يصرخ في وجهها قائلا: وهل تحسبين أنك المسكين الوحيد.
تجيب: لكنك لم تكن في المقدمة.
_ لكني كنت موجودا، كنت هناك بين ثناياك، أرى من يراك وأعرف ما يختلج في مكنونك وفحواك.
_ تجيب صارخة والغصة تبتلع جل كلامها:
لمَ لا تفهمني؟ هل أنت حقا كياني؟ من أنت؟ أجبني، لمَ أشعر أنك غريب عني؟ لمَ لا تحس بي؟ لمَ لا تشعر بما يتعبني؟
_ رد ضاحكا مقاطعا كلامها: وهل قررتِ نسياني الآن مثلهم؟ هل قررتِ الآن أن أكون من تمحينه من ذاكرتك التي أفرغتها.
_ باكيا في نفس اللحظة، مغيرا طبقة صوته، معبرا عن حزن كبته كثيرا، منفجرا كقنبلة انتهى عدادها من زمن بعيد لكنها لم تنفجر خشية أن تؤلم عن غير قصد أحبائها: ولمَ عليّ أن أكون المظلوم دائما؟ لمَ عليّ أن أكون الصامت الساكت المتعفن في بحر التبكم والآهات؟ لمَ لا تشعرين أنتِ بي؟ لمَ يا أنا عليّ أن أصيح بصمت، أن أصرخ بصوت مبحوح لا يسمعه سوانا، بل إنك لا تلقين حتى أنتِ له بالا؟
_ تقول وكلها قسوة عليه: سواء أحببت أم كرهت، اقتنعت أم لا، شئت أم أبيت، أنا هنا من في المقدمة وأنا من يتألم أكثر من غيري، هل تفهمني يا كياني؟ هل تفهمني؟ سئمت من التبرير لكل كبير وصغير، كرهت نفسي من كرهي العالم أجمع ونسيته ونسيت نفسي معه، فهلا تركتني يا شيطاني البريء أنساك أيضا مثلهم جميعا، مثل كل من آذاني وتلذذ بتعذيبي واستهان بي. هلا تركتني وشأني فإني قد سئمت منك ومني بل منا يا من أنا له أنا وهو لي أنا.
ولا يفهم هذا غيري وغيرك يا أنا.
_ طأطأ الكيان رأسه محبطا متذكرا كيف بدأ كل شيء.
أولا : بداية قصة تنهي روايتي
فصل جميل وكل الفصول عندي حلوة، فلا هم يلاحقني ولا حزن يكدر صفو روحي، إلا ذلك الجالس هناك عند زاوية من الزوايا، يلملم شتات نفسه، يضم ساقيه إلى صدره، يتمتم بكلمات لا أفهمها ولا أريد أن أفعل، فلا هو أنا ولا أنا هو، إذن فليعش كل منا كما يشاء.
بدا هادئا كبحر يخفي في جوفه وفي أعمق وأظلم نقطة منه قصة لا تحتمل أذناي سماعها ولا يريد قلبي حملها.
تبدو حكاية بثقل الجبال، بعمق المحيطات، بغرابة الغربان. أجل الغربان فهي مخلوقات أحبها لكنها غريبة، سوداء تحب كل ما هو لامع وجذاب، على عكسها كما يزعم البعض وطبعا ليس أنا.
تمر الأيام ولا يحرك ساكنا ولا يقول حرفا، هل مازال يذكر الأبجدية؟ هل يتذكر كيف تمشي الكائنات؟ هل هو يتنفس أصلا؟ وما شأني أنا؟ لمَ أهتم؟ بل لمَ هو وحده من أراه هنا؟
لحظة، عليّ أن أتشجع، أنا لا أعرف نفسي جبانة أبدا.
_ ما اسمك يا هذا؟ ولمَ أنت هنا؟ بل هلا أخبرتني لو سمحت من أنا؟
لم يكلف نفسه جهد الاستدارة لمقابلة وجهها، بل لم يكن يريد أن يكلمها أصلا، لكن ماذا عساه يفعل؟ فها هي دعواه تتحقق، قد دعا أن تؤنس وحدته كما عهدها، فهي هو وهو هي ولا يفهم هذا غيره وهي.
أجاب بلسان ثقيل: أهلا يا أنا، مرحبا بكِ في جحيم وعيي ونعيم جهلك.
أهلا يا معذبة فؤادي وممزقة مهجتي. مرحبا بكِ معي في عرين الشيطان البريء أيها الملاك المتوحش.
_ لم تفهم فلسفته فأعادت السؤال: هلا تفضل حضرتك عليّ بأن يخبرني عن اسمه لو سمح.
مع الأسف عزيزتي لم تسميني قبل أن تفجعيني بوابل سهامك المغروسة في صدري، لم تطلقي عليّ اسما يا ملاكي الـ...
_ حسنا، فهمت، إذن ما عندك؟ ماذا تفعل هنا؟ لمَ أنت معي منذ أن أفقت؟
لم تكن تعلم أن هذا السؤال بالذات هو المحرم، وأنها بسذاجتها هذه قد أيقظت شيطانا كان يحاول جاهدا أن يبقى بريئا.
... للأسف حبيبتي الجميلة، أنا هو كيانكِ، ولو أني أعلم أنكِ لن تفهمي. لكني مثل ما تقولون جانبكِ المعتم ومخزنكِ المهجور، ببساطة أنا أنتِ لكن من الداخل.
هل فهم ملاكي الوحشي كلامي؟
_ قالت غاضبة من اللقب الذي ينعتها به ولا تفهم له سببًا، ففي نظرها قد التقيا منذ أيام ليس إلا وقد حدثته منذ برهة لا أكثر، فمتى كانت ملاكًا بل الأحرى القول متى كانت متوحشة معه:
فهمت يا فيلسوف عصرك، إذن أنت هو ظلي لكن من الداخل، أي أنك شيء أشبه لقريني.
_ لا عزيزتي لا تشبهيني بتلك الكتلة التي تراكِ وتسمعكِ وأنتِ لا، فأنا أراكِ وترينني وأسمعكِ وتسمعينني، هل فهم ملاكي الفرق؟
_ أومأت بنعم، إذن ما هو اسمي؟
_ حسنًا هذا سؤال لن أجيب عليه ولن يجيبكِ أحد عليه، فهذه مهمتكِ.
_ طيب لما أنت هكذا؟ لما أنا عكسك رغم أنك وأنا شيء واحد؟
_ أجاب غاضبًا قبل أن تكمل ما تحاول الرمي إليه: اسمعي حلوتي المرة، وقد أحاط عنقها بإحدى يديه بينما تحسس بالأخرى على وجنتها ماسحًا لؤلؤة سقطت غصبًا عن محجريها. إن جوابي على هذا السؤال لن يقدم بيننا شيئًا وإنما سيؤخر، سنعود لنقطة ما تحت الصفر وعندها لا يعلم أحد ما سيكون رد فعلي.
تركها مرمية تسترد أنفاسها بصعوبة قائلة يا لك من مجنون أيها الشيطان المجرم.
هل ترغبون في معرفة شيء ما؟ أنا لست سيئًا أرجوكم، أنا شخص مجنون، أنا مريض، أنا أنا لا أعرف ما بي، لا بل أعرف. أعرف تمامًا ما بي، أنا شخص حزين، صدقوني أنا مظلوم، أنجدوني. آسف يا عالمي الظالم، فأنا لم أكن هكذا، أنا لست سيئًا، أنا مجروح.
أمن أحد يصدقني ؟