروض الأزياء التي ستُقام قريبًا؟ علينا التقديم! أنتِ ستخطفين الأنظار حتمًا يا لولا."

لولا (تبتسم وهي تحتسي قهوتها):

"إن وافق عمي… ستكون معجزة."

كريس (ترفع حاجبها):

"نقنعه بالقوة."

ضحكتا معًا، قبل أن تنقلب أجواء الطاولة بدخول ديفيد إلى المقهى. كان يرتدي نظارة شمسية باهظة، يسير واثقًا بخطوات هادئة، إلى أن لمح لولا، فغيّر اتجاهه فورًا نحو طاولتها.

ديفيد (بابتسامة مصطنعة):

"مرحبًا… لولا، أيمكنني الحديث معك؟"

لولا (بتنهيدة):

"ديفيد، أنا مع صديقتي الآن."

ديفيد (ينظر إلى كريس):

"لن آخذ الكثير من وقتك." (ثم يتوجه لها بنبرة خفيفة) "بخصوص ما حدث البارحة… كنتُ فقط أحاول أن أكون مهذبًا، ولم أقصد إزعاجك."

لولا (تتأمل قهوته دون أن تنظر إليه):

"ديفيد… كونك غنيًّا لا يعني أن الجميع يريدك وصدقني، لا أحب من 'يحاول' أن يكون مهذبًا، بل من يكون كذلك دون ادعاء."

ديفيد (ينكمش للحظة ثم يبتسم بسخرية):

"فهمت… منذ متى أصبحتِ تحبين اللاعبين الغامضين؟"

كريس (تتدخل):

"أوه، لم أكن أعلم أن الغيرة تصيب شخصا مثلك."

ديفيد (يضحك بهدوء):

"سأتذكّر هذه الجملة." (يستدير للرحيل) "لكن سأظل أحاول… فالجميلات لا يُنسين بسهولة."

رحل بخطواته الثقيلة خلف كلماته.

لولا (تتمتم بغيظ):

"ثقته بنفسه تُتعبني…"

كريس (بضحكة خفيفة):

"وتجعلك تحمرّين قليلًا."

لولا (ترمقها):

"كرييس…"

خرجن من المقهى بعد دقائق قليلة، وأثناء عبورهما الطريق، اصطدمت نظرات لولا بعينين تعرفهما جيدًا…

ليون.

كان يقف على الطرف الآخر من الشارع، يرتدي معطفًا أسود أنيقًا، يحادث أحد المصورين، إلى أن وقعت عيناه فجأة على لولا

العالم كله توقّف.

لولا (همست):

"إنه هو…"

ليون (دون أن يحرّك جسده):

"…"

لم يقل شيئًا..لم تبتسم..لكن نظراتهما اشتبكت كما لو كانا يعيدان قراءة رسالة قديمة ضاعت منذ سنوات.

كريس (تلاحظ التوتر):

"هذا ليون؟"

لولا (بصوت خافت):

"أجل…"

ليون (بعينين مشوشة):

"لولاتي…؟"

لولا (تقطب حاجبيها و بصوت خافت ):

"ما الذي قلته؟"

تدارك ليون نفسه، لكنه لم يستطع التراجع عن النظرة التي نطق بها قلبه… بينما قلبها بدأ ينبض بعنف، وكأن شيئًا في داخله يعرفه… ويخشى تصديقه.. الهدوء الذي ساد الشارع بين نظرات **لولا** و**ليون** .. ، لم يدم طويلًا… فجأة، تُسمع خطوات متسارعة، وصوت مألوف يأتي من الخلف:

ديفيد (بصوت مرتفع):

"لولا! لقد نسيتِ مفاتيحك على الطاولة!"

استدارت لولا بسرعة، مرتبكة، بينما ليون بقي ينظر إلى ديفيد بتعبير غامض .. اقترب ديفيد وهو يمدّ المفاتيح بابتسامة كأنها محفورة لأجل الاستفزاز

ديفيد (ينظر إلى ليون ثم لولا):

"آسف على المقاطعة… هل كل شيء على ما يرام هنا؟"

لولا (تأخذ المفاتيح بهدوء):

"نعم، شكرًا.

ديفيد (ينظر لليون بطرف عينه):

"أوه… أليس ذاك ليون؟ لاعب كرة القدم؟"

لولا (ترد ببرود):

"نعم."

يذهب ديفيد إلى ليون (يبتسم بسخرية طفيفة):

"لطالما أحببت اللاعبين المتواضعين… ولكنك لا تبدو واحدًا منهم."

صمت متوتر.

لولا (تتدخل):

"ديفيد، هذا لا يعنيك."

ديفيد (يلتفت إليها فجأة):

"هل أخبركِ ماذا فعل هذا الشخص البارحة؟ تدخل بيني وبينكِ وكأننا في ساحة قتال! من الذي سمح له أصلاً أن يقرر ما إن كنت بحاجة للمساعدة أم لا؟"

استدار فجأة نحو ليون.

ديفيد (بتهكم):

"هل تعتقد أنك بطل خارق؟"

ليون (ينظر إليه دون أن يرمش):

"لا، لكنني أُجيد قراءة ملامح الانزعاج… والتي كانت واضحة على وجهها."

ديفيد:

"ومن قال إنها كانت بحاجة إليك؟"

لولا (تصرخ فجأة):

"كفى!" (ثم تنظر إلى ليون بعينين تغليان بالألم) "لماذا جعلت ديفيد يرحل أصلاً؟ لم أكن بحاجة إلى مساعدتك لكي أتخلص منه!"

صمت مطبق.

تراجع ديفيد خطوة للوراء مستمتعًا بلحظة الانتصار ، أما ليون… فقد بقي واقفًا، لكن ملامحه تغيرت تمامًا.

ليون (بصوت خافت):

"كما تشائين…"

ثم استدار… ورحل .. وقفت لولا مكانها، تشعر بشيء ثقيل على صدرها… لم تفهم لماذا قالت ذلك. ولماذا شعرت بالحزن حين رأت ظهره يبتعد.

كريس (تمسك بيدها):

"لولا… دعينا نرحل من هنا"

لولا (تهمس):

"أنا .. أنا .. اف ! لا عليك "

كريس:

" دعينا نجلس هناك أمام المقهى .. المكان فارغ"

جلستا معا، لكن كلاهما صامت ، إلى أن كسرت كريس الصمت قائلة :

"لولا .. كيف تشعرين؟! "

لولا:

" أنا .. أنا لا أدري .. شعور .. شعور يشبه الفقد !"

اقتربت منها كريس و ربتت على ظهرها قائلة :

" لا بأس .. سيمر "

أما ليون فرحل متوجها إلى بيته لكن كانت جملة واحدة تتردد في عقله :

"لماذا شعرتُ أنني أُطرد من قلب كنتُ أنتمي إليه؟"

في شقته الحديثة، ذات الطراز الصناعي البارد…

أغلق الباب خلفه بقوة، ورمى سترته على الأريكة.

خلع ساعته، ورماها على الطاولة الزجاجية…

جلس على حافة الأريكة، ثم مرّر يده على وجهه…

الصمت يبتلع المكان، سوى صوت أنفاسه المتوترة.

نهض فجأة، وذهب إلى المطبخ، فتح الثلاجة، أغلقها… لا يريد شيئًا.. ثم عاد إلى الغرفة، فتح درجا صغيرا ، كان فيه صورتين قديمين إحداهما تلك التي كانت في محفظته، و الأخرى صورة له وهو صغير، وفتاة بشعر بني طويل، تحمل دفترًا، وتبتسم ببراءة.

ليون (بهمس):

"لولاتي… هل يمكن أن تكوني أنتِ فعلاً؟"

يجلس ببطء، يحدّق في الصورة، ثم في الفراغ…

ليون (يحدث نفسه):

"عيناها… النظرة نفسها .. لكن الصوت، الطريقة التي ردّت بها… لست أنتِ ، لقد تغيرتِ… أو ربما أنا من تغير."

ينهض ويبدأ السير ذهابًا وإيابًا.

ليون (بغضب مكبوت):

"لماذا قالت إنها لا تحتاج مساعدتي ، هل هذا لأنني قلتها لها في المشفى؟ أم أنها لا تريد حقا ؟هل أصبحتُ عبئًا الآن؟ هل تظن أنني تدخلت لأني رأيت فتاة غريبة؟ لا… أنا…"

يتوقف فجأة، ثم يهمس:

"أنا رأيتكِ." يصمت طويلًا، ثم يضرب الطاولة بيده و يقول :

"أردت أن أقول لكِ من أنا… لكنكِ هجمتِ عليّ بكلماتكِ… طردتني قبل أن أقترب."

يرن هاتفه فجأة، يظهر على الشاشة اسم "أبي".

يتنهد… لكنه لا يرد .. ثم يفتح تطبيق الملاحظات ويبدأ بالكتابة:

> *"هل كان عليّ أن أبقى بعيدًا؟

> هل كنت فقط ذكرى بالنسبة لها، ذكرى ماتت وانتهت؟

> أم أن هناك شيء ما… في عينيها… ما زال يعرفني؟"*

ثم يمسح كل شيء، ويطفئ الهاتف .. يسحب غطاء السرير ويستلقي وهو يحدّق في السقف .. في قلبه سؤال واحد:

"هل ستعرفينني إن ناديتكِ بلولاتي؟"

حلّ الليل ببطء، وبدأت المدينة تهدأ من حوله، بينما بقيت أفكاره مستيقظة. تناول هاتفه أكثر من مرة، و كان يريد مراسلتها ، لكنه لم يكتب شيئًا. كان ينتظر منها أن تبادر، وفي الوقت نفسه يرفض أن يكون هو من يفعل ذلك.

أما لولا، فقد قضت المساء برفقة كريس، تحاول أن تبدو طبيعية رغم أن ما حدث لم يفارق تفكيرها. استمعت إلى صديقتها وهي تتحدث، وأجابتها بين الحين والآخر، لكن عقلها كان يعود إلى الشجار كلما وجدت نفسها شاردة.

وحين عادت إلى المنزل، بدّلت ملابسها واستلقت في سريرها، محدّقةً في سقف الغرفة. أقنعت نفسها بأنها لا تريد التفكير فيه، ثم التقطت هاتفها دون وعي، وكأنها تنتظر رسالةً لن تعترف حتى لنفسها بأنها ترغب في وصولها.

مرّت الساعات، وانتهى اليوم دون أن يتواصل أحدهما مع الآخر

في صباح اليوم التالي…

دخلت لولا بوابة الجامعة وهي ترتدي معطفها البيج الطويل، تحاول أن تبقي رأسها مرفوعًا رغم كل ما كان يدور في داخلها.

كانت كريس تنتظرها كالعادة، تلوّح لها من بعيد قرب مقاعد الحديقة الجامعية.

كريس (بمرح):

"وأخيرًا استيقظتِ أيتها الأميرة النائمة!"

لولا (بضحكة خفيفة):

"لم أنم أصلاً… عقلي ظل يعمل طوال الليل."

كريس (بفضول):

"لا تقولي لي إنك ما زلتِ تفكرين في ديفيد؟"

لولا (مترددة):

"لا… ليس ديفيد. بل… ليون."

كريس (منبهرة):

"أوه، هذا الشاب الوسيم المتعجرف؟ لم أركِ هكذا من قبل!"

لولا (بصوت منخفض):

"عندما نظر في عينيّ… شعرتُ بشيء غريب.. كأنني أعرفه… كأن قلبي ارتجف.. كأن شيئًا ما بداخلي قال: هذا هو…"

كريس (بصوت حاد):

"توقفي فورًا! لا تقعي في غرامه! إنه ليس ماكس، لولا. إنه شخص غريب، بارد… وحتى إن كان يشبهه…"

لولا (مقاطعة):

"لكن ماذا لو كان هو؟"

كريس (صمتت قليلاً، ثم تنهدت):

"حتى لو كان… ما الذي يثبت أنه ما زال الشخص الذي كنتِ تحبينه؟"

لولا (بعيون دامعة قليلاً):

"لا أعلم… لكن عينيه تفضحانه. في تلك النظرة، رأيت كل الماضي… وكل الألم."

تدقّ ساعة الحصّة… فتنهض لولا وتحمل كتبها.

كريس (بقلق):

"لولا… احذري من أن يفتح أحدهم جراحكِ القديمة… فقط لأنك تشتاقين."

لولا (بابتسامة حزينة):

"أعدكِ… أن أكون حذرة. لكنني لن أهرب من الحقيقة."