الفصل السادس: بعد عبور المتاهة
انفتح الباب... وخلفه لم يكن سوى أنت، بلا قناع.
توقفت أمامه.
لم تعرف إن كنت تنظر إلى نهاية الطريق، أم إلى بداية شيء لم تكن مستعدًا له.
كان كل شيء هادئًا.
هادئًا إلى درجة جعلتك تشعر في أن كل ما حدث قبل هذه اللحظة كان مجرد وهم.
أين المرايا؟
أين الجدران التي كادت أن تطبق عليك؟
أين الوجوه التي خرجت من خلف الزجاج؟
أين البوصلة التي دارت بلا توقف؟
أين ذلك الظل الذي ظل يتبعك منذ اللحظة الأولى؟
لم تجد شيئًا.
فقط أنت.
أنت الذي كنت تبحث عنه طوال الوقت.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
انتظرت أن يحدث شيء.
أن يغلق الباب.
أن يعود الظلام.
أن تسمع تلك الهمسات التي اعتدت عليها.
لكن شيئًا لم يحدث.
كان الطريق أمامك مفتوحًا.
لأول مرة لم يكن هناك شيء يمنعك من التقدم.
ومع ذلك...
لم تستطع التحرك.
ربما لأن الإنسان لا يخاف دائمًا من الأبواب المغلقة.
أحيانًا يخاف أكثر من الأبواب المفتوحة.
فالطريق المغلق يخبرك أنك لا تستطيع العبور.
أما الطريق المفتوح، فيترك القرار لك.
نظرت إلى الخلف.
كانت المتاهة قد اختفت.
لم يبقَ منها سوى فراغ واسع، كأنها لم تكن موجودة من الأساس.
تساءلت:
هل عبرتها فعلًا؟
أم أنها كانت مجرد مكان صنعه خوفك؟
لكن السؤال لم يجد إجابة.
مددت يدك نحو الفراغ.
لا شيء.
ثم سحبتها.
شعرت بأن شيئًا ما تغير.
لم تعد تسمع صوت خطواتك كما كنت تسمعها من قبل.
لم تعد تشعر ببرودة الجدران.
لم تعد هناك رائحة الغبار.
حتى أنفاسك بدت مختلفة.
كأنك خرجت من مكان ظللت فيه زمنًا طويلًا، ثم اكتشفت أن العالم في الخارج لم ينتظرك.
كل شيء استمر دونك.
وهذه الفكرة كانت أكثر غرابة من المتاهة نفسها.
واصلت السير.
كان الطريق طويلًا.
لا جدران تحاصرك.
لا سقف يحجب عنك شيئًا.
وفوقك سماء لا تعرف إن كانت حقيقية أم امتدادًا آخر للمتاهة.
رفعت رأسك.
لم ترَ نجومًا.
فقط مساحة مظلمة تمتد بلا نهاية.
خفضت رأسك ومشيت.
بعد وقت لم تعرف مقداره، بدأت تظهر أشياء على جانبي الطريق.
كرسي قديم.
ساعة متوقفة.
كتاب مغلق.
صورة بلا وجه.
مفتاح صدئ.
وأشياء أخرى لم تعرف لماذا بدت مألوفة إلى هذا الحد.
توقفت أمام الساعة.
كانت عقاربها متوقفة عند وقت واحد.
لم تعرف لماذا، لكنك شعرت أنك رأيت هذه الساعة من قبل.
لمستها.
تحرك العقرب فجأة.
ثانية واحدة.
ثم توقف.
ارتجفت.
نظرت إليها مرة أخرى.
لم يحدث شيء.
واصلت السير.
بعد خطوات قليلة وجدت الكتاب.
كان ملقى على الأرض، مغطى بطبقة رقيقة من الغبار.
انحنيت وحملته.
لم يكن على غلافه عنوان.
فتحته.
كانت الصفحات فارغة.
كلها.
قلبت الصفحة الأولى.
فارغة.
الثانية.
فارغة.
الثالثة...
حتى وصلت إلى صفحة في المنتصف.
كان هناك سطر واحد فقط.
قرأته.
ثم أعدت قراءته.
لم يكن مكتوبًا بالحبر.
كان مكتوبًا بخط يشبه خطك.
وكان يقول:
«ماذا ستفعل عندما لا يعود لديك شيء تهرب منه؟»
أغلقت الكتاب بسرعة.
لم ترغب في الإجابة.
وضعته مكانه.
لكن السؤال ظل معك.
واصلت السير.
هذه المرة كنت تشعر بأن الطريق يراقبك.
ليس من خلال العيون.
بل من خلال الأشياء.
كل شيء بدا وكأنه يعرف شيئًا عنك لا تعرفه أنت.
وصلت إلى الصورة.
كانت مقلوبة على الأرض.
التقطتها.
قلبتها.
في الصورة مكان تعرفه.
لكنك لم تكن موجودًا فيها.
كان هناك طريق طويل، وفي نهايته باب.
نفس الباب.
الباب الذي عبرته منذ قليل.
حدقت في الصورة.
كيف يمكن أن يكون الباب خلفك في الصورة بينما أنت تقف أمامه؟
قلبت الصورة.
كان خلفها تاريخ قديم.
ثم جملة:
«بعض الأماكن لا تحتاج إلى أن تدخلها كي تترك أثرًا فيك.»
سقطت الصورة من يدك.
تراجعت خطوة.
بدأت تشعر بأن هناك شيئًا غير صحيح.
ربما لم تكن قد خرجت.
ربما كل ما تراه الآن مجرد امتداد آخر للمتاهة.
لكن إذا كانت هذه متاهة...
فأين الطريق الذي يقود إلى الخارج؟
نظرت أمامك.
الطريق ما زال مستقيمًا.
لا مفترقات.
لا أبواب.
لا جدران.
فقط طريق واحد.
وهذا كان أكثر ما أخافك.
لأن المتاهة التي تحتوي على طرق كثيرة تمنحك على الأقل وهم الاختيار.
أما الطريق الواحد...
فلا يترك لك سوى الاستمرار.
مشيت.
لم تلتفت هذه المرة.
كنت تخشى أن ترى شيئًا خلفك.
أو ربما كنت تخشى ألا ترى شيئًا.
وبعد مسافة طويلة، بدأت تسمع صوتًا.
كان بعيدًا جدًا.
كأنه يأتي من مكان لا تستطيع الوصول إليه.
صوت قطرات ماء.
قطرة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
توقفت.
الصوت توقف.
تحركت.
عاد.
التفت حولك.
لا ماء.
لكن الصوت أصبح أوضح.
ثم سمعت شيئًا آخر.
همسة.
لم تفهم الكلمات.
اقتربت.
لم يكن هناك أحد.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
«لقد عبرت المتاهة...»
تجمدت.
كان صوتًا لا تعرف صاحبه.
انتظرت.
ثم تابع:
«لكن ماذا تركت خلفك؟»
نظرت إلى المكان الذي أتيت منه.
لم يكن هناك شيء.
بدأت تستعيد ما حدث.
المرايا.
الجدران.
البوصلة.
الوجوه.
الظلال.
كل شيء.
لكن فجأة شعرت بأن هناك شيئًا ناقصًا.
شيئًا مهمًا.
حاولت تذكره.
لم تستطع.
كلما حاولت الاقتراب من الذكرى، ابتعدت أكثر.
وكأن جزءًا من رحلتك قد مُحي.
جلست.
وضعت يدي على رأسك.
أغمضت عينيك.
حاولت أن تتذكر أول لحظة دخلت فيها المتاهة.
لكن بدلًا من ذلك رأيت شيئًا آخر.
رأيت بابًا.
وراء الباب طفلًا يقف وحده.
لم تستطع رؤية وجهه.
اقتربت منه.
لكنه ابتعد.
ناديت عليه.
لم يجب.
اقتربت أكثر.
وفجأة رفع رأسه.
كان وجهه بلا ملامح.
تراجعت.
فتح فمه وقال:
«لماذا تركتني هنا؟»
فتحت عينيك بسرعة.
كان قلبك يخفق.
نظرت حولك.
لم يكن هناك طفل.
لم يكن هناك باب.
فقط الطريق.
وضعت يدك على صدرك.
لم تعرف من كان ذلك الطفل.
لكن شيئًا داخلك أخبرك أنك تعرفه.
وربما لهذا السبب لم تستطع نسيان صوته.
وقفت.
هذه المرة لم تتابع السير مباشرة.
نظرت إلى الطريق.
ثم إلى الفراغ.
وفكرت:
ربما لا يكون الخروج من المتاهة هو أن تجد طريقًا بعيدًا عنها.
ربما يكون أن تفهم لماذا دخلتها أصلًا.
لكن لماذا؟
لماذا وجدت نفسك فيها؟
لماذا كانت المرايا تعرفك؟
لماذا كانت الجدران تحمل أصواتك؟
لماذا كانت البوصلة تشير إليك؟
ولماذا كانت الوجوه تحمل شيئًا من ماضيك؟
أسئلة كثيرة.
ولا إجابة واحدة.
رفعت رأسك.
ثم سمعت صوتًا خلفك.
هذه المرة كان صوت خطوات.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
استدرت.
لا أحد.
توقفت الخطوات.
انتظرت.
ثم بدأت من جديد.
أسرع.
تراجعت.
الخطوات اقتربت.
لم تكن تعرف ماذا تفعل.
ركضت.
لم تنظر خلفك.
ركضت حتى شعرت بأن أنفاسك أصبحت متقطعة.
ثم توقفت.
لا خطوات.
لا صوت.
لا شيء.
ضحكت ضحكة قصيرة.
ربما كنت تطارد نفسك مرة أخرى.
وضعت يدي على وجهك.
ثم أدركت شيئًا.
كانت يدك ترتجف.
ليس بسبب الخوف من شيء خلفك.
بل بسبب شيء أعمق.
كنت تخشى أن يكون ما خلفك...
هو أنت.
نظرت إلى الأرض.
ظهر ظلك.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
كان يقف أمامك.
مع أنك تقف تحت الضوء نفسه.
تجمدت.
رفعت يدك.
الظل لم يفعل.
أنزلتها.
بقي واقفًا.
كان يشبهك.
لكن رأسه كان مائلًا قليلًا.
كأنه ينظر إليك.
تقدمت خطوة.
تراجع هو.
خطوة.
تقدمت.
تراجع.
حتى أصبحت المسافة بينكما كبيرة.
ثم توقف.
رفعت رأسك.
لأول مرة، لم تشعر أنه يطاردك.
كان يهرب منك.
قلت بصوت خافت:
«لماذا؟»
لم يجب.
اقتربت.
لكنه بدأ يتلاشى.
تلاشى جزء منه.
ثم جزء آخر.
حتى لم يبقَ سوى بقعة صغيرة من الظلام على الأرض.
ثم اختفت.
وقفت وحدك.
لكن هذه المرة لم تحزن
فهمت شيئًا.
ربما لم يكن الظل عدوك.
ربما كان الجزء الذي حملته معك طوال الطريق.
الجزء الذي رفضت النظر إليه.
وحين نظرت إليه أخيرًا...
لم يعد بحاجة إلى مطاردتك.
واصلت السير.
هذه المرة كان الطريق أكثر هدوءًا.
بدأ الضوء يظهر بعيدًا.
ضوء خافت.
ليس قويًا.
لكنه كان كافيًا لترى أمامك.
اقتربت منه.
ومع كل خطوة، بدأت الأشياء التي تركتها خلفك تبدو أبعد.
الساعة.
الكتاب.
الصورة.
الطريق.
كلها اختفت.
ثم ظهر أمامك مكان تعرفه.
مكان عادي.
بسيط.
يشبه العالم الذي جئت منه.
وقفت عند حدوده.
لم تدخل.
لأنك كنت تعرف أن العودة ليست بهذه السهولة.
يمكن للإنسان أن يغادر المكان.
لكن هل يستطيع أن يعود إليه بالشخص نفسه؟
نظرت إلى يديك.
ثم إلى وجهك.
لم تجد شيئًا مختلفًا.
ومع ذلك كنت تعرف أن شيئًا في داخلك لم يعد كما كان.
لم تعد تستطيع أن تنظر إلى الظل بالطريقة نفسها.
ولا إلى المرآة.
ولا إلى الصمت.
ولاحتى إلى نفسك.
رفعت عينيك نحو المكان الذي أمامك.
ثم خطوت.
خرجت.
وخلفك...
لم يكن هناك شيء.
لا باب.
لا متاهة.
لا مرايا.
لا جدران.
فقط طريق فارغ.
وقفت طويلًا.
كنت تنتظر أن تشعر بأنك نجوت.
لكن الشعور لم يأتِ.
ربما لأنك بدأت تفهم أن النجاة ليست دائمًا شعورًا بالراحة.
أحيانًا تكون مجرد قدرة على الاستمرار رغم أنك لم تعد الشخص الذي كنت عليه.
نظرت إلى الطريق الذي أمامك.
ثم مشيت.
دون أن تعرف إلى أين.
وفي مكان بعيد خلفك، في مكان لا تستطيع رؤيته...
ظهر الباب مرة أخرى.
بقي مفتوحًا.
وكأن شيئًا ما لم ينتهِ بعد.
لكن هذه المرة لم يخرج منه أحد.
ولم يدخل إليه أحد.
فقط ظل طويل عبر الأرض...
ثم اختفى.
وهكذا انتهت رحلتك داخل المتاهة.
أو ربما..
كانت هذه مجرد اللحظة التي بدأت فيها الرحلة الحقيقية.