NOVELFLEX

الفصل الأول: دمية الطفولة "إقرأ هذا الفصل بقلب طفل فالأشياء الصغيرة هي التي تبني أجمل الذكريات

يونا "رحلة فتاة من الحلم إلى الذات · بقلم Aiedrihane

كانت يونا مستلقية فوق عشبٍ طريّ بلون الزمرد، لا تفكر في شيء محدد، ولا تشعر بشيء واضح. كان التعب يملأ روحها، تعب غامض لا يعرفه الجسد بل تعرفه الأعماق، تعب لا يمكن الهرب منه ولا وصفه بالكلمات.

. في داخلها، كانت هناك طفلة لم تكبر، طفلة تنظر إلى العالم بعينين صغيرتين، لكنهما عميقتان عينان تقرآن الأشياء كما تُقرأ القصص، ببراءة دهشة القراءة الأولى

وفي أحد الأيام، حين جلست يونا على سريرها في غرفتها الخيالية السحرية، نظرت حولها... كل زاوية احتفظت بجزء منها، كأنها امتداد لقلبها، الدمية القديمة هناك، ممددة في صمت على الرف الخشبي البالي، لكنها لم تكن وحدها في تلك الذاكرة.

وفجأة، غمرتها الذكرى... عادت بها إلى تلك الليالي التي كانت تضم فيها الدمية إلى صدرها الصغير، كأنها تحتمي بها من خوف الليل. تذكرت كيف كانت تهمس لها بأسرارها الصغيرة، تلك الأسرار التي لم يكن يعرفها أحد غيرها هي ودميتها، تذكرت كيف كانت الدمية تمسح دموعها، أو هكذا كانت تظن، حين تخذلها الأيام الصغيرة.

كانت الدمية صديقتها الوحيدة في عالمها الطفولي، كانت تحمل ملامح الطمأنينة، وثوبها القطني البسيط صار في نظر يونا ثوب ملاك.

وفي تلك اللحظة، أحست أن قلبها عاد صغيرًا، كأن الزمن انكمش، وكأن يونا عادت طفلة تضم دميتها من جديد... لكنها الآن تدرك شيئًا جديدًا: ربما لم تكن الدمية تحميها من العالم، بل كانت تحفظ لها ذكرى البراءة، ذكرى السلام الذي كان يسكن قلبها.

في نفس الزاوية، من خيالها، كانت ظلال صديق طفولتها الخيالي، ذاك الذي ابتكرته ذات ليلة حين شعرت بالوحدة. كان يجلس قربها بصمت، وجهه طيب وملامحه هادئة، لا يتكلم كثيرًا، لكنه كان ينظر إليها بعينين كبيرتين مليئتين بالحنان.

كان هذا الصديق هو من كانت تحدثه حين تشعر أن العالم لا يسمعها. كان يسمع كل أسرارها، كل أحلامها الصغيرة، حتى تلك التي لم تجرؤ على قولها بصوت عالٍ. كانت تخبره بما تحلم به، بما تخاف منه، وكان هو يبتسم لها دائمًا، تلك الابتسامة التي تشبه ضوء القمر حين يغمر الغرفة في ليالي الوحدة

والآن، وهي تنظر إلى الغرفة، شعرت للحظة أن صديقها الخيالي هناك... جالس كما كان دومًا، ينظر إليها وكأنه يذكّرها: "ما زالت الطفلة بداخلك، وما زلتِ تستطيعين أن تحلمي."

وفي خضم تلك الذكريات التي أعادتها إليها الدمية، تذكّرت يونا أمها... تذكّرت الدفء الذي كان يملأ البيت حين تعود من العمل،وتلك اللحظة التي كانت تركض فيها نحو الباب لتستقبلها بابتسامة تتلألأ مثل صباح جديد.

كانت أمّها عالمها الأول، ودفء قلبها الذي لا يغيب. كانت يونا الصغيرة تتعلّق بيديها الصغيرتين، تمسك أصابع أمها وتلعب بها كما لو كانت مفاتيح سحرية تفتح الأمان. وفي كل ليلة، قبل النوم، كانت هي من تروي القصص لأمها، لا العكس — تحكيها بصوتٍ خافتٍ كأنها تخشى أن تزعج الحلم، وتراقب وجه أمها بابتسامة فخر طفولي حين تنصت إليها بمحبةٍ ودهشة.

وفي كل عيدٍ للأم، كانت يونا تقيم احتفالها الصغير: تفرش الورد على الأرض، تكتب رسائل من قلوبٍ ونجومٍ وعباراتٍ ملونةٍ تقول فيها "أحبك يا أمي"، ثم تضعها تحت وسادتها أو على مائدة الفطور، لتجدها أمها وتبتسم

كانت تهوى الكتب والدفاتر، تهوى الدراسة كما لو كانت رحلة سحرية إلى عوالم أخرى، لكنها تكره زيارة الطبيب، و تظن أن المرض يزول حين تضمها أمها فقط، وأن الدواء الحقيقي هو لمسة اليد التي تحبها.

كانت أمها مرآة العالم الجميل الذي صدّقته يونا ، ومن بين كل ما تذكّرته يونا، بقي في قلبها شيء واحد لا يبهت: حب أمها، ذلك الحب الذي علّمها كيف تحب الآخرين بصدق، كيف ترى الجمال في البساطة، والكرامة في التواضع.

كانت أمها امرأةً لا تعرف الغرور، تمد يدها للناس قبل أن يُطلب منها، وتبتسم للغرباء كما تبتسم لأهلها. كانت تقول دائمًا

يا يونا ، الكلمة الطيبة أجمل من التاج، لأن التاج يُخلع، أما الطيبة فتُورّث.

ومنها تعلّمت يونا أن العطاء لا يحتاج شهودًا، وأن النور الحقيقي لا يأتي من المصابيح، بل من القلوب التي تعرف معنى الرحمة.

وكانت الطفلة الوحيدة بين أبناء عمومتها من الإناث. فقد قضت طفولتها تركض وتلعب كرة القدم معهم، لأن أبناء عُمومها الذكور كانوا من عمرها، بينما بنات العم والإخوة كانوا أكبر منها بكثير. لذلك كبرت بشوشة، محبة للضحك واللعب، لا ترى في العالم إلا مساحة واسعة للفرح

وكان أبناء عمومتها ينتظرون خروجها للعب، فهي الوحيدة التي تضيف للعبة ضحكًا وصراخًا ومرحًا، تجعل اليويو تبدو كأنها تحتفل معهم. بهذه البساطة، كانت تبني ذكريات صغيرة، لكنها عميقة، ذكريات تشبه الخيط الذي يصل اليويو بيدها: يمتد، يعود، ولا ينقطع.

كانت تلعب اليويو مع أبناء عمها بكل مهارة، تضحك عندما ترتفع اللعبة وتهبط، وتتباهى أمامهم بأنها تستطيع أن تجعلها ترقص في الهواء.

كانت اليويو بالنسبة لها ليست مجرد لعبة، بل كانت شيئًا يلمع ويشعرها بأن طفولتها كانت عالَمًا متحرًكًا، لا يعرف السكون.

وكان حديثها مع الناس فريدًا ومضحكًا في آن واحد مزيجا من العربية الفصحى، والفرنسية، والقليل من اللغة الأصلية لبلدها الامازيغية

ومن بين أجمل ذكريات طفولتها، كانت يونا تتذكر شهر رمضان ….

ذلك الشهر الذي كانت تنتظره بقلبٍ يخفق أكثر مما يخفق قلب طفلة في عمرها.

كانت ترافق عمتها كل ليلة إلى صلاة التراويح، تمسك يدها الصغيرة بثبات، وتمشي معها في طريقٍ تضيئه فوانيس البيوت ورائحة الليمون المنبعثة من النوافذ.

ورغم صِغر سنها، لم تكن مثل باقي الأطفال الذين يتعبون سريعا أو يتذمرون، بل كانت تقف ثابتة كأن شيئًا في قلبها يوقظ قوة لا تشبه الأطفال.

كانت تصلي كل الركعات دون أن تتحرك، عيناها مركزتان على محراب المسجد، وروحها خفيفة .

وعندما تنتهي الصلاة، ترفع يديها إلى السماء فوقها، وتبدأ بالدعاء…

تدعو لعائلتها واحدًا واحدًا، لأمها، لجََّدَّتها، لعمّها، لصديقتها التي كانت ترافقها في المدرسة، ولمن تحب ولمن لا يعرف أنها تحبه

وكانت في تلك اللحظات تشعر أن الأرض لا تكفي فرحتها كأن الأمان يحيط بها من كل جهة.

ومن الذكريات التي تبتسم لها كلما عادت إليها، تلك التي جمعتها مع صديقتها الأقرب إلى قلبها…

كانتا تملكان معًا دفترا خاصًا، أطلقتا عليه اسم "دفتر الذكريات."

لم يكن دفترًا عاديًا، بل كان أشبه بصندوق صغير من السحر… يفتح فتفيض منه لحظات دافئة لا يعرفها غيرهما

كانت يونا وصديقتها تجلسان في زاوية هادئة من فناء البيت، تحت ظل شجرة الليمون، تفرشان الدفتر بينهما بعناية، وكأنهما تتعاملان مع كنز ثمين.

كانتا تكتبان فيه كل اللحظات الجميلة التي لا تريدان لها أن تضيع :

يوم نجحتا في الامتحان بصعوبة، يوم لعبتا حتى الغروب، يوم اشترتا أول قلادة متشابهة، يوم بكَت إحداهما فمسحت الأخرى دمعتها.

وكانتا تُلصقان في الدفتر أوراق الأشجار، صورا صغيرة، أوراق حلوى احتفظتا بها من يوم سعيد، وحتى تذاكر العيد التي مزقها أولاد الحي لكنها بقيت ذكرى تضحكهما.

وفي كل صفحة، كانتا ترسمان قلوبًا صغيرة ،نجوًمًا، ووجوًها تضحك… كانت صديقتها تقول لها دوًمًا:

عندما نكبر سوف نتذكر هذه الكتابات ونبتسم وكانت يونا تصدّقها…

تشعر أن ذلك الدفتر ليس مجرد أوراق، بل مرآة صغيرة لروحها، تحفظ فيها طفولتها حتى لا يسرقها الزمن

وفي كل مرة تغلقان الدفتر، كانتا تتعاهدان بصوت طفولي حنون لا نترك ولا ذكرى تهرب

و هكذا… صار ذلك الدفتر شاهدًا على طفولتهما، على ضحكهما، على صداقتهما التي كانت أكبر من عمريهما، وأصفى من كل شيء

وفي بعض الأمسيات الهادئة، كانت تخرج إلى السطح وتنظر إلى السماء. لم تكن تفهم علم النجوم ولا خرائطها، لكنها كانت تؤمن أن هناك نجمة تخصّها وحدها.

كانت تبحث عنها كل ليلة ، تبتسم لها وكأن بينهما سرا لا يعرفه أحد. ربما كانت

تلك النجمة هي التي جعلت أحلامها كبيرة أحلامًا لا تشبه سن طفلة، بل تشبه قلبا يريد أن يلمس العالم.

ومع كل تلك الذكريات، كانت تكبر، لكن طفلتها الداخلية لم تفارقها أبدًا.

كانت تعيش في ضحكتها، في خطواتها السريعة

في كلماتها التي تمزج اللغات بخفة، وفي الطريقة التي كانت ترى بها الخير في أصغرالأشياء.ومع ذلك، لم يكن أحد أقرب إلى قلبها من جدتها. كانت تراها أمًا ثانية، تشبه الطيبة وتمشي بها. كانت جدة يونا طيبة القلب، رحيمة، تمنح الحنان قبل أن يطلب منها، وتقدم الخبز والدفء والدعاء في آنٍ واحد. كانت حضنًا لا يشيخ، وابتسامة تزيل خوف الأيام.

كانت يونا بنتًا للجميع، الطفلة المقربة من قلوبهم جميعا.

فقد ساهمت العائلة كلها في تربيتها، وكلّ فرٍدٍ منها ترك بصمته في قلبها الصغير.

ومن بين اللحظات التي تشتاق إليها من طفولتها، تلك التي تحمل فيها محفظتها الحمراء الصغيرة التي كان يزّيّنها دبدوب لطيف. كان عمّها يأخذها بها إلى السوق، يشتري لها الحلوى ويضعها في تلك المحفظة كأنها كنزهاالسري.

عاشت طفولة جميلة، محاطة بالحبّ من كل جانب، فكلّ فرٍدٍ من عائلتها غرس فيها خُلقًا جميلًا، حتى أصبحت مرآةً لدفء تلك القلوب التي ربتها بالحنان

ومع مرور السنوات الأولى من طفولتها، لم تكن يونا مجرد طفلة تركض في الأزقة أوتلاحق الكرة بين أبناء عمومتها؛ بل كانت روحًا صغيرة تتفتح في عالم واسع من الدهشة. كانت تستيقظ باكرًا ،قبل الجميع، تفتح النافذة الخشبية القديمة وتتنفس هواء الصباح البارد الذي يلامس وجنتيها برفق. كانت تحب تلك اللحظة لأنها تشعر أنها الوحيدة التي تملك العالم قبل أن يستيقظ.

و هكذا، أصبح عالم يونا فسيفساء من الحب: دمية صغيرة، صديق خيالي، أم

دافئة، جدة طيبة، عمّ محب، وطفلة تركض بلا خوف خلف كرٍةٍ تصنع بها ذكريات لا تُنسى.

كانت يونا، منذ طفولتها الأولى، ترى نفسها تعيش في عالم خاص بها، عالم خيالي واسع ينسج من أحلامها الصغيرة بيوتًا وسماءً وطرقات لا تشبه شيئا في الواقع. كانت تقول دائمًا لنفسها: "سنبني حلمًا... سيكون منزلنا يوًمًا ما، سنعيشه، فالأمل يقوّينا" .كانت تؤمن أن الخيال ليس هروبًا، بل وعدًا صغيرا بالمستقبل. كانت تتخيّل غرفتها، وأبوابها، وحديقتها، وترى كل ذلك قريبًا منها كأنها تستطيع أن تلمسه بيديها.

ولم تكن ألعابها مجرد تسلية، بل كانت جزءا من ذلك العالم السحري. بعد دميتها القديمة التي كانت صديقتها الأولى

فليس الطفولة التعيسة هي التى تصنع شخصيات الانسان فقط فالطفولة المحاطة بالحب تصنع الفرق