NOVELFLEX

ذروة الذعر

همس الأرواح · بقلم Hadil Lg

الفصل الخامس:ذروة الذعر

كان الهوى داخل الممر ثقيلاً كأنهم يغوصون في قاع محيط من الزئبق. كابوسٌ حقيقي يعيشه شهاب وهو يجرجسد سفيان وشبه المغمى عليه بيده اليمنى، ويحتضن أخاه الصغير إياد بذراعه اليسرى.

كان جدار الظلام يتجمّع عند بداية السلم الحلزوني، تتشكل فيه أشكال مبهمة لسراب أرواح قديمة حُبست في هذا البيت؛ وجوهٌ مشوهة بلا أعين، وأفواهٌ مفتوحة تصدر منها صرخات خافتة لكنها تمزق الرأس من الداخل. كانت الهمسات تزأر في آذانهم بنبرة واحدة ممتدة:

"لا خـ...ـر...ـو...ـج... لـ...ـمـ...ـن... شـ...ـر...ـب... مـ...ـن... الـ...ـعـ...ـهـ...ـد..."

"شهاب! الظلال تلتف حول أقدامنا!" صرخ إياد، وكان صوته يخرج متقطعاً ومليئاً بالبكاء الخائف.

التفت شهاب للخلف، فرأى أن البقعة السوداء التي انسكبت من الإبريق الفخاري لم تعد محصورة في الغرفة، بل أخذت تزحف عبر الخشب تحت أقدامهم كأغصان شوكية سوداء، تتتبع أثر سفيان تحديداً. كانت العروق السوداء على وجه سفيان تتوهج بضوء بنفسجي خافت، وجسده يزداد ثقلاً وكأن الأرض تجذبه بقوة هائلة.

"سفيان! استفق وساعدني!" جأر شهاب وهو يلمز صديقه بقوة.

فتح سفيان عينيه بصعوبة، لكن بياض عينيه كان قد غطاه خيطٌ محمرّ مريب. قال بنبرة مشلولة كأنه يتحرك داخل حلم مرعب: "شهـ...ـاب... اتركوني... إنهم... ينادونني باسمي... الصدى في رأسي لا يتوقف..."

"لن نتركك ض،هنا!" صاح شهاب بأعلى صوته محاولاً إيقاظ إرادة سفيان.

سلط شهاب ضوء المصباح اليدوي المتبقي نحو جدار الظلال المحتشد على السلم. وبطريقة مفاجئة، اندلع شعاع المصباح الباهت ليحدث خرقاً صغيراً في الظلام، وكأن الضوء يثقب تلك الكيانات الطيفية مؤقتاً!

أدرك شهاب الحل في تلك اللحظة؛ الأرواح والظلال تتغذى على العتمة والوقت المتباطئ، لكن الضوء المباشر يربك ترافقها.

"إياد! أمسك المصباح وركّز الضوء على السلم أمامنا ولا تطفئه أبداً!" أمر شهاب أخاه الصغير وهو يسلّمه المصباح.

قبَض إياد على المصباح بيدين ترتجفان، ووجّه الشعاع الأصفر نحو السلم الحلزوني. تراجعت الظلال الرمادية قليلاً وصدر منها صرير حاد كحفيف الزجاج المكسور.

استغل شهاب هذه اللحظة، ورفع سفيان بكل ما أوتي من قوة على كتفه، ثم قفز نحو الدرجة الأولى من السلم. لكن البيت لم يكن ليستسلم بسهولة؛ فمع كل درجة ينزلونها، كان الخشب الحجري تحت أقدامهم يتآكل وينكسر ببطء شديد، ودرجات السلم تبدو وكأنها تتمدد وتطول، ليصبح الهبوط مجرد حركة في مكان واحد لا تنتهي.

وفجأة، انبثقت من الجدران المقشرة أيادٍ ظلية طويلة ذات أصابع دقيقة، وامتدت من كل اتجاه. أمسكت إحدى الأيادي بمعطف سفيان وسحبته للخلف بقوة هائلة، بينما قبضت يد أخرى على قدم شهاب.

تعثر شهاب وسقط على الدرجات الخشبية، وسقط سفيان بجانبه ليتدحرج ببطء مريب نحو الأسفل. صرخ إياد وهو يرى الأيادي الظلية تلتف حول رادي سفيان لتحبه نحو الأعلى مجدداً.

بلغ الذعر ذروته؛ كان الوقت يتباطأ أكثر فأكثر، حتى كادت ضربات قلوبهم تتوقف بين الضربة والأخرى، والأرواح تزأر محاطة بهم من السقف والجدران، محاولة فصل سفيان عنهم بأي ثمن لتبقيه حبيساً معها في مصيدة الزمن إلى الأبد!