
"ليس الحظ قوة تهبط من السماء انه الظل الذي تصنعه"

( رائحة التراب المبلل وشفرة الحظ )
صباح يوم الثلاثاء استيقظت في السابعة صباحاً على صوت هطول المطر وهو يضرب زجاج نافذتي بقسوة ازحت الستارة قليلاً فاندفعت إلى صدري تلك الرائحة الحبيبة رائحة انفاس الأرض العطشى وهي تعانق قطرات المطر الاولى رائحة التراب المبلل التي طالما ارتبطت في ذاكرتي بوعود البدايات الجديدة لكن وسرعان ما انكسر هذا الحنين بصوت اهتزاز هاتفي على الطاولة ركضت نحوه بقلب يخفق بشدة فالأمل كله كان معلقاً على هذا اليوم فتحت الرسالة لتسفعني الكلمات : "نعتذر منك تم تأجيل موعد المقابلة اليوم حتى إشعار آخر بسبب الظروف الجوية الحالية" شعرت بغصة مريرة في حلقي وجلست على حافة السرير والبرودة تتسلل إلى اطرافي كفتاة خريجة فيزياء طبية في بلدي أدرك تماماً كما يدرك الجميع هنا ما يعنيه أن تبحث عن وظيفة في هذا التخصص الدقيق إنه أشبه بالركض في نفق مظلم وممتد حيث الفرصة شحيحة والواسطة والمحسوبية تلتقط الفتات المتبقي لتترك لألاف الخريجين و الخريجات مثلي وعوداً مؤجلة وقلقاً ينهش المستقبل تراجعت رائحة التراب المبلل الزكية لتفسح المجال لرائحة الخيبة الرمادية تنهدت بمرارة وقلت لنفسي : "بالتأكيد كالعادة حظي عاثر حتى السماء تتآمر ضد فتاة تحاول فقط أن تبني مستقبلها وتثبت ذاتها"
في تلك اللحظة انكمش يومي بالكامل وشعرت برغبة غارمة في البكاء والاختباء تحت الأغطية.
بينما كنت أتصفح هاتفي بلا هدف غارقة في سوداويتي استوقفتني مقالة في مدونة علمية تتحدث عن نظرية التوقع الكمي Quantum Expectation Theory (QET) هو مفهوم أصيل في ميكانيكا الكم بحث عنها وبدأت أقرأ: في عالمنا اليومي إذا ألقيت بكرة تنس يمكنك تحديد مسارها وموقعها بدقة متناهية هذا هو الكون كما نعرفه يقيني ومرئي وخاضع لقوانين الحركة التقليدية لكن بمجرد أن نغوص في أعماق المادة حيث الالكترونات والبروتونات تختفي هذه السفينة تماماً ويصبح الكون محكوماً بلغة مختلفة هي لغة الاحتمالات والاحصاء وهنا يبرز مفهوم التوقع الكمي فإن الفيزياء التقليدية توصف الجسيم بمعرفة موقعه وسرعته أما في ميكانيكا الكم فإن الجسيم يُعبر عنه بكيان مجرد يدعى (دالة الموجة) لتقريب الصورة تخيل أن الحالة الحكومية تشبه مجموعة اوراق اللعب (الكوتشينة) المقلوبة على الطاولة قبل بدء اللعب طالما الاوراق مستورة فإن كل ورقة تحمل إمكانيات متعددة قد تكون ورَقاً رابحاً أو خاسراً فإن هذه الدالة الحكومية هي مخزن الأسرار الجسيم فهي لا تعطينا قيمة مباشرة لأي شيء بل تعطينا سعة احتمالية وعندما نقوم بمعالجة هذه الدالة فإننا نحصل على خريطة تخبرنا تماماً احتمالات الححظ باكثر الحالات التي يُحتمل أن تظهر عند كشف الورقة.
اذا كانت الحالة الكمومية هي مخزن الأسرار أو الاوراق المستورة فكيف نفتح هذا المخزن لنستخرج منه معلومات فيزيائية حقيقية مثل الطاقة أو الموقع ؟ الجواب هو عبر المؤشرات.
في ميكانيكا الكم المتعامل مع الخصائص الفيزيائية كأرقام ثابتة بل كعملية رياضية تسمى (المؤشرات) و المؤثر تماماً يشبه فعل رمي النرد أو سحب الورقة في العاب الحظ و هو أداة تدخل على الحالة الكمومية لتجبرها على الكشف عن وجه واحد من وجوهها هناك مؤثر خاص بالموقع ومؤثر آخر للسرعة ومؤثر للطاقة عندما نريد قياس خاصية معينة في المختبر فإننا نطبق المؤثر الخاص بها على حالة الجسيم لـ نستنطق الطبيعة وتكشف لنا عن نتيجتها.
حين رصدتُ حظي بنفسي...
الآن نصل إلى ذروة المشهد هو القيمة المتوقعة وهنا يتجلى الرابط الأكبر بمفهوم الحظ إذا سألت شخصاً في صالة العاب الحظ هل سأربح في الرمزية القادمة لقطعة النرد؟ سيخبرك أن هذا أمر يخضع للحظ و المصادفة العمياء ولا يمكن لأحد توقعه بدقة لكن إذا سألت صاحب صالة الألعاب(الكازينو) كم سيربح الكازينو بنهاية العام بعد مليون رمية؟ سيعطيك رقماً دقيقاً للغاية بناءً على الحسابات الإحصائية هذا الرقم طويل الاجل هو ما نسميه في الكم القيمة المتوقعة٣ أن التوقع الكمي هو الجسر الذي يربط بين العالم الكمومي المجرد الغامض وعالم القياسات التجريبية الحقيقية إنه يثبت أن الطبيعة في أصلها المجهري وإن بدت في الرمية الواحدة أو القياس المنفرد للجسم وكأنها خاضعة لـ الحظ والمصادفة العمياء التي لا يمكن التنبؤ بها إلا أنها في مجموعها الكلي محكومة بنظام احصائي صارم وبديع هذا النظام لايملك القدرة على إخبارنا بنتيجة محددة وفريدة مسبقاً بل يضمن لنا بدقة متناهية ويقينية كيف ستتوزع النتائج الإجمالية وتستقر عند متوسط حسابي ثابت بعد ملايين القياسات المتكررة الحظ هنا ليس غياباً للقانون بل هو الأساس الذي يولد منه النظام الإحصائي الكمي اذا الجسيمات الدقيقة لا تتخذ شكلاً ثابتاً في الفراغ الا عندما يقوم مراقِب برصدها قبل ذلك في مجرى سحابة من الاحتمالات المتداخلة وفي علم النفس حياتك هي تلك السحابة وتوقعاتك الداخلية هي فعل الرصد الذي يجبر الواقع المتردد على التجسد في شكل محدد.
بعد أن قرأت هذا الكلام شعرت وكأن صفعة وعي ايقظتني انا خريجة فيزياء ! اعلم تماماً كيف ينهار التراكب الكمي عند الرصد لكنني لم اربطه يوماً بنفسيتي نظرت الى انعكاس وجهي في شاشة الهاتف وصدمتني الحقيقة أنا من يقوم برصد النحس الآن! انا من يجبر هذا اليوم على أن يكون خيبة كاملة بسبب توقعاتي السلبية الناتجة عن واقع بلدي المحيط في تلك الأثناء دخلت امي الغرفة وقالت بابتسامة: الجو جميل والمطر يبعث على الراحة مارئيك يارسل أن نخرج كعائلة لنشرب القهوة وتغير الأجواء ؟ في السابق كنت سأعتذر فوراً وأتحجج بحزني لكنني قررت في تلك اللحظة ومن عمق انكساري أن أقوم بتجربة كمية ونفسية ذاتية نهضت من السرير ووضعت لمسات خفيفة على وجهي و ارتديت معطفي ونزلت مع عائلتي ملأت برائحة التراب المطرية التي كانت لا تزال تعبق في الأجواء لكن هذه المرة استنشاقها كإشارة للبدء لا كخلفية لمراثية حزينة قلت لنفسي بيقين غريب تأجيل مقابلة الوظيفة ليس نهاية المطاف بل هي مساحة فارغة تركها الكون في طيات هذا اليوم الماطر ليقودني إلى احتمال أفضل أنا لست ضحية للظروف سأرصد حظي بنفسي الآن.
توجهنا إلى مطعمنا المفضل كان عباره عن حديقة ويحتوي على طاولات و كراسي مرتبه بشكل منتظم المكان جميل يجعل النفس تتفائل بوجود الأشجار المبللة التي تحتوي على الندى والوانها الخضراء الصافية . جلسنا معاً وكان صوت ضحكات عائلتي واحاديثهم يملأني بالأمان و بينما كنا نجلس التفتت امي لتلقي التحية على سيدة كانت تجلس على الطاولة المجاورة فجأة تعالت أصوات الترحيب فقد كانت السيدة صديقة قديمة جداً لأمي و مديرة لأحد أكبر معاهد التدريس في المدينة جلست السيدة معنا ودار حديث دافئ حتى التفتت أمي إليها بفخر وقالت: ابنتي رسل خريجة فيزياء طبية وهي تبحث عن فرصة تثبت فيها جدارتها. اتسعت عينا المديرة بابتسامة وقالت بنبرة حادة : يا رسل أنتِ منقذتي اليوم ! المعهد عندي يبحث منذ اسبوعين عن مدرسة لفرع الفيزياء متمكنة من المادة ولديها هذا الشغف العلمي ولم نعلن عن الوظيفة بعد لأنني كنت ابحث عن شخص موثوق جداً تخصصك في الفيزياء يعني أنكِ تفهمين الجانب التطبيقي والنظري بعمق وهذا ما نحتاجه تماماً لطلابنا غداً صباحاً انتظركِ في المعهد لتستلمي جدولكِ.
عدت الى المنزل مساءً والمساء هذه المرة يحمل دفئاً لم أهده من قبل تذكرت رائحة التراب في الصباح وتأجيل الموعد وحال الخريجين في بلدي. لقد فهمت اللعبة بأدق تفاصيلها المطر كان واحداً و الواقع الصعب كان واحداً لكن عندما رصدت النحس في الصباح تجمعَت كل طاقات العجز في داخلي ولو بقيت في سريري لما خرجت مع عائلتي ولما فتحت أمي ذلك الحديث الذي قادني لوظيفتي الجديدة وعندما غيرت شفرتي النفسية ورصدت الاحتمال البديل وفتحت قلبي لليوم انفتحت بوابة الحظ التي لم تكن لتفتح لولا ذلك.
كيف يصنع العقل مانسميه حظاً؟
في الرؤية السائدة بين الناس يُنظر إلى الحظ باعتباره نيزكاً عشوائياً يهبط من السماء أو مصادفة بحته لا يد للمرء فيها غير أن سيكولوجية الإنسان تخبرنا بقصة مغايرة تماماً. فالحظ جوهره ليس حدثاً معزولاً عن الذات بل هو امتداد مباشر لطريقة التفكير والنمط السلوكي الذي يتبعه الفرد إن مجرد توقع الإنسان لنتيجة معينة يبدأ في إعادة هيكلة وعيه وإدراكه دون أن يشعر مما يدفعه دفعا نحو تلك النتيجة وكأنها مصير محتم هذا التحول لايحدث بطلب واعي وإنما عبر منظومة معقدة من الآليات النفسية و العصبية التي تعمل في الخفاء لتجعل الوعي البشري مهيئاً لترجمة التوقعات إلى واقع ملموس.
تبدأ هذه الرحلة من مصفاة الدماغ الأولى وهي آلية الإنتباه الانتقاني فالعقل البشري محاط بمليارات المثيرات والمعلومات في كل ثانية ولكي يحمي نفسه من الاحتراق فإنه يبدأ بالبحث عن الأنماط التي تطابق توقعاته المسبقة عندما يتوقع المرء الفشل أو سوء الحظ يبرمج دماغه لالتقاط كل تفصيل صغير يدعم هذا التوقع متجاهلاً في الوقت ذاته الفرصة الذهبية المتاحة أمامه هذه المصفاة تعيد صياغة المشهد اليومي للفرد وتكتمل بوجود التحيز التأكيدي الذي يكره التناقض الداخلي فيعمد العقل إلى تضخيم الأدلة التي تؤيد مخاوفه أو آماله وتصغير المؤشرات التي تنقضها حتى يتحول التوقع من مجرد فكرة عابرة إلى حقيقة داخلية صلبة.
تشكل نظرة الإنسان للعالم من حوله هذا البناء المعرفي الداخلي لا يظل حبيس الجسد بل يتجلى في العالم الخارجي عبر مايعرف بالنبوءة ذاتية التحقق إن الأفكار تمتلك قوة هائلة في توجيه السلوكيات فحين يتوقع المرء الخير و الفرص فيصبح سلوكه تلقائياً أكثر انفتاحاً وإيجابية وجرأة مما يدفعه للمبادرة واقتناص الاحتمالات في المقابل يدفع توقع الشر بالماء إلى اتخاذ مواقف دفاعية ومترددة ومتراجعة ولأن المحيط الاجتماعي والبشري يستجيب دائماً لطبيعة السلوك الذي يبديه الإنسان فإن الآخرين يتفاعلون مع هذه الطاقة المنبعثة منه مما يؤدي في النهاية إلى تشكيل النتيجة الفعلية التي توقعها منذ البداية فتحقق النبوءة بسلوكه هو لا بصدفة عابرة.
تدعم أحدث النظريات العصبية هذا المفاهيم من خلال مايسمى بالمعالجة التنبؤية في الدماغ لقد كشف علماء الاعصابي أن الدماغ لا ينتظر المستقبل السلبي أو الإيجابي حتى يحدث في تفاعل معه بل هو جهاز تخمر مستمر يضع نماذج عقلية للمستقبل ويتصرف بناءً عليها في الحاضر هذا النموذج التنبئي يوجه القرارات اللحظية وسرعة الاستجابة للمواقف وحتى مستوى الطاقة الجسدية ويتوافق هذا التوجيه مع تغييرات كيميائية حيوية ملموسة فالاستبشار والتوقع الإيجابي يطلقان شلالات من الدوبامين والسيروتونين مما يرفع الحافز والنشاط الذهني ويصقل القدرة على اتخاذ قرارات ذكية بينما يغرق التوقع السلبي الجسد في الكورتيزول والتوتر مما يقود إلى التشاؤم والانسحاب و سوء التقدير ليتغير الجسد بيولوجياً ويهيء نفسه للخسارة قبل وقوع الحدث نفسه.
عندما نصل الى ذوة الفكرة ونقوم بدمج هذه الحقائق النفسية مع أطروحات الفيزياء الحديثة وتحديداً نظرية التوقع الكمي نجد رابطاً مذهلاً يجمع بين المادتين ففي عالم الكم يغير التوقع والمراقبة النتيجة النهائية للجسيمات وحين ننقل هذا المفهوم إلى وعي الإنسان نجد أن التوقع يغير السلوك والقرارات التي تصنع في النهاية ما يُصطلح على تسميته بالحظ إن ما يتوقعه الإنسان بقوة وبإيمان عميق يحرك خطواته بطريقة غير واعية نحو تلك النقطة تحديداً قد يبدو الأمر للمراقب الخارجي و كأن الكون بأسره يستجيب لنداء هذا الشخص و لكن الحقيقة العلمية الأكثر عمقاً وسحراً هي أن افكار المرء هي التي غيرت خطاه وتلك الخطوات المنهجية هي التي أعادت كتابة مصيره.
كيف يثبت العلم الحظ؟
تجربة ريتشارد وايزمان (علم الحظ) The Luck Factor
أجري وايزمان دراسة مطولة على مئات الأشخاص الذي يصنفون أنفسهم كـ محظوظين جداً أو سيء الحظ للغاية في إحدى أشهر تجاربه أعطى مجموععتين صحيفة وطلب منهم عد الصور الموجودة بداخلها في الصفحة الثانية من الصحيفة وضع وايزمان إعلاناً ضخماً يأخذ نصف الصفحة مكتوباً فيه بخط عريض: " توقف عن العد أخبر الباحث أنك رأيت هذا الاعلان واربح 250 جنيهاً إسترالياً".
الأشخاص الذين سلكوا الحياة بتوقع أنهم سيئون الحظ كانوا مستغرقين تماماً في مهمة العد قلقين ومتوجسين من الخطأ تخطوا الإعلان دون أن يلاحظوه في المقابل فإن المحظوظين الذين يتميزون بمرونة وانتباه منفتح التقاطوا الإعلان فوراً استنتج وايزمان أن الحظ ليس سحراً بل هو قدرة العقل المنفتح على رصد الفرص التي يمر بها الجميع و لا يراها إلا المستعد لها.
تجربة روزنتال وجاكوبسون (تأثير بيجماليون و النبوءة ذاتية التحقيق) في عام 1968 قام الباحث روبرت روزنتال و لينور جاكوبسون بتطبيق واحدة من أعظم التجارب على النبوءة ذاتية التحقق في المدرسة ابتدائية قام الباحثان بإعطاء الطلاب اختبار ذكاء عام ثم أخبرا المعلمين بشكل كاذب أن هنالك مجموعة معينة من الطلاب حوالي 20% أظهروا ذكاء خارقاً متفجراً و سيحققون قفزة نوعية هذا العام في الحقيقة تم اختيار هؤلاء الطلاب عشوائياً تماماً دون النظر لنتائجهم. في نهاية هذا الدراسي حقق هؤلاء الطلاب المختارة عشوائياً قفزة هائلة وحقيقية في درجات ذكائهم و تحصيلهم الدراسي التفسير النفسي كان مبهراً لأن المعلمين توقعوا تميز هؤلاء الطلاب تغير سلوكهم معهم دون وعي وأعطوهم انتباهأ انتقائياً ومساحة اكبر للخطأ وتشجيعاً مستمراً هذا التغيير في سلوك المعلمين غير بدوره من ثقة الطلاب بأنفسهم و سلوكهم فتحققت النبوءة.
تجربة والتر ميشيل (صاحب تجربة المارشيميلو الشهيرة) التي أجراها في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات بجامعة ستانفورد واحدة من أشهر الدراسات السلوكية في تاريخ علم النفس كانت تجربة تبحث في مفهوم إرجاع الاشباع وهو القدرة على مقاومة مكافأة فورية صغيرة للحصول على مكافأة اكبر يعني قياس القدرة على ضبط النفس وتأجيل المتعة من أجل ربح اكبر في المستقبل وضع والتر ميشيل طفل بمفرده في غرفة أمام قطعة مارشميلو وأخبره الباحث سأغييب 15 دقيقة إذا لم تاكل هذه القطعة حتى اعود سأكافئك بقطعة ثانيه بعض الأطفال أكلوا القطعة فوراً بينما نجح ثلتهم في مقاومة الإغراء وتشتيت عقولهم للحصول على الجائزة الكبرى.
تتبع الباحثون الاطفال بعد سنوات عندما أصبحوا بالغين وجدوا أن من أكلوا القطعة فوراً اختاروا الفرصة الصغيرة المضمونة في الحاضر والذين قاوموا واصبروا حققوا نجاحاً دراسياً ووظيفياً أعلى وكانوا أكثر قدرة على تحمل الضغوط وأقل عرضة للمشاكل السلوكية والصحية مقارنة بمن استسلموا للمتعة الفورية كذلك صنعوا لأنفسهم فرص جديدة وضاعفوا حظهم في الحياة الواقعية الأشخاص الذين نعتبرهم محظوظين هم من يملكون القدرة على الاستثمار في أنفسهم وتأجيل المكاسب السريعة (مثل الاستمرار في التعليم أو تطوير مهارة أو تخطيط لمشروع) مما يفتح لهم أبواباً من الحظ الشديد لاحقاً . الذين نجحوا في الاختبار لم يركزوا على قطعة المارشيملو بل نقلوا انتباههم الانتقائي إلى أشياء أخرى (تغطية أعينهم أو دندنة اغنية أو اللعب باصابعهم) في الحياة المحظوظ يوجه انتباهه بعيداً عن العوائق والمشتتات الصغيرة ويركز بكامل طاقته على الهدف الكبير البعيد مما يجعله يلتقط الحظ والفرص عندما تنضج.
أن التوقعات العقلية تغير تشفير الدماغ للمثيرات الخارجية عندما تتوقع شيئاً إيجابياً ينشط مايسميه "النظام البارد" أو العقلاني الذي يمنحك هدوءاً لرصد البيئة واقتناص الفرص وتأجيل التقييم السلبي بينما التوقع السلبي ينشط "النظام الساخن" المرتبط بالخوف والاندفاع مما يضيق مجال الرؤية بحيث لا يرى الإنسان سوى التهديدات.
هذه التجربة أثبتت أن ما نسميه حظاً في الكبر هو النتيجة التراكمية لقرارات صغيرة اتخذناها في الصغر (قرارات قوامها الانضباط وتوقع الافضل والصبر على الفرص الحقيقية).
هندسة الإنتباه اللحظي
لتطبيق هذه المنظومة المعقدة في حياتك اليومية وبشكل ملموس يمكنك البدء بتمرين بسيط لا يستغرق أكثر من دقيقة واحدة قبل أن تنطلق في صخَب يومك في اللحظة الفاصلة بين الاستيقاظ ومغادرة الفراش وجه لنفسك سؤالاً واحداً و محددآ : ماهو الشيء الجيد الصغير المتوقع حدوثه اليوم؟ المطلوب هنا ليس البحث عن المعجزات أو تحولات كبرى بل اختيار إجابة واحدة شديدة البساطة والوضوح كأن توقع فرصة مهنية عابرة أو كلمة طيبة من صديق أو حتى انجازات صغيراً للغاية كإنهاء مهمة مؤجلة بمجرد أن تحدد هذه الإجابة تطلق في دماغك شرارة البحث الخفي . انك في هذا السؤال تمنح عقلك نموذجاً مصغراً التوقع و تأمره دون وعي بأن يجعل هذا التوقع معياراً لفلترة الأحداث وطوال ساعات اليوم سيرعمل دماغك كجهاز رادار موجه سيجاهل الضوضاء والمشتتات ويبدأ بإنتباه الانتقائي لكل التفاصيل التي تشبه هدفك الصغير وحين يبحث العقل عن شيء صغير فإنه يلتقطه حتماً وسط زحام الحياة وبمجرد أن يلمحه تتغير لغة جسدك ونبرة صوتك و قراراتك لتتحرك تلقائياً وبجرأة نحو اقتناص تلك الفرصة هكذا و بخطوة صباحية بسيطة يتحول التوقع من مجرد أمنية مجردة إلى محرك فعلي يغير سلوكك ومن ثم يعيد تشكيل نتيجتك اليومية وصناعة ما كنت تسميه بالامس حظاً.
كارل يونغ : "حتى تحول لاوعيك إلى وعي ،فانه سيقود حياتك وسوف تسميه قادراً".
هنري فورد : "سواء كنت تعتقد أنك تستطيع ، أو تعتقد أنك لا تستطيع... في كلا الحالتين أنت على حق".
"ليس الحظ قوة تهبط من السماء انه الظل الذي تصنعه"