أما هذا الكتاب فسأتركه لأعز أصدقائي أمناي، أو كما أحب أناديه: فارس."
---
بعدما انتهى أيمن من القراءة، أخذ يقلّب الصفحات باحثاً عن تكملة، بلا جدوى.
شعر بخيبةِ أملٍ، وكأنه فقد شيئاً ثميناً.
بحث على الإنترنت عن جزء ثانٍ أو تكملة، فلم يجد شيئاً. ثم بحث في كتب الرحّالة العرب، فلم يجد. كأن هذا الكتاب نسخة وحيدة بلا نهاية.
حاول النوم فلم يستطع. بقيت عيناه تحدقان في ظلامِ الغرفة، وعقله مشغول بتفاصيل الكتاب. تخيّل مصير الرحالة، ونسج سيناريوهات مختلفة.
وفجأة خطرت له فكرة:
"لماذا لم أبحث في مخطوطات أبي؟"
انطلق إلى الغرفة التي وجد فيها الكتاب. نصفها مكتبة، والنصف الآخر آثار ومخطوطات.
بحث ساعة كاملة بلا نتيجة، حتى لمح صندوقاً قديماً لم يفتحه من قبل.
فتحه فوجد مخطوطةً أمازيغيةً، وكتاباً، وبعض الأوراق. بدأ يقرأ فصُدم:
"اسمي أمناي، أو فارس كما كان يناديني صديقي ليثٍ، الرحّالة الذي أتى إلى بلادنا صدفة.
علّمني لغته العربية، والكتابة بكل اللغات التي يعرفها. ثم رحل واختفى، ولم يترك لي سوى كتابه عن قريتنا والباب العجيب.
قال إنه عرف سره، لكنه أبى أن يخبرني به حتى يتأكد. ومنذ ذلك اليوم لم يظهر.
ومنذ ذلك الحين أزور الكهف كل يوم، أحاول فتح الباب أو معرفة السر."
توقف أيمن مصدوماً:
أليست مجرد قصة خيالية؟ لا، مستحيل.
تذكر الكتاب الآخر في الصندوق. عنوانه بالأمازيغية:
*"أكسل: الذي مات من أجل الباب"*
أمسك لكتاب بيده وفتحه ليفاجئ بصاحب الكتاب يقول:
"كنا أنا وصديقي أكسل نعمل في قافلة تحت إمرة تاجرٍ ثريّ...
*كنا أنا وصديقي أكسل نعمل في قافلة تحت إمرة تاجرٍ ثريّ. نجوب قبائل الأمازيغ ونبيع السلع ونتبادلها، حتى ذلك اليوم المشؤوم.*
*كان صديقي أكسل يترأس قافلتنا المحمّلة بالبضائع، وكنا نسلك طريقاً جبليّة وعرّة. صادفنا في طريقنا قبيلة، فقررنا قضاء الليلة عندهم. تبادلنا أطراف الحديث معهم، وأخبرنا زعيمهم -الذي كان يرتدي في عنقه عقداً لم أرَ مثله- قصة رجل غريب زارهم منذ سنوات.*
*كان اسم زعيمهم أمناي، وروى لنا قصة عن رجل غريب زارهم منذ سنوات، وكيف اختفى عندما دخل إلى باب في الجبل. كان أكسل يستمع إلى حديثه بانبهار، حتى أنه طلب منه أن يريه ذلك الباب.*
*أما بالنسبة لي، فأنا كنت رافضاً للفكرة. فنحن تجار، ولسنا مستكشفي كهوف. لكن أكسل لم يستمع لكلامي، بل طلب مني مرافقته. وليتني لم أرافقه.*
*تركنا كل تلك السلع مع رفاقنا، وانطلقنا مع أمناي إلى الجبل. كان القمر مكتملاً، وبالفعل وجدنا ذلك الباب يضيء. كان أغرب شيء رأيته في حياتي كلها. كان لذلك الباب شكل عجيب، وفي منتصفه جوهرة لا مثيل لها.*
*لكن بعد عودتنا إلى القرية كانت الكارثة. لقد هرب رفاقنا وسرقوا نصف بضاعتنا. فلما عدنا وأخبرنا سيدنا، اتهم أكسل بالتكاسل، وأنه هو من سرق بضاعته. وأخبره أكسل عن الباب.*
*فقال زعيمنا: حسناً يا أكسل، لم أعهدك كاذبا أو سارقا. سوف أذهب معك إلى ذلك الجبل، وإن لم أجد ذلك الباب فسوف أقطع رأسك ورأس صديقك.*
*وبالفعل وصلنا إلى ذلك الكهف، وعندما دخلناه كانت المفاجأة، بل الصدمة: لم نجد ذلك الباب. سقط أكسل على ركبتيه وهو يقول: لقد كان هنا! لقد كان هنا! أقسم أنه كان هنا!*
*زعيمنا كان في حالة غضب، وأمر بقطع رأس أكسل. وأنا مع الصدمة، وقبل أن يُقطع رأسي قلت: ربما سكان القرية هم من أخفوا الباب بسبب ما حدث.*
*وياليتني تركته يقطع رأسي ولم أتكلم. اتجهنا مباشرة إلى تلك القرية، وبدون سابق إنذار بدؤوا يقتلون الناس. وأنا لم أكن سوى جبان. انتهزت فرصة انشغالهم وهربت، واختفيت لأيام في الجبال.*
*حتى جمعت شجاعتي وعدت إلى تلك القرية. لم أصدق ما تراه عيني: لقد قُتل الجميع. لم يرحموا لا نساءً ولا أطفالاً ولا شيوخاً. لم يتركوا شيئاً وراءهم. وكان من بين قتلاهم ذلك الرجل أمناي.*
*صرت أحدث نفسي وأنا أقول: من كان سبب هذا؟ أنا؟ أم أمناي؟ أم أكسل؟ أم ذلك الرحالة؟ أم الباب؟ لا، السبب كان هم، أولئك اللصوص الذين خانوا العهد وسرقوا بضاعتنا.*
*أما عن الكهف وذلك الباب، فلما عدت إلى هناك كان موجوداً. فأصابتني صدمة وغضب، فقررت تحطيمه ولم أستطع. فقمت ببناء ذلك الكهف، وأخفيت مكانه جيداً حتى لا يصل إليه إنسان.*