تراجعت خطوة متوترة إلى الخلف.. وقبل أن تتمكن من الاستدارة والهرب.. التفت نحوها بسرعة خاطفة لتلتقي عينيهما في نظرة مباشرة جمدت الدماء في أوصالها...
راقب اهتزاز حدقتيها والاضطراب الواضح في ملامحها.. فعلم فوراً أنها تحشد شجاعتها للفرار
لم تتريث وحاولت الالتفاف ومن ثم الهرب.. إلا أنه كان أسرع بكثير؛ ضرب الأرض بقدمه لتسري موجة صقيع خاطفة جمدت الجليد تحت قدميها تماماً... وصنعت جداراً ثلجياً سميكاً يطوقهما معاً في حلقة مغلقة
في تلك اللحظة، أدركت الفتاة أن لا مفر لها من قبضته... بينما وقف هو يتأملها بهدوء غريب
انسابت في عقله ذكريات مبعثرة، واستعاد كل ما سمعه طوال السنوات الثماني الماضية عن اللعنات والنباءات التي تحيط به وبمن حوله
ارتسمت على ثغره ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى... ثم بدأ يقترب منها
كانت خطواته هادئة.. بطيئة ومحسوبة تعبر عن سكونه الداخلي الثابت، في حين كانت هي تحصي خطواته تلك في رأسها وتضربها في الضعف لتضبط نبضات قلبها المرتعبة وأنفاسها المتسارعة
خطا ناب خطوته الأخيرة ووقف أمامها مباشرة.. متجاوزاً كل توقعاتها
راقبته بعينين متسعتين وصمت مطبق.. حتى رفع يده ببطء ووضع كفه الباردة على وجنتها يتلمس بشرتها برفق
تضاعفت ضربات قلبها كطبول حرب وهي تشعر ببرودة أصابعه تنساب في وجنتها وجسدها
ولم ينقذها من هذا الذهول سوى صوته الهادئ الذي نبس به.. صوت يشبه حفيف الرياح الشتوية الباردة وهو يقول
«لعنتي الصغيرة... هذه أنتِ إذن»
بدا وجهه مسترخياً وبارداً في حين اشتعلت وجنتاها بالحمرة وتلونت ملامحها بالارتباك الشديد .
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
مشاعر من رماد
كمدٌ مكتوم في الصدر... يرتعش في كل ثانية ليسري في أطراف الجسد كلها، كأنما اتفقت ذرات الوجود على خلق ساعة خاصة للوجع. لم يعد الإغلاق على العينين يجلب راحة، وباتت كل محاولة للسكون جولة أخرى خاسرة
العنق مشدود.. والأطراف باردة.. بينما تئن الروح في الداخل مستجديةً رأفةً لا تأتي، والآهات متراكمة في الأعماق كجليد تكثف فوق المنفذ الوحيد المتبقي لمرور الهواء
و وقت ثابت متجمد في تحالف وثيق مع توقيت الألم
تتقلب على وثير الفراش كحبة ثلج ألقيت فوق رمال مستعرة بجحيم حارق؛ نار تتغذى على دموع تلك الحبة التي تذوب ببطء حتى القطرة الأخيرة، تندب حراً أفقدها القدرة على جمع شتات نفسها، أو التماس فرصة واحدة للملمة الروح
آهة طويلة تمتد، تسلب معها خيوط حياة قاربت على الانتهاء
تمتد أصابعها المرتجفة نحو موضع الوجع في عنقها؛ تلك الفتحتان اللتان تمتص إحداهما الدماء وتستنزف الأخرى الروح. تقبض عليهما بأظافر أهملها الألم، تحك الجلد بعنف مرة تلو أخرى، تحاول جاهدة خنق الوجع الداخلي بوجع خارجي تصنعه بنفسها، بحثاً عن راحة مدمية تخدر الموضع لشدة الاحتكاك العنيف الذي جرى عليه
أسبلت جفنيها أخيراً. تشكلت على ثغرها ابتسامة باكية، شاحبة كغروب يحتضر، كأنها ظفرت أخيراً بتلك الراحة التي ركضت خلفها طويلاً، بنومٍ استعصى عليها دهراً. انغلق العالم الخارجي مع انطباق هدبها، ومالت نحو سكونٍ متخيل
لم يعد يربطها بالوجود سوى دماء تغلي في موضع عنقها المدمى بفعل أظافرها، وصقيع قارص يلتف حول جسدها الهزيل ككفن من جليد
أربع لحظات من السكون المطلق..
صمت
ثم انغراسة عنيفة بترت الصمت وجعلت الأرض تمور من تحتها
ارتجف جسدها بانتفاضة مباغتة وتقلصت عضلات وجهها بعنف تذكيراً بأن الوجع لا ينتهي.. وأن السكون مجرد وهم
غرس أنيابه أعلى عنقها بوطأة لم تعهدها من قبل..
تشنجت أصابعها تقبض بقوة اليأس على نسيج ملابسه، بينما كانت أنيابه تتوغل أكثر بالتزامن مع ذراعيه اللتين التفتّا حول قفصها الصدري لتعصراه حتى تلاشت قدرتها على التمييز..
أي جزء في جسدها يصرخ الآن؟ لم تعد تدرك
زحف بين قدميها صاعداً فوق الغطاء الهش الذي تظاهر واهماً بحمايتها من صقيع هذا الرجل ميت القلب
همست من بين أسنانها المصطكة، بكل ذرة طاقة تشبثت بها روحها لتستجدي الخلاص والوقوف "أرجـــــ(سأموت)ــــوك..."
ارتفع رأسه ببطء.. وفتح عينيه الداميتين ساحباً أنيابه برفقٍ غريب ناقض وحشيته السابقة
حدق في تقاطيع وجهها المتشنجة من الألم.. وعينيها اللتين تحدرت منهما دموع ساخنة تضاهي غليان دمائها
همس وعيناه شبه مغمضتين قبل أن يطيح بالغطاء بحركة خاطفة عجزت عينها عن ملاحقتها، وقبض على ثوب نومها الرقيق "أمستعدة لتسليم روحكِ لي؟
أمالت رأسها جانباً بحرقة.. عاجزة عن كتمان شهقاتها المتلاحقة
انفرج ثغره عن ابتسامة وقحة.. تلاها دوي تمزق الثوب الهش بين يديه كأنه لم يكن
قبض على فكها بقوة شلت حركتها، ثم هبط عليها بقبلة حارقة بعثت نيران جحيمه في أوصالها المتجمدة.. صاهرةً كل صقيع مضى
غرس أصابعه بعنف في لحم نهدها ممهداً الطريق لأنيابه.. لتنطلق من جوفها صيحة شقت جمود القصر البارد... معلنةً مستهل ليلة جديدة من عذاب دامٍ لا يرحم.
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
زواج على هامة العصى
في حجرته الخاصة ، كان العجوز يقف كعادته حين يستغرق في التفكير العميق؛ جسده مستقيم، يداه خلف ظهره، وعيناه معلقتان بفتحة النافذه يرى من خلالها تفاصيل خططه بعقله بينما يغيب عما يقع أمامه مباشرة
لكن تلك النسمة شديدة البرودة التي هبت فجأة في أرجاء الغرفة كانت علامة يعرفها جيداً وتسبق دائماً قدوم شخص واحد
تسلل التساؤل إلى ذهنه عن سبب مجيئه في هذا الوقت... فالتفت ليقابله بعد أن كان يولي الباب ظهره قائلاً «أهلاً بقدومك يا...»
انقطع صوته فجأة كأن الهواء قد سُحب من رئتيه، وصرخ بصدمة عارمة جعلت نبرته تخرج قوية وصارمة «أنتِ؟! كيف...»
أجابه الفتى ببرود مفرط وثبات تام «أنا ناب»
هتف العجوز بانفعال شديد وهو يتقدم نحوه خطوات «أعلم من تكون أيها الوغد! تساءلتُ عن الذي تحمله بين يديك!؟»
رد بعدم أكتراث «أبنتك»
العجوز بعصبيه «أعلم جيداً أنها ابنتي! ما الذي تفعله وهي مستسلمة بين يديك هكذا؟»
رد ناب بنبرة خالية من أي فهم أو إدراك للموقف «أحضرتها إلى هنا لأنها عجزت عن السير بقدميها»
حاول العجوز الحفاظ على صبره وسأله بنبرة حادة «ولماذا لا تستطيع السير؟»
«نظرتُ إليها فتجمدت في مكانها، ولم أفهم الكلمات التي كانت تحاول قولها»
اتسعت عينا العجوز بغضب عارم ليصرخ به «أنت من جمدتها!! هل فقدت عقلك أم ماذا!»
نظر إليه ناب بصمت مطبق ولم ينطق بكلمة.. ليدرك العجوز أن هذا الفتى الأحمق لم يدرك بعد مدى قوة وتأثير طاقته الجليدية على الآخرين، فضرب جبهته بكفه بحسرة وهتف مجدداً «لقد شللت حركة ابنتي تماماً يا هذا! كيف تجرؤ على فعل هذا بها؟ ألا تعلم أن صقيعك لجسدها يعتبر سمّاً زعافاً؟»
فتحت عينا ناب بدهشة حقيقية؛ فهو لم يفكر يوماً في تأثير قوته على من حوله.. ولم يسبق له استخدامها ضد أي فرد من أفراد قبيلته
نقل العجوز نظره إلى وجه ابنته المحمولة، فلاحظ الحمرة الشديدة التي لا تزال تكسو وجنتيها والارتباك الواضح في عينيها اللتين تحاولان تجنب النظر إليهما فصرخ كمن استوعب حقيقة أخرى «أنت يا ولد! إلى متى ستظل واقفاً وتمسك بها هكذا؟ أنزلها فوراً!»
انتفض جسد الفتاة ذعراً وخجلاً من صرخة والدها، وشعر ناب بارتعاشها فتقدم ووضعها برفق ولين فوق الفراش الوثير المصنوع من فراء الدب الأسود
استقام ناب في وقفته ليجد عيني العجوز الحادتين تكادان تخترقان صدره... فسأل ببرود «ماذا هناك؟»
رد عليه العجوز بسؤال آخر «لماذا هي تبدو في هذه الحالة المزرية؟»
ناب «حالة ماذا؟»
التفت العجوز نحو ابنته.. فسارعت بخفض رأسها تماماً وأشاحت بنظرها إلى الجهة الأخرى، ليعقب ناب بتفكير وتأمل «تبدو كمن أكل القط لسانها»
ثم أردف مدافعاً عن نفسه «لقد كانت على هذه الحال منذ أن أمسكتُ بها في الساحة، ألم أخبرك أنني لم أفهم حرفاً مما كانت تقوله؟»
نفد صبر العجوز تماماً فصرخ به «ولماذا تخرس فجأة بلا سبب ظاهر؟ هل فعلت لها شيئاً مريباً؟»
أجاب ناب بنبرة تجمع بين البرود والبراءة المتناهية «لم أفعل شيئاً يُذكر»
سأله العجوز متسرعاً بتوجس «ماذا فعلت؟ تحدث!»
رد ناب ببساطة مطلقة «قبلتُها فقط لتصمت!»
تردد صدى صرخة العجوز المذهولة في أركان الغرفة «ماذا قلت؟! قبلتها؟!»
احتقن وجه الفتاة بالدماء كالجمر المشتعل، ونظرت إلى ناب بغيظ عارم ورغبة في قتله، بينما التفت ناب مجدداً إلى والدها وقال باستنكار واستفهام «ما بال هذه الكلمة تكررها باستمرار؟ لقد اخبرتك كانت تبكي بشدة ولم أجد وسيلة أخرى أوقف بها بكاءها ففعلت!»
رفع العجوز عصاه الخشبية الثقيلة وهوى بها بقوة فوق رأس ناب صارخاً «توقف بكاءها بأن تسحب صقيعك اللعين وتلجم لسانك هذا الذي تبرأ منك! أدركت الآن كيف تتصرف يا وغد!»
حك ناب موضع الضربة بانزعاج طفيف، ثم التفت نحو الفتاة مجدداً وبلا مبرر، راقت له نظرات الغيظ المشتعلة في عينيها ووجهها الذي استعاد الحياة أخيراً بعد أن نسيت أن لديها لساناً قادراً على النطق؛ فغمز لها بمكر مستفز
انتفض العجوز غضباً من وقاحته وهوت الضربة الثانية على رأس الفتى وهو يصرخ به «ألا تدرك حجم ما اقترفته يداك؟ ألم تتربَّ بين ذئاب الغابة وتعلم الأصول؟ لقد تجاوزت حدودك كثيراً وتعديت على حرمة بيتي وشرفي! أتريدني أن أقتلع عينيك هاتين؟»
تنهد ناب بضيق ثم جلس متربعاً على الأرض بلا مبرر لأستيائه.. بينما اهتز حاجب العجوز بعنف منبئاً بجلطة وشيكة من تصرفات هذا الفتى المستفزة
لكن ناب... كعادته سارع بقطع سيل اللوم والتذمر بجدية غير متوقعة قائلاً «لماذا تستعجل الخسائر والصدامات المستقبلية؟ دعك من عيني الآن، واجلس لنتحدث في أمر بالغ الأهمية»
رد العجوز بغضب ونبرة متهكمة «وأي أمر في هذا العالم قد يكون أهم من فعلتك الشنيعة هذه أيها الأحمق؟ ألا تدرك عواقب تصرفاتك الطائشة مع ابنة زعيم القبيلة؟ أي جهل وسخافة يقبعان في رأسك الحجري هذا؟»
أجابه ناب بهدوء مفرط وثبات عجيب «ما رأيك أن تهدأ قليلاً وتفكر معي في ترتيبات زواجنا أولاً، وبعدها نتفرغ لنقاش شؤون ابنتك وقبيلتك؟ لا شيء يميزك عني انت زعيم قبيلتك وانا زعيم قبيلتي لا فرق بيننا عدا انك عجوز خرف»
تهيأ العجوز ليتلقف كلماته ويصرخ في وجهه مجدداً... لكن عقله توقف فجأة ليتدبر العبارة غير المنطقية التي نطق بها ناب، فتساءل بذهول شديد كأن عدوى أسئلة ناب الغريبة قد أصابته هو الآخر «ماذا؟ زواج ماذا وتتزوج بمن أيها الأبله؟»
رفع ناب حاجبه بدهشة متبادلة وعقب ببرود «بالتأكيد لن أتزوجك أنت!»
رفع ناب حاجبه بدهشة متبادلة وعقب ببرود «بالتأكيد لن أتزوجك أنت!»
ما إن نطق بها حتى دوت الضربة الثالثة والأخيرة بالعصا فوق رأسه، قبل أن ينهار العجوز جالساً على مقعده من شدة التعب والإعياء لفرط ما عاناه مع هذا الفتى.
رفع ناب رأسه الذي مل من كثرة ضربات العصا المتتالية، ثم نظر بثبات وجدية ليقابل نظرات العجوز الحادة والمنهكة قائلاً له بكل حزم وثبات «أنا جاد في كلامي، جئت بها إلى هنا وأنا أحملها بين يدي لأنني أريد الزواج منها»
استمع العجوز إليه بإنصات وتركيز شديدين، لكن ناب توقف فجأة كمن تذكر تفصيلاً غاب عن ذهنه تماماً، وسأل ببراءة وعفوية «صحيح، تذكرت شيئاً!»
رد العجوز بتوجس وتساؤل «ماذا هناك أيضاً؟»
تعالت نبرة ناب المستفسرة وهو يقول «ما هو اسم ابنتك أصلاً؟»
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
مرآة لعالم من غموض
السلاح يقتل رجلا واحدا اما السر فيسقط امبراطوريا
بين جدران ذلك المبنى الفاخر اين يقف ذلك الرجل مقابلا للنافذة تأخذه افكاره التي يقوم بترتيبها داخل ساحة عقله المليئة بالمؤامرات.. يظن الجميع ان القتال يكون بالسلاح فقط.. لكن بهذا العالم تكون المعلومات اخطر الاسلحة التي تقلب موازين اللعبة.. اغمض عينيه كأنه يطبق على افكاره بخزنة من فولاذ بينما يستشعر خطوات الشخص الاخر الذي استقام خلفه بملامحه الطويلة منبئا له بأن الوقت قد حان يشير له بالذهاب دون ان يلتفت.
ينتظر قليلا وهو ينظر للسيارات التي تمر حتى يقرر مغادرة المكان وخلفه تابعان يحملان بنادقهما. يستمر بسيره في الشارع بشكل طبيعي متجها لوجهته.. ولكن خلف الظلال كان ذلك الكيان يراقب كل شيء.. وبلمح البصر اختفى من مكانه ليجثو باللحظة الثانية أمام سيده..
يرفع تيو رأسه لساكا مخبرا إياه عن ما رآه. يومئ له ساكا ليكمل مراقبته فيختفي مرة اخرى..
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
اسرار السفراء
قد يجمعك الحذر بمن تحذر منه لتسير معه في طريق الشك
(صيادة وحارس مصاص دماء)
على حدود السفراء وتحديدا بذلك القصر الكبير وقفت ڤان أمام ذلك السور الضخم المقابل للعديد من الاشجار تسير فوقه بخفة متسللة بعد ان امرتها سيدتها بتفقد الوضع... وبالاسفل يتسلل تيو بين الاشجار لنفس الغاية
وصل درايفن أخيرا للقصر ليدخل والحراس من خلفه وما إن دخل الحراس حتى خرج تيو من بين الاشجار لتلاحظه ڤان بسرعة فتقفز فوقه ثم تدفعه ليتدحرج جانبا لمكان لايراه بهما أحد فتكشف.. وقبل ان يستوعب تيو مايحدث تلقي مصيدتها على رأسه وتحاصره
ليقول بتذمر وغضب " توقفي يامجنونة خنقتني.. عرفنا ان يار
يحميك ولكن لاتتجاوزي حدودك كي لا اقتلكما معا "
ترفع حاجبيها ثم تميل برأسها امامه لتردف " هل قلت انك ستقتلنا معا.. " لتكمل بتفكير مصطنع " يبدو انه يجب ان احذره منك "
يرد مستدركا ماقاله " ومروءتك استري علي كنت امزح "
لترد بانتصار " همم سأفكر بالامر " ثم تعود لجديتها وتبدأ باستجوابه عن ما يفعله هنا وما غايته؟ لكنه يصد كل اسألتها بالصمت ثم يحاول التلاعب بها ومراوغتها
ليقلب الادوار بينهم ثم يفاجئها بسؤاله
" هل تلاحقين والدك؟ "
تتوقف ڤان للحظات تعيد بها سماع كلمته الاخيرة مستغربة.. هل قال * والدك *
يستغل هذا معتقدا ان هذا هدفها فيدعي انه استطاع قراءة افكارها " هههه هذا سبب قدومك اذا يالك من ابنة اتوقعت ان حجب افكارك ممكن "
ارتعبت ڤان من جملته وصرخت بوجهه " اننننت هااااي " ظنا منها انه يقرأ افكارها حقا وقد يكشف أمر سيدتها لكن صرختها افزعته ليغلق فمها بيده بسرعة قبل ان يكتشف امرهم " اششش هل جننتي انت حقا مجنونة لن اقول شيء حسنا انا امزح " يتنهد ثم يكمل " حسنا ساسمح لك بمرافقتي ورأية والدك بشرط واحد ان لاتشعري احد بنا "
ادركت وقتها انه كان يتلاعب بها ولم يستطع قراءة افكارها ماجعل الغيض يتصاعد بداخلها ولم تجد كيف تفرغه سوى بعض يده التي لاتزال على فمها بكل قوتها
لتتركه بعد دقائق وتبصق مابفمها جانبا ليقول وكأنه لم يتأثر " ارجو ان لحمي لم يكن قاسيا سيدتي " ثم يضحك.. ترفع عينيها له بغيض وهي تمسح فمها " مر.." ليرفع حاجبه باستنكار ثم تقول بنفسها احتاج لطن حلوى بعد هذا لكنها تتجاهل هذا لتعود لمهمتها وتقول
"موافقة"
ليختفيا بعدها بلحظة ويكون هو من ينقلها معه اعلى مسالك التهوية تحت الغرفة التي كان يتحدث بها درايفن وكبير المسترقين جرارد وبقية من معه.. ينصتان لحديثهما الذي يبدأ بالحديث عن منظمة الصيادين.. ثم يبدؤون بتوجيه تهكماتهم لدرايفن ليقول احدهم ان علاقتهم لم تعد كالسابق. موجها اصابع الاتهام مباشرة نحوه.
لكنه يدافع عن نفسه قائلا انه لم يتحد مع احد وانهم يتهمونه دون ادنى دليل يثبت كلامهم غير افتراضاتهم وهو لا علاقة له بغير جماعته
ثم يصمت تاركا لهم المجال لحيرتهم فهو يعلم ان لادليل عليه فقط مجرد افتراضات...
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
هروب الوردة الذابلة
حال مغادرة تيو ألقى ساكا نظرة جانبية نحو المكان الذي شعر بوجود فيونكا فيه قبل أن تغادر؛ أغمض عينيه بانزعاج واختفى من المكان...
في هذه الأثناء كانت فيونكا تتنهد بألم واضعة يدها على عنقها بعد أن أكملت إخبار سيدتها بما حدث، جمعت خصلات شعرها من جانبي كتفيها ورمته للخلف ثم نهضت لتغادر، لكنها تجمدت في مكانها فور انتباهها لظله الواقف عند الباب...
سار ساكا بخطوات ثقيلة ومتأججة تجاه غرفتها... وعلى غير عادته في الانتقال الخاطف آثر السير هذه المرة وكأنه يحاول إخماد ثورة غضبه
وقف أمام باب غرفتها الأبيض المفتوح ووجه نظرة باردة للداخل... وقعت عيناه على يوي بفستانها الأسود وشعرها الطويل المتناثر على حافة السرير بعد أن همت بالرحيل وقيدتها المفاجأة فور أن لمحته
ظلت تنظر إليه بهدوء محاولة تصفية ذهنها تماماً حتى لا يقرأ أفكارها... ولم يرق له سكونها المتحدي وكأنها لم تفعل شيئاً وتنتظر مواجهته... غيرت اتجاهها محاولة العبور نحو النافذة لكن أصابعه التفّت حول عنقها بقوة خاطفة قبل أن تصل...
أغمضت إحدى عينيها من الألم وهي تلمس يده لا إرادياً ليفلتها... بينما قال هو ببرود مفرط وهو يضغط على عنقها أكثر "لقد أخبرتكِ ألف مرة... أنني أقتل من يسترق السمع إلي قبل أن يسحب نفسه الأخير وقبل أن تلمحه عيناي... أبعد كل هذا تتجرئين على التلصص علي؟"
همست بكلمات متقطعة تكاد تخرج بصعوبة لقلة الأكسجين "أليس هذا... ما تفعله أنت... الآن؟" قاصدة تيو
داهمتها نوبة شديدة من السعال الجاف المصحوب بقطرات الدماء... ليرخي أصابعه عنها ببطء محتفظاً بنظرته الباردة... سقطت على الأرض تحاول استجماع أنفاسها وهي تمسح الدم المتسرب على فمها بكفها... ثم همست بصوت ممتزج بالسخط والألم "كم... أكرهك"
اتسعت ابتسامته ببرود قبل أن يشدها بقسوة من شعرها لتواجه عينيه... مما انتزع منها صرخة متألمة... حاولت دفع يده عنها فأفلتها بجفاء تاركاً إياها تنظر إليه بخيبة أمل انتبه إليها... فزالت ابتسامته فوراً بعد أن استفزه انكسارها... سحبها بقوة من ذراعها ليرتطم جسدها بصدره الصلب كالحجر... وأزاح قماش فستانها ببرود متلمساً موضع نبضها المتسارع ومردفاً
"لن تنفعكِ نظرات الخيبة هذه أمامي... وتفشلين تماماً في استفزازي لأقتلكِ... احلمي بذلك كثيراً... فلن تموتي قبل أن تذوقي من الألم أضعاف ما ذقته"
أمال رأسها جانباً وغرس أنيابه في عنقها بقسوة... لتطلق أنة متألمة من بين شفتيها... أغترف دماءها بظمئ وهو يزيد من غرس أنيابه بعمق أكبر ليتضاعف وجعها...
عضتت فيونكا على شفتها بكامل قوتها لتكتم صراخها ولا تمنحه الرضا الذي يبحث عنه
إلا أت صمودها لم يمنع دمائها من السيلان... فتسربت قطرات من دمها على شفتيها المتقطعتين وأنسابت مع رأسها المائل حتى لامست صدره...
شعر بتلك القطرة الدافئة تتسلل على جلده ليفتح عينيه بنصف أغلاقة وقد أستمر في امتصاص دمها... ثم أبعدها عنه قليلاً يحدق في شفتيها الداميتين؛ نحو عينيها اللتين حاولت جاهدة إزاحتهما عنه لتجنب التلاقي..
تركها فجأة وبذات الهدوء اختفى من الغرفة.
أخفت وجهها بين يديها وهي تحاول كتم مشاعرها... ولم تمضِ دقائق حتى انطلقت هاربة دون أن تنظر أمامها... اصطدمت عدة مرات بالأثاث والأبواب في طريقها ولم تتوقف حتى خرجت من حدود القصر... زادت من سرعتها تترنح كوردة ذابلة تتطاير دموعها مع خصلات شعرها... حتى تعثرت وسقطت على وجهها في بقعة معتمة من الغابة... وأجهشت ببكاء مرير وهي تهمس لنفسها بيأس "كيف كنتِ تتحملين كل هذا... يا سيدتي... إنه حقاً... وحش... لا يحمل ذرة رحمة..."
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
حديث كواليس السلطة
الخطوة الاخيرة قبل السقوط تكون دائما اهدأ من حديث الرياح.
شعرت ڤان بالملل وهي تستمع لمحادثتهم التي لم تجد بها امور مهمة فقط نجاح والدها بادارة الاجتماع واعجابها به.. من كلامهم عرفت انهم بالبداية كانو يشكون به لكنه استطاع بكلامه المرتب اقناعه وازالة اصابع الاتهام عنه وزرع ثقتهم به من جديد ...
ثم بعد لحظة اقتربت وفتحت اذنيها جيدا خاصة بعد ان رأت تيو يفعل نفس الشيء
" كنا قبل فترة نشك بمورغان ووضعنا حرسنا لمراقبته "
تنهد لبرة ثم أكمل "ولكن مرة سنة كاملة ولم نحصل على اخبار جديدة..
لهذا طلب السيد الكبير منا ان نتوقف ونلحق المسترقين بالقصر، بعد الحملة الاخيرة التي شنها المنشقون على القصر وتفجيرهم الجانب الشمالي له"
اومأ درايفن بتفهم حتى اكمل الاخر بتفكير وهو ينظر اليه "قد اوكل لك امر مراقبته بنفسك لانني اثق بك.. فضع بعض رجالك واخبرني بأي شيء جديد"
أومأ له درايفن ايحابا قائلا بثقة " اعتمد علي بهذا "
شعرت ڤان بيد تيو على كتفها بينما كانت مركزة وبلحظة اختفو مجددا.
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
عناق الحقيقة للخيال
تتداعى الحصون الشامخات بذكرى ويذوب صلب الصخر من قطرات
تلاشى ساكا من مكانه ليظهر فجأة داخل غرفة مغلقة ومعزولة... استقبلته رائحة تراب وغبار كثيف يشي بهجران المكان منذ سنوات طويلة، وكانت خيوط الضوء النحيلة تتسلل بالكاد من حافة الستارة العتيقة لترسم مسارات باهتة وسط جو ضبابي مظلم يملأ الأرجاء... خطا خطوتين ثقيلتين في العتمة ثم توقف فجأة، وارتفعت كفه تلقائياً نحو صدره، هناك حيث استقرت قطرة الدم الدافئة التي انحدرت من شفتيها النازفتين... تحسس الموضع بشكل يجعلك تتسائل إن كان ذلك الدفء العابر قد نفذ حقاً إلى أعماق قلبه المتجمد... أم أنه عجز عن اختراق أسواره؟
أغمض عينيه بقوة مفرطة وكأنه يحاول محو العالم بأسره من أمامه... لكن جفنيه المغلقين لم يمنعا تدفق ذكرى قديمة جرفته بعيداً... رأى طيفها وهي تجلس في الحديقة وأطفالهما يركضون حولها صاخبين بينما ابتسامتها تضيء المكان، انتفض رأسه لفتح عينيه بضيق حتى باتت فكرة إغلاقهما مجدداً عبئاً مستحيلاً، واشتعل بداخله سؤال حانق عن كيفية قيامها بذلك وإبعادهم عنه... حاول صياغة مبررات لأفعاله لكن نظرتها الخائبة المكسورة قبل قليل قفزت لتواجه عينيه... متداخلة مع صورتها الباسمة في ذلك الزمن القريب~
وكان الفارق المرعب بين النظرتين يمزقه من الداخل متسائلاً بكتمان كيف آل به الأمر ليفعل بها كل هذا.
اعتصرت قبضته بقوة وعنفوان صراعه الداخلي يهدد بتدميره... فالأمر تجاوز حدود تحمله ليرفع رأسه بهدوء وقد حسم أمره بعد أن استقر على خطوته القادمة وما سينفذه
وقبل أن يغادر الغرفة... تقدم بخطوات ثابتة نحو مرآة قديمة محطمة... عكست على زجاجها المتشقق المتفطر ملامحه المتجمدة والقاسية.. تفاصيل وجه خالية تماماً من أي تعبير بشري كأنها نُحتت من صخر صلد لا ينبض... ارتفع ساعده ببطء مقرباً إبرة رفيعة من عينه ونكز بها جفنه السفلي بهدوء...
لتنساب قطرة دم قانية فارت فوق حدود أظفر إبهامه، مستحوذة بلونها الداكن على المدى البصري لثوانٍ خاطفة حجبت ما يدور خلفها..
وحين قاد النزف العين لتنظر مجدداً إلى سطح المرآة المحطمة، كانت الملامح البشرية المتجمدة قد تلاشت تماماً.. وحل مكانها قناع رصاصي أسود قاتم يبرز أعين فارغة ومظلمة تنضح بالغموض، يخبئ ما تبقى من ملامحه بالكامل أسفل رداء أسود طويل.. ولا يظهر من خلفه سوى جزء صغير من جانب وجهه السفلي
شفاه معدومة الابتسامة ومحكومة البرود.. ليتوارى خلف قناعه قبل ان يختفي
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
عودة بعد فوات الأمان
تقف على شفا جرف الوادي السحيق تترك للريح حرية العبث بشعرها الذي تلاطم في الهواء كخيوط من ذهب باهت أنطفئ جماله.. يتمايل نحو الهاوية في استجابة يائسة لنداء الفراغ... وتقبض بيدها على أطراف فستانها الأسود الفضفاض لتمنع النسمات الهوجاء من جرفه وجرف جسدها معه.. غاصت عيناها الفيروزية الحزينة في عمق السقوط... مستسلمة لدوامة سوداء من أفكارها التي عزلتها عن الوجود بأكمله
لم يوقظها من تلك الغيبوبة الذهنية سوى ثقل مفاجئ ليد دافئة استقرت فوق كتفها المثقل...ومن دون أن تدفعها المفاجأة للارتجاف... أزاحت اليد عن كتفها بهدوء بطيء، ثم التفتت بجسدها نحو الطارقالمجهول... في صمت مطبق خنق أصوات الرياح من حولهما
وقبل أن تستقر نظرتها الممتلئة بالأسئلة في عمق عينيه... اخترق ذلك السكون صوت أنفاسه الخفيضة وهي تنطق بكلمة واحدة... "مولاتي"