البرتقالة والزمكان
بعد مدة، وجدت نفسي في السوق يوم الجمعة. كانت الحركة تعم المكان، والباعة ينادون على بضائعهم، والناس يتنقلون بين الأكشاك.
هناك التقيت صديقي القديم، الذي لم أره منذ زمن طويل. تبادلنا الحديث والضحك، وكأن السنوات التي فرّقت بيننا لم تكن موجودة.
كان معه شيء بسيط، حبّة برتقال قدمها له رجل عجوز صدقة في يوم الجمعة. نظر إليّ ضاحكًا وقال إنها شيء صغير، ثم دعاني إلى زيارته.
أخذت حبّة البرتقال، وفي الطريق، بينما كنت أقشّرها، شعرت وكأنني أنبش الماضي بأصابعي.
انتهى بي المطاف في غرفتي. تناولت الجزء الأول منها، فتغير حالي، والتفّت بي الأرض، ومر شريط حياتي أمام عينيّ. وفي لمح البصر، عدت إلى زمن بعيد، وأنا أتساءل:
برتقالة؟
دققت النظر فيها. كيف لنكهة أن يكون لها دور في إعادتك سنوات إلى الوراء؟ كيف يستطيع الطعم الحامض والحلو أن يفتح أبواب أيام ديسمبر البارد؟
تذكرت يومًا كنا فيه مجتمعين في البيت الكبير حول المدفأة الكهربائية، نحاول الاحتماء من برد ديسمبر. وسط حكايات العائلة، طرق الباب خالي الأكبر، حاملًا مقدارًا كبيرًا من فاكهة الشتاء؛ تلك التي تجمع العائلة بمذاقها، وتمنح الجلسة دفئًا وبهجة.
وفجأة، بعد تناولي الجزء الثاني من البرتقالة، تعالت الأصوات خارج الغرفة. وقع شجار بين الإخوة، فهرع الجميع لمعرفة ما حدث. علت الدهشة الوجوه، وراح كل واحد يبحث عن سبب الخلاف.
لكن، مع انقشاع الضباب واتضاح الرؤية، عادت المياه إلى مجاريها.
هذا ما استحضره جزء من حبّة البرتقال: كيف كانت النفوس طيبة ومتسامحة، حتى إننا ننتقل من خلاف يشبه ثوران البركان إلى جلسة عائلية هادئة، كأن شيئًا لم يكن.
لعل تلك السنوات محَت منا كل ما هو جميل في الخاطر.
سقطت دمعة على خدي، وأضافت طعم الملوحة إلى حموضة البرتقال، وأعادت إليّ إحساس الاشتياق إلى تلك الأيام.
ومع تناولي الجزء الثالث، دخلت دوامة زمنية أخرى، أبعد من سابقتها وأكثر دفئًا. لم يكن دفء العائلة مجتمعة هذه المرة، بل دفء الوالدين وتضحيتهما.
بعد ليلتين من مصارعتي لمرض الزكام، في أحد أيام يناير، فتحت عينيّ في منتصف الليل. كانت أمي بجانبي، تضع على جبيني ضمادة مبللة بماء الورد، وتحاول تخفيف حرارتي، بينما كان أبي بين التعب والقلق، يتابع حالتي.
أحضر لي حبّة برتقال بعدما قشّرها بسرعة. وما إن فتحت عينيّ حتى مدّها إليّ، وقال بصوت خافت متقطع:
«حاول أن تأكل جزءًا منها، لعلها تساعدك. إنها طيبة».
أتذكر جيدًا طعمها، ورائحة المرض والدواء، وعبق ماء الورد الذي كان يملأ المكان.
كيف لرائحة أن يكون لها ذراعان ويدان، فتحتضنك وتعيدك إلى لحظة ظننت أنك نسيتها؟
لم تكن البرتقالة وحدها سبب شفائي، بل دفء والديّ وإصرارهما على الاعتناء بي. وبعد أيام من المرض والتعب والنعاس، كنت قد بدأت أستعيد عافيتي.
ليست معجزة أن يعيد طعم واحد إلى ذهنك كل ما مررت به؛ فذاكرتنا تخبئ أشياء لا نعرف أنها ما زالت تسكننا.
ومع قضمتي الثالثة، غلبني النوم تحت طمأنينة أنني بين يدي أمي، وتحت عين أبي الساهرة. فتحت عينيّ في ذلك العالم القديم، وهما مغرورقتان بالدموع، متذكرًا قوله تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
مسحت إحدى وجنتيّ، والتقطت جزءًا آخر من هذه الفاكهة السحرية، متعجبًا من عظمة الخالق.
وبسرعة، سافرت بها نحو فمي لأستقل قطارًا آخر. وما إن لامست شفتيّ حتى تمهلت قليلًا كي تطول مدة رحلتي.
كنت جالسًا قرب طاولة الخضر في السوق، والأصوات تتعالى من الباعة والمشترين والأطفال، والأقدام تتخبط ذهابًا وإيابًا. كنت أنتظر، حاملًا قفة أثقل وزنها يديّ، بينما كان التاجر يقسم أن البرتقال حلو المذاق.
قال:
«تذوق يا عمي، وتأكد بنفسك».
تردد أبي قليلًا، ثم أخذ حبّة اختارها بعناية ليعاين البضاعة. كنت أراقبه بتلهف، متعجبًا: كيف يستطيع أن يعرف حلاوتها من بين كل الحبات؟
تغير عبوس أبي إلى رضا، فأخذنا حاجتنا، وارتسمت على وجه التاجر بسمة انتصار، كأنه حقق أعظم إنجاز في حياته.
شقَقنا طريقنا بين المارة، نصارع البرد ونحاول الوصول إلى البيت. وبينما كنت أواصل أكل نصيبي، أخذ صوت أبي يبتعد في ذاكرتي وهو ينصحني بأن أحسن الاختيار وأحافظ على مالي.
كان يتحدث كأنه يدرّب جنديًا على خوض حرب، ويلقي عليه الأوامر.
كانت تلك من أسعد لحظاتي.
وحين تلاشى طعم الجزء الرابع، وجدت نفسي في غرفتي من جديد. لم أكن قد تحركت من مكاني. عدّلت جلستي ونظرت إلى يديّ متعجبًا:
كيف يقولون إن السفر في الزمن غير ممكن، وأنا قد سافرت بحبّة برتقال؟
اتسع فمي بابتسامة، لكن فرحتي لم تدم طويلًا. لم يبقَ من الفاكهة الكثير، وكانت فرص السفر تكاد تنتهي.
ترددت: أأحتفظ بما بقي منها، أم أستمتع به وأسافر مرة أخيرة؟
أطلت النظر إليها، إلى قشرتها الشفافة، وإلى حبات اللب المتراصة بعروق بيضاء. سبحان الله! كأن كل حبّة منها تريد أن تقذف بي إلى عالمها.
لطالما أردنا أن نعيش الماضي، ولو للحظة. وقد حققت لي هذه الحبّة ما تمنيت.
وبعد تفكير أرهقني، قررت أن أقسمها إلى نصفين، كي أستمتع بها قليلًا.
ضغطت عليها بأصابعي، فخرجت عصارتها من خلال قشرتها كدمعة. ومع تمزق اللب وتفككه، سالت قطرة ببطء، تلمع تحت الضوء كأنها توقف الزمن.
ثم وجدتني في الحديقة العامة، أمام صديقي الذي علت وجهه ضحكة من القلب.
قال لي:
«لقد قلت لك يا فهيم إنك ستعصرها!»
وبعد مشادة بيني وبينه، تناول نصيبه، بينما كنت أنظر إلى العجوز الذي قدمها لنا صدقة يوم الجمعة.
ما زال الخير موجودًا.
كان صديقي يضحك ويتلذذ بالطعم الحلو. كيف لا، وقد جاءت البرتقالة في وسط فرحته بلقاء صديقه الذي تحلو الجلسة معه؟
خاطبني:
«هل ستأكل نصيبك؟»
هززت رأسي بالإيجاب. كيف لا آكل نصيبي، وقد تقاسمناها بعدل؟
أكلت حصتي بسرعة، ثم عدت إلى بيتي من جديد.
آه يا صديقي، إنها الأيام التي فرّقت بيننا، ثم جمعتنا حبّة برتقال. كم يؤلمني بُعدك بعدما كبرنا، وأصبح لكل منا بيت وعائلة وزوجة.
تناسيت أنني أحمل في يدي جزءًا من فيتامين السعادة، أو بالأحرى جزءًا من الماضي. تناولته بسرعة، وكأنني أتلذذ بوجبة لم أذق مثلها من قبل.
ومع بدء مفعولها، ركبت آلة الزمن من جديد. أغمضت عينيّ، واسترخت عضلاتي، وبدأت أسمع أصوات الموسيقى.
أين أنا الآن؟
أفي حفل زفاف؟
وأين يتذكر المرء الطعام والولائم غير في الأعراس، ولا سيما عرسًا تُخصّص لك فيه مائدة لأنك من أهل الدار؟
نعم، إنه عرس خالي الأكبر.
كانت تلك من أحلى الأيام التي رأيت فيها كيف يكون للمرء شأن وسط أهله وعائلته وأصدقائه، وبجانب من يحب. فلولاهم لما أقيمت الوليمة، ولما أحضرتني آلة سفري إلى هنا.
لعل ما أعادني إلى هذا المكان هو كرم الأهل في تلك المناسبات؛ فليس الكرم حكرًا على الغني، بل هو للغني والفقير، للأهل وغير الأهل، ولمن يحتاج إلى فرحة تجمعه بالآخرين.
ما زال الخير موجودًا.
ومع فرحتي ودهشتي، انطفأت الأضواء، وعادت جدران قاعة الحفل بلا زينة.
أين أنا؟
في غرفتي.
عدت إلى المكان الذي بدأت منه، من دون أن أتحرك. اكتملت أجزاء البرتقالة، وانتهت رحلتي. وحين انتبهت إلى الوقت، وجدت أن أربع ساعات قد مرّت، بمعدل ساعة لكل رحلة.
خيّم السكون، ونظرت نحو النافذة. كان الليل قد حلّ، وأشارت الساعة إلى التاسعة مساءً.
كيف حدث هذا، وأنا لم أجلس إلا بعد عودتي من السوق، حين قدم لي صديقي الذي لم ألتقه منذ مدة حبّة البرتقال؟
ها أنا أعود إلى الواقع الأليم، وأمامي أدوات الرسم، والغرفة في حالة فوضى، وملابس البروفات فوق الحقيبة.
هممت بجمع أدوات الرسم، وارتديت خاتم خطوبتي.
نعم، خطوبتي من ملاك، زوجتي وصديقة طفولتي، التي تقاسمت معي أحلامها.
الحب هو اللص الوحيد الذي يقتحمنا على مرأى منا، ويأخذ أعز ما نملك: قلوبنا وأرواحنا. أو لعل الحب وسيلة اللصوص؛ نعم، كنت أحد اللصوص، أو بالأحرى مثّلت ذلك من قبل، لكنني أدركت أنني سرقت قلبها.
ها هي الآن تمضي في طريقها لتصبح رسامة كبيرة. ولعل حديثي عن الماضي أنساني حلاوة حاضري.
نعم، فحياتي مسرحية حزينة تتخللها فواصل إعلانية من السعادة. لربما ابتسم لي الحظ من جديد؛ لا ندري ماذا يخبئ لنا القدر.
في طريقي للبحث عن السعادة، نصحني كل من يعرفني أنا وملاك بأن ننتقل إلى باريس، نظرًا إلى موهبتنا. وها نحن نلمّ أمتعتنا.
هذا هو سبب الفوضى في الغرفة.
في باريس
الحي السابع عشر، قرب قصر المؤتمرات، في منطقة باتينيول، شمال غرب باريس، وعلى بعد مسافة من مركز المدينة ومحطات المترو والقطار.
كان المكان بداية مناسبة لحياة جديدة؛ حي جديد، وأحلام جديدة، وعائلة نحاول بناءها بعيدًا عن كل ما عرفناه.
ومع ذلك، كان ينقصه شيء لا يمكن شراؤه بالمال: سقف يتكئ على كتف أبي، وأرض تثبتها سجدات أمي.
نعم، هذا ما كان ينقصني.
كانت ملاك جميلة كعادتها، وكانت الأيام تزيدها رونقًا. ربما كانت منقذتي من البؤس، وربما كان لقاؤنا محض صدفة، وربما كانت جائزتي بعد كل ما مررت به.
كانت أناملها تداعب الفرشاة كل صباح في غرفتنا، لتخلق عالمًا آخر داخل باريس، عاصمة النور.
كان طموحنا واضحًا منذ البداية: سأصبح ممثلًا عظيمًا، وستصبح هي رسامة مشهورة. وفي شقة جميلة بدأنا تحقيق أهدافنا يومًا بعد يوم.
في الحي الذي سكناه، تعرّفت ملاك إلى سيدة ثرية لطيفة المعشر. وذات يوم، طلبت منها استعارة عقد لؤلؤ غالي الثمن لحضور دعوة عشاء.
وافقت السيدة الثرية وأعطتها العقد، موصية إياها بالمحافظة عليه.
لكن ملاك اكتشفت ضياع العقد بعد عودتنا إلى الشقة، فأخذت تجهش بالبكاء، فيما انهرت أنا من أثر الصدمة.
كان أول ما تبادر إلى ذهني أن الحظ العاثر سيلاحقني طوال حياتي.
وبعد مراجعة الخيارات المتاحة، قررنا شراء عقد جديد للسيدة الثرية، يحمل الشكل والمواصفات نفسيهما.
ولتحقيق ذلك، بعنا كل ما نملك، واستدنّا مبلغًا كبيرًا بفوائد فاحشة.
اشترينا عقدًا مطابقًا بسرعة، وأعدناه إلى السيدة التي لم تشك مطلقًا في أنه ليس عقدها القديم.
غير أن الدين كان كبيرًا، والفوائد تتضاعف باستمرار.
تركنا شقتنا الجميلة وانتقلنا إلى غرفة متواضعة في حي فقير.
ولتسديد ما علينا، تخلّت ملاك عن حلمها القديم، وبدأت تعمل خادمة في البيوت. أما أنا، فتركت التمثيل، وبدأت أعمل حمّالًا في الميناء.
ظلَلنا على هذه الحال خمسة وعشرين عامًا، ماتت خلالها الأحلام، وضاع الشباب، وتلاشى الطموح.
عملت الأيام بملاك كما فعلت بي من قبل، أما أنا فقد اعتدت الحياة الجديدة. ربما كانت هي مصدر سعادتي، وكنت أنا، وحظي العاثر، مصدر بؤسها.
وذات يوم، ذهبت ملاك لشراء بعض الخضروات لسيدتها الجديدة، وبالصدفة شاهدت جارتها القديمة.
دار بينهما الحوار التالي:
قالت الجارة:
«عفوًا، هل أنت ملاك؟»
أجابت:
«نعم. من المدهش أن تعرفيني بعد كل هذه السنين!»
قالت الجارة:
«يا إلهي، تبدين في حالة مزرية! ماذا حدث لك؟ ولماذا اختفيتما فجأة؟»
قالت ملاك:
«أتذكرين، يا سيدتي، العقد الذي استعرته منك؟ لقد ضاع مني، فاشترينا لك عقدًا جديدًا بقرض بفوائد، وما زلنا نسدد قيمته».
شهقت الجارة وقالت:
«يا إلهي! لماذا لم تخبريني يا عزيزتي؟ لقد كان عقدًا مقلّدًا، لا يساوي أكثر من خمسة فرنكات!»
وهنا انهارت ملاك من هول الخبر.
أحيانًا نخشى مواجهة الحقيقة، لكن الخسارة تكون أكبر حين لا نواجهها.
وفي طريقنا للبحث عن السعادة، ضاع العمر.
الخاتمة
السلام على الضاحكين، وفي قلوبهم سنين من البكاء؛ أولئك الذين قرروا العيش، ولم تحالفهم الحياة بعد.
وشكرًا لتلك الخائنة التي جعلت مني رجلًا عظيمًا، وللظروف التي صقلتني وتركت ندوبها عليّ.
يتبع...