• الفصل الاول : "أَسِيرَةُ اللَّيْلَةِ الْمَأْسَاوِيَّةِ."
في احد الليالي الممطرة ، وسط العواصف الرعدية العنيفة ، انقلبت حياة ناسليهان موسكايا رأسا على عقب كان صوت المطر يتداخل مع صوت صراخها الخائف ...
حيث فقدت كل ماتملكه في ذالك اليوم ، والديها اللذان تعرضا لحادث مميت ، اثر انقلاب سيارتهما بسبب غزارة الامطار وازدحام الطريق .
منذ تلك الليلة المظلمة ، انكسر شيء بداخلها فتحولت من فتاة مشاغبة وحيوية الى جسد بلا روح ،تطاردها الكوابيس كلما امطرت السماء ، حيث صارت تلقي بالوم على نفسها معتقدة انها سبب وراء وفاة والديها ، فقط لانها توسلت اليهما كي يذهاب معا الى سنما ، تولت خالتها رعايتها منذ ذالك اليوم ، فلم يعد لها احد في هذا العالم سواها بعد رحيل والديها ، وقد مرت ثلاث اشهر على الحادث المؤساوي . لم تتغير حالة ناسليهان قط، اذا ظلت منعزلة في غرفتها طوال تلك الفترة ،غارقة في صمتها ووحدتها.
بعد ان لاحظت خالتها انها صارت منعزلة تماما،وترفض التحدث مع اي احد او الخروج من غرفتها ، تحدثث مع زوجها وقررا معا اخدها الى طبيب نفسي ليعاين حالتها، لعلها تجد طريقة لتحسن وشفاء .
في البداية، رفضت ناسليهان الفكرة تماماً، لكن خالتها تمكنت من إقناعها بأسلوبها الخاص الدافئ. وفي اليوم التالي، جهّزتا نفسيهما للذهاب إلى مكتب الطبيب النفسي، الدكتور أنجيلو سبكوتشي، الذي كان يجلس في تلك الأثناء داخل عيادته، يرتشف من كوب القهوة الدافئ بين يديه، وينظر من النافذة إلى إطلالته الجميلة التي لا يهدأ باله إلا إذا تأملها،
، وهو يقول: منظري وما أهواك في بصري، يا من جعلتِ نفسي حائرةً في محرابِ السكون، أراكِ في كلّ أفقٍ وفي كلّ طيفٍ يمرّ، كأنكِ الملاذُ الأخير لعقلٍ أرهقتهُ تفاصيلُ البشر..."
وَفَجْأَةً، وَبَيْنَمَا كَانَ غَارِقاً فِي تَأَمُّلَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ، سَمِعَ طَرَقَاتٍ خَفِيفَةً عَلَى الْبَابِ. فَتَحَتِ السِّكْرِتِيرَةُ الْبَابَ، فَدَخَلَتْ «نَاسْلِيهَانُ» بِرِفْقَةِ خَالَتِهَا وَزَوْجِهَا إِلَى غُرْفَةِ الطَّبِيبِ وَأَلْقَوْا السَّلَامَ. وَضَعَ الدُّكْتُورُ كُوبَ الْقَهْوَةِ مِنْ يَدِهِ وَرَدَّ:
— «وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.»
عِنْدَمَا أَدَارَ ظَهْرَهُ وَرَأَى «نَاسْلِيهَانَ»، بَدَأَ قَلْبُهُ يَدُقُّ كَدَقَّاتِ الْجَرَسِ؛ فَقَدْ غَادَرَ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ سِحْرَ جَمَالِهَا. كَانَتْ «نَاسْلِيهَانُ» فَتَاةً آيَةً فِي الْجَمَالِ، ذَاتَ عَيْنَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ وَشَعْرٍ أَشْقَرَ طَوِيلٍ وَنَاعِمٍ. لَمْ يَرَ أَحَداً بِهَذَا الْجَمَالِ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَغْرِباً:
*«هَلْ هَذَا مَلَاكٌ هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ، أَمْ بَشَرٌ مِثْلِي؟!»*
وَرَغْمَ ذَلِكَ، كَانَتْ تَبْدُو عَلَيْهَا عَلَامَاتُ الْخَوْفِ وَالْحَسْرَةِ تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْهَا الْخَضْرَاوَيْنِ.
تَمَكَّنَ الدُّكْتُورُ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ بِصُعُوبَةٍ وَعَدَّلَ هَيْئَتَهُ، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْكَرَاسِيِّ الْحَرِيرِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ أَمَامَ مَكْتَبِهِ قَائِلاً:
— «تَفَضَّلُوا بِالْجُلُوسِ، مَرْحَباً بِكُمْ فِي عِيَادَتِي. هَلْ تُرِيدُونَ شُرْبَ أَيِّ شَيْءٍ؟»
فَأَجَابَتَا:
— «لَا، شُكْراً لَكَ.»
عَرَّفَهُمْ بِنَفْسِهِ قَائِلاً:
— «أَنَا الدُّكْتُورُ أَنْجِيلُو سْبِيكُوتْشِي، أَخِصَّائِيٌّ نَفْسِيٌّ. بِمَاذَا يُمْكِنُنِي مُسَاعَدَتُكُمْ؟»
فَحَكَتْ لَهُ خَالَتُهُمَا تَفَاصِيلَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَأْسَاوِيَّةِ، وَعَنِ الصَّدْمَةِ النَّفْسِيَّةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا «نَاسْلِيهَانُ»، وَالَّتِي حَالَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ إِكْمَالِ حَيَاتِهَا الَّتِي طَالَمَا رَغِبَتْ فِي عَيْشِهَا؛ فَقَدْ كَانَتْ تَطْمَحُ أَنْ تَصْبَحَ طَبِيبَةَ جِرَاحَةٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَالَ الطَّبِيبُ لِـ«نَاسْلِيهَانَ»:
— «أَنَا سَوْفَ أَكُونُ صَدِيقَكِ وَلَيْسَ طَبِيبَكِ، لَا تَقْلَقِي... هَلْ يُمْكِنُكِ النَّظَرُ إِلَيَّ لَحْظَةً؟»
لَمْ تُجِبْهُ؛ فَقَدْ كَانَتْ عَيْنَاهَا مُغْرَوْرِقَتَيْنِ بِالدُُّمُوعِ، وَالْخَوْفُ وَالتَّوَتُُّرُ وَاضِحَيْنِ عَلَيْهِمَا.
قَالَ لَهَا مُجَدَّداً:
— «هَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تَحْكِي لِي مُشْكِلَتَكِ؟ أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهَا مِنْكِ أَنْتِ.»
وَفِعْلاً، كَانَ يَقُومُ بِعَمَلِهِ كَطَبِيبٍ نَفْسِيٍّ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ يَتَوْقُ لِسَمَاعِ صَوْتِهَا، وَيَتَأَمَّلُ سِحْرَ عَيْنَيْهَا اللَّتَيْنِ تُشْبِهَانِ الإِطْلَالَةَ الَّتِي يَعْشَقُهَا، لَكِنَّهَا رَفَضَتْ تَمَاماً إِجَابَتَهُ؛ وَكَأَنَّ قَلْبَهَا وَتَفْكِيرَهَا مَا زَالَا أَسِيرَيْنِ لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمَأْسَاوِيَّةِ، وَطَبَعاً هَذَا قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ، لَا يُمْكِنُنَا قَوْلُ شَيْءٍ سِوَى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ».
قَالَ أَنْجِيلُو لِخَالَتِهَا وَزَوْجِهَا:
— «لَا تَقْلَقُوا، مِنَ الطَّبِيعِيِّ جِدّاً مَا حَدَثَ مَعَهَا؛ صَدْمَةٌ بِسَبَبِ مَا وَاجَهَتْهُ، وَقَدْ عَايَنْتُ حَالَاتٍ كَثِيرَةً مِثْلَ حَالَتِهَا، بَلْ وَأَسْوَأَ مِنْهَا، لَكِنَّهُمْ مَعَ الْوَقْتِ تَجَاوَزُوهَا، وَهِيَ أَيْضاً سَوْفَ تُقَاوِمُهَا وَتَتَجَاوَزُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. لَقَدْ تَحَدَّثْنَا مَعَهَا بِمَا يَكْفِي الْيَوْمَ، وَلَنْ نَضْغَطَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ، وَسَوْفَ أُقَدِّمُ لَكُمْ بَرْنَامَجاً لِلْمَوَاعِيدِ الْمُقْبِلَةِ، وَأَتَمَنَّى أَنْ تَأْتُوا فِي الْمَوْعِدِ.»
بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْعِيَادَةِ، جَلَسَ أَنْجِيلُو فِي مَكْتَبِهِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا حَدَثَ بَعْدُ! صَارَ يُفَكِّرُ بِالْجَمَالِ الَّذِي رَآهُ أَمَامَهُ قَبْلَ قَلِيلٍ. مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ دُرْجِ الْمَكْتَبِ، وَأَخْرَجَ كُرَّاسَ مُذَكَّرَاتِهِ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ مَا يَحْدُثُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ بَدَأَ فِي الْكِتَابَةِ:
«لَقَدْ أَتَيْتِ وَلَمْ أَكُنْ أَنْتَظِرُ مَجِيئَكِ يَوْماً... جَعَلْتِ قَلْبِي يَنْبَضُ نَبْضاً رَعْدِيّاً، وَوَقَعْتُ فِي سِحْرِ عَيْنَيْكِ وَكَأَنِّي وَقَعْتُ وَسَطَ بِئْرٍ لَمْ يَمُرَّ مِنْ أَمَامِهِ أَحَدٌ...
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي الْمُعَالِجُ، حَتَّى رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْكِ الْحُزْنَ يَرْتَدِي صُورَةَ الأَمَلِ... فَكَيْفَ يُدَاوِي الْمَرْءُ جُرْحاً وَهُوَ يَرَى فِي مَرِيضِهِ التِّرْيَاقَ لِدَائِهِ؟!»