NOVELFLEX

دفء بعد العاصفة

حين ابتلعني الحبر · بقلم ذات الوشاح الاحمر

لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباحٍ سابق.

السماء كانت صافية على نحوٍ غريب، كأن المطر غسَل ذنوب القصر بأسره.

الحدائق المبللة تلمع كزمردٍ مكنون، والهواء يحمل عبير الأرض بعد المطر — رائحة الحياة نفسها.

حين عاد الملك إدريان إلى القصر، كان الكلّ في ذهول.

معطفه الممزّق، شعره المبتلّ، والخدش على وجنته — كلها علامات على ليلةٍ لم تُروَ تفاصيلها بعد.

لكن ما صدمهم حقًا… أنّ ريم كانت تمشي إلى جواره، بثوبٍ رماديٍّ بسيط، وابتسامةٍ صغيرةٍ رغم التعب، وكأن شيئًا مقدّسًا يجمعهما.

تقدّم اللورد غرينفيل بخطواتٍ حذرة:

– «جلالتك… الحمد لله على سلامتك. كنا نظنّ أن العاصفة قد…»

قاطعه إدريان بصوتٍ حازمٍ لكنه دافئ:

– «لقد أنقذتني السيدة ريم. من دونها، لما عدت إلى هنا.»

صمت الجميع.

ثم قالها بهدوءٍ أربكهم أكثر:

– «خلوّها ترتاح، بزاف تعبت.»

ارتفعت الحواجب دهشة.

حتى ريم نظرت إليه مصدومة قبل أن تبتسم بخفّة:

– «وش قلت؟ بزاف؟!»

ابتسم إدريان بخفّةٍ نادرة وقال:

– «هل قلتها جيّدًا؟»

– «ما شاء الله عليك، يا سيدي الملك… صرت تهدر جزائري!»

ضحك بعض الخدم في الخفاء، وارتبك البعض الآخر، بينما وقفت الملكة الأم في الشرفة العليا تراقب المشهد من بعيد، شفتيها مشدودتان، وعيناها تشتعلان قلقًا.

---

في الأيام التالية، لم يتحدث أحد عن التحقيق، ولا عن الرسالة الغامضة.

الكلّ كان مشغولًا بالتغيير الذي طرأ على الملك.

إدريان الذي كان لا يبتسم، صار يضحك أحيانًا — ضحكة قصيرة، لكنها حقيقية.

إدريان الذي كان يمرّ بين الخدم فلا ينظر لأحد، صار يردّ التحية، بل وأحيانًا يُفاجئهم بكلمةٍ جزائرية غريبة يقولها بلكنةٍ مضحكة، فتتعالى الضحكات في أروقة القصر.

حتى مارغريت، حين رأته يومًا يقترب من الحديقة ويسأل أحد البستانيين:

– «ها واش دايرين اليوم؟»

وقفت مذهولة، تكتم ضحكتها خلف المنديل.

ردّ البستاني بتلعثمٍ وهو يحاول تقليده:

– «الحمد لله، يا جلالتك… دايرين مليح!»

أما ريم، فكانت تراقب كل ذلك من بعيد، بقلبٍ يموج بالمشاعر.

كانت تعرف أنه يحاول بطريقته الخاصة أن يقول ما لا يستطيع قوله بالكلمات.

لكنها أيضًا كانت تخشى… فالقرب منه صار يؤلمها أكثر مما يطمئنها، وكأنها تعلم أن الزمن بينهما ليس عادلاً.

---

في إحدى أمسيات الخريف، كانت ريم تجلس في قاعة الموسيقى، ترتّب أوراقًا قديمة بينما يعزف أحد العازفين لحنًا رقيقًا على البيانو.

دخل إدريان بهدوء، يرتدي سترة مخملية داكنة بلون الليل، وخصلات شعره المنسدلة تلمع تحت ضوء الشموع.

قال وهو يقترب منها بخطواتٍ بطيئة:

– «قيل لي إنكِ علمتِ مارغريت أن تقول “يا لطيف”.»

ضحكت بخفّة:

– «إيه، بس هي تقولها غلط شوي، تقول “يا لوطيف”! تحسها تدعي وهي تغلط في الدعاء!»

جلس إلى جانبها، ابتسامة صغيرة على شفتيه.

– «تعلمين… حين كنتُ صغيرًا، قالوا لي إن الملوك لا يتحدثون إلا بلغةٍ واحدة، لغة الأوامر.

لكنّكِ علمتِني أن هناك لغةً أخرى… لغة تضحك حين تتلعثم، وتحبّ حين تخطئ في النطق.»

سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ منخفضٍ وهو يحدّق في البيانو أمامه:

– «أظنني بدأت أفهمها.»

– «لغتي؟»

– «لغتك… وقلبك أيضاً.»

توقّف العازف فجأة عند دخول أحد الحراس الذي انحنى قائلاً:

– «جلالتك، السفير الفرنسي وصل قبل الموعد.»

تنهد إدريان بخفةٍ وهو يهمّ بالوقوف، لكنّه التفت إليها وقال بلهجةٍ جزائريةٍ واضحة:

– «نكمّلو الحكاية من بعد، ها؟»

رفعت حاجبيها بدهشةٍ وضحكت:

– «ها؟! جلالتك قال "ها"؟!»

– «ها! تعلمتُها منكِ أيضاً.»

وغادر بخطواتٍ واثقة، تاركًا وراءه عبيرًا من الغموض والابتسامة.

---

في تلك الليلة، جلست ريم على شرفتها الصغيرة تتأمل السماء.

القمر ينساب على البحيرة التي تحيط بالقصر، والهواء يلامس وجهها كنسمةٍ من وطنها البعيد.

همست وهي ترفع نظرها للأفق:

> «يا ربي… لو بقى الحال هكا، يمكن ننسى الوقت اللي كنت فيه، ونصدق أني وُلدت هنا.»

لكنها لم تكن تعلم أن خلفها، خلف الستار، كان إدريان يراقبها بصمتٍ طويل.

لم يقترب، لم يتكلم.

فقط بقي هناك، يكتفي بنظرته تلك — نظرة رجلٍ بدأ قلبه يذوب ببطءٍ من جليدٍ امتدّ عمره سنوات.

> وربما… كانت تلك الليلة بداية النهاية،

أو بداية قصةٍ جديدةٍ تُكتب بلغتين مختلفتين، لكنّها تُفهم بنفس الشعور