العوالم الثمان «الحقبة الرابعة»
_مقدمة_
عدت في غياهب تلك المسارات الموحشة والليل السادل أثوابه الكاحلة الظلماء يبتلع خطاها المتسارعة وسط غسق الظلام الدامس الذي لا ينتهي...
لتهرول هرولة الطريدة المنكوبة التي فرت بذعرها الأزلي من قسوة الموت الزاحف وراءها ولهثت بانقطاع أنفاسها خلف بارقة نجاة ضئيلة لاحت في الأفق البعيد المستحيل... وضمت إلى صدرها الغض طفلين كانا ثمرة حبها المحتضر..حيث حمتهما بروحها المهتزة وساعديها الواهنين اللذين التفا حول جسديهما الغريرين كالسوار الحديدي كأنه درعها الأخير لحمايتهما من غوائل الفناء...
أخذت تلتفت مرة تلو مرة بمؤخر عينيها الهلعتين نحو الوراء بطرف خائف ملؤه الوجل.. ترقب اقتراب الخطر المحدق الذي هدد سكينتها المفقودة وسلبها أمنها الذي سرق... فـخلف أثرها الممزق على التربة القاحلة تعقبتها كلاب شيطانية ضارية نهشت الصمت الرهيب بعوائها المرعب.. وكشرت عن أنيابها الكالحة الغائرة لتنال من جسدها الواهن... في عتمة تلك البيداء الخاوية التي لم ترحم مستجيراً لاذ بساحتها المقفهرة... وحدها في ذلك المسار الضيق...
يتقاذف شعرها الطويل الباهت مبلل يقطر بماء السحاب الذي انهمر خلف ظهرها مدفوعاً بقوة الريح وعنفوانها
بينما يمتد وشاحها الأسود الطويل كليل مسود حول عنقها تترامى اطرافه خلفها يبارز الهواء العاصف ويتطاير في اندفاعها المجنون كراية سوداء تعلن حرب جديدة مظلمة لامناص منها …
سمعت في الأرجاء أصوات لهاثها المتتابع واحتباس أنفاسها الضائقة التي خرجت من جوفها كالجمر الملتهب...
ومع كلِ اندفاعةٍ عنيدة مضت فيها.. تآكل غِشاؤها يصرخ عليها بـصوتِهِ القبيح ينهاها عن جره كلما جذبته بقوةٍ إثر علوقِهِ بالأشواكِ... لكنها لم تكترث واكملت اندفاعها تناجي كل خلية من جسدها بالصمود...
وبلحظة يكتم بها النفس حد الاختناق و ينتهي الهواء من حولها.. تعثرت قدمها بجذع شجرة لتفقد توازنها ويسقط جسدها عنوة لتنال العتمة اخر ذرة ضوء كانت قابعة بعينيها...
حتى غابت معها كل حواسها لأجزاء من الثانية.. اجزاء بدت لها كالدهر تجرعت فيه مرارة اليأس وهمس النهاية...
لم تعد تشعر او ترى او تسمع سوى اصوات العواء المفترسة وهي تقترب.. تتعالى خلفها كطبول موت تلاحق آخر ماتبقى لها من أمل... ثم لمحت خيالا اسود يقفز فوقها.. لتغطي العتمة عالمها لكنها أبت الاستسلام وقبل ان يطبق الموت عليها... استيقظت بداخلها غريزة شبت كالنيران بجوفها المظلم فلم تترك للخوف مكانا ولا للاستسلام خيار.. وقبل غريزة البقاء انضخت غريزة أمومتها كسيل بركان اشعل عينيها...
انحنت بجسدها المنهك وبآخر ماتبقى في ذراعيها من قوة رمت طفليها جانبًا ليتدحرجا خلفها بعيدًا عن أنياب الوحش.. ثم فتحت راحتيها مباشرة وكأنها لم تعد ترى أمامها سوى ذلك الكائن الذي يريد الوصول إليهما...
جمعت كل ذرة قوة بقيت في جسدها.. وصبت كامل تركيزها عليه متشبثة بآخر خيط من إرادتها.. وباللحظة التي كانت ستنهيه انقض عليها آخر غرس أنيابه في كتفها...
اخترقت أنيابه لحمها بنهمٍ وحشي شعرت بقوته تفترس جسدها.. وبالألم يمتد من كتفها إلى أعماقها حتى بلغ روحها قبل جسدها... ألمًا كان كفيلًا بإسقاط أقوى المخلوقات... لكنها لم تستسلم فم يكن من حقها أن تستسلم خلفها كان طفلاها... وكان عليها أن تبقى حية ولو لنبضة واحدة أخرى...
صرخت من أعماقها لا من الألم وحده.. بل من ذلك الرعب الذي مزق قلبها وهي تدرك أن سقوطها يعني وصوله إليهما.. ثم رفعت يدها بكل ما تبقى لها من قوة وصفعته بعنف بكل ماتبقى لها من طاقة جمعتها... وكأنها وضعت في تلك الضربة كل خوفها وكل ألمها وكل توسلاتها للحياة...
كانت تلك آخر ذرة طاقة لديها.. خرجت الضربة الأخيرة من جسدها كأنها انتزعت آخر ذرة حياة بقيت فيه ثم تبددت الطاقة من أطرافها دفعة واحدة...
وخارت قواها بينما بقي قلبها وحده يقاوم.. يخفق بعنف ويتشبث بالحياة تشبث الغريق بآخر نفس...
انقضت الوحوش عليها دفعةً واحدة كأنها كتلة من الموت اندفعت لافتراس آخر ما تبقى من أنفاسها.. فأغمضت عينيها واستجمعت ما تبقى في صدرها من هواء ثم أطلقت صرخةً بكل قوتها...صرخةً ارتج لها الضباب وانسكب الرعب منها إلى قلوب تلك المخلوقات.. فتراجعت غريزتها للحظة أمام شيء لم تفهمه.. وفي اللحظة ذاتها... انهمرت سهام من نور
اندفعت أمامها كوميض خاطف.. واخترقت جماجم تلك الشياطين جميعًا في ضربة واحدة فسقطت أجسادها بلا حراك... وكأن يدًا من السماء قد كتبت نهايتها في لحظة.. ثم صفعت قوة النور والهواء كل المسارات المحيطة بها
لتندفع موجة عاتية بعثرت الضباب وقلبت ما حولها قبل أن تهدأ العاصفة فجأة...
وراحت ذرات الغبار لتهبط ببطء فوق الجثث الملقاة.. حبيباتٍ صغيرة تنثر صمتها فوق البقعة.. وكأنها تقرأ فوقها النهاية المحتومة التي لم يكن لتلك الشياطين مهرب منها...
لم تحتج إلى أن تنظر خلفها لتعرف من كانوا...فهي تعلم...
تعلم أن حراسها لن يتركوها أبداً
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
في مكان ليس بالبعيد:
ومن جوف الغابة إلى أعالي السماء.. حيث يقف متعلقا بسور البرج العتيق عند ذلك البرج الذي يعكس شموخه بكل ما يحمله من دموية وكأن جدرانه العتيقة قد حفظت من تاريخه ما يكفي لتخشى حتى النظر إليه...
تمايل شعره مع هبوب الريح يداعب جبينه ويلتقط لونه الدموي من وهج الشمس وهي تستقبل الأفق.. معلنة عن شروق لم يكن يوما بالنسبة له شروقا عاديا... فذلك اللون الذي تذرفه الشمس على حافة السماء لحظة خروجها يوقظ فيه كل غرائزه الوحشية...
ومع كل ما يحمله ذلك الضوء من حرارة.. ومع كل ذلك التعطش الذي يستعر في عروقه.. غدا جوفه على النقيض تماما... صقيعا وبردا قارصا يتسلل الى أعمق مواضع روحه...
سم بارد تحتضر بينه أنفاس حبٍ أخيرة.. تكافح بكل ما أوتيت من ضعف كي تبقى وتتوسل عودة ذلك الأمان الذي كان يوما يسكنهما... لكنه يعرف أن الحرب تلوح في الأفق.. وأن فتيلها لن يشتعل إلا بيده...
وقف فوق ذلك البرج والشمس تصبغ السماء بالدم بينما شيء ما في داخله يحتضر بصمت... فهل سيكون هذا الحب قربانا تقدمه الحرب على مذبحها؟
أم سيكون صرخة النصر الأخيرة قبل أن يبتلعها اللهيب؟
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
امام تلك البوابة الكبيرة التي تعطي مهابة القلعة القابعة خلفها ورغم كونها البوابة الخلفية المهجورة الا انها لم تقل فخامة ولا عظمة على البوابة الامامية..
وقفت امامها بجسدها المتعب المليء بالجروح وثوبها الممزق المتهالك الذي بقي محافظ على هيكله رغم ماحل به جراء هروبها...
الا انه لم يعكس شيء سوى صلابتها وشموخها الثابتين وكأن كل مامرت به لم يستطع ان ينتزع منها هيبتها...
وقف الحراس الثلاثة خلفها بصمت مطبق يعكس كل ماتعنيه *بداية النهاية* من معنى ... كانت فانانيا خلفها مباشرة في حين وقف كين وهابا على جانبيها يحملان أطفال سيدتهم يزيحون عنها هم رعايتهم... تقدمت يوي بخطوات واثقة نحو البوابة لتدفعها بكل ماتبقها بجسدها من قوة...
لتتحرك البوابة ببطئ.. وتبدأ الاتربة التي غلفتها بالتساقط من اعلاها كأنها تعلم زائريها عن حجم السنوات التي بقي فيها هذا الباب مغلقا... اصدر الباب صريرا قويا شق سكون المكان و عصفت بعده الرياح من خلال المداخل كانها أتت لتشهد عودة سليلة صاحب القلعة... سارت يوي والرياح تداعب شعرها الثلجي الطويل وتحرك اطراف فستانها لترحب بها بطريقتها الخاصة...
وخلفها سار الحراس حاملين معهم الاطفال الذين كانو يتابعون والدتهم بأعينهم التي لم تخلق لتعيش البراءة كما ينبغي بل لتصقل من رحم المعانات ولتحمل في أعماقها ما يكفي من الندوب لتبقى هذه اللحظات محفورة في ذاكرتهم الى الابد...
و لتكون تلك البوابة ليس فقط المدخل لقلعة جدها.. بل أول خطوة نحو فصل جديد بعدما هربت اخيرا من عرين الوحش
〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎🩸〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎〰︎
وعند ملك الجحيم الفضي؛
لأن الشمس بلهيبها عكست دموية ابن عمه؛ كان الظل سكنه ومسكنه.. يتوارى خلفه بصمت نافذ صمت يجعل النفس نفسها تشك بانها تتنفس... فما لا تصله الشمس يبتلعه الظل لذلك هما وجها الدمار لعملة الحياة...
لوح بسيفه في الهواء يقطعه بحركة أسرع من رمشة العين وكأنه امتداد له.. جزء منه لا ينفصل عنه ثم اعاده ليخمد في غمده فصدر عن النصل صوت حاد شق الصمت من حوله قبل ان يخنقه السكون من جديد...
هبت الرياح مجددا لتتراقص معها خصيلات شعره الحريرية في حين ظل هو يصب ناظره على جانب الشرفة الصدفية.. يتأمل الشجرة العملاقة التي بدأت تودع اوراقها كطقس اعتادت عليه مع انقضاء موسمها..
إنفصلت إحدى الأوراق عن غصنها لتأخذها الرياح بين نسماتها فراحت تتمايل دون ما مقاومة حتى هوت أخيرا الى الارض... ومع سقوطها أغمض عينيه في مشهد إعتيادي لكنه ذكره بسقوط أشياء أخرى.. اشياء كان سقوطها بالنسبة له إعتيادية هي الأخرى..
أشياء لم يعد يعنيه كم مرة سقطت ولا كم مرة اضطر الى ان يراها تسقط...
فتح عينيه ثم إنسحب عائدا الى ظله يختفي بين إنعكاس الضوء وصدى الصوت...فلم يبقى منه سوى ذلك الصمت المهيب الذي ظل يلفح المكان بعد رحيله وكأن وجوده لم يغيره تماما.