NOVELFLEX

حبر و رماد

كيميائي · بقلم belhossainekhawla

في أحد شوارع لندن المظلمة، كان صوت الأنين يتردد مكتوماً.

في زاوية ضيقة عند نهاية الشارع، كان رجل يئن بألم. ثيابه ممزقة، جسده مجروح، أنفاسه تخرج بصعوبة، والدماء تسيل منه مختلطة بقطرات المطر التي بللته.

قاوم، وبدأ يزحف على الأرضية القاسية، لكن قدماه لم تسعفاه. بدا واضحاً أن شخصاً ما عذبه بلا رحمة. كان يزحف على يديه، يتشبث بالحياة، كان البرد يلسع جراحه أكثر من الألم نفسه.

وفجأة...

دعس أحدهم بحذائه الأسود على يده.

صرخ بألم فظيع، شعر بعظامه تتهشم تحت الحذاء. رفع رأسه، فلمح رجلاً ملثماً بالسواد، والشر يتطاير من عينيه.

ثم وجه المسدس نحوه.

انكمشت ملامح الجريح بجزع، وبدأ يتوسل بصوت باكٍ متقطع:

«أرجوك... أتوسل إليك، لن أكرر خطأي مرة أخرى يا...»

لكنه لم يكمل توسله.

دوّى صوت الرصاصة.

استقرت في جمجمته، ليسقط جسده جثة هامدة.

انحنى القاتل ببطء فوق جثته، وهمس بفحيح بارد كالموت:

«أنا لا أعطي فرصة للخونة.»

------------------------------------------------------

> تسللت أشعة الشمس الدافئة إلى غرفة المعيشة الواسعة. كانت الغرفة كلاسيكية الأثاث، بألوان دافئة تبعث على الراحة، وجدرانها مزخرفة بخطوط متعرجة.

> في أحد جوانبها، استقرت أريكة صوفية بنية اللون قبالة مدفأة متقدة، يعلو فيها صوت فرقعة الحطب، فتضفي دفئا يناقض برودة الخارج. فرغم إشراقة الشمس، بقيت الغيوم الرمادية متلبدة في السماء، تنذر بهطول مطر قريب.

> وإلى جانب غرفة المعيشة، امتد ممر قصير ينتهي بباب بني بنقوش ذهبية، لم يكن مغلقا تماما. ولو استرقت النظر من خلاله، لرأيت فتاة تولي ظهرها للباب، مفترشة الأرض، منغمسة وسط أوراق مبعثرة حولها.

. كانت تحرك القلم بين أناملها باحترافية، تارة تبتسم وتارة تعقد حاجبيها في انزعاج محبب، يجعل ملامحها تنكمش بلطف. ورغم ذلك، ظلت منغمسة في رسمتها.

> إلى جوارها، نامت قطتها البيضاء. كانت بين لحظة وأخرى ترفع عينيها إليها، ثم تعود لتجمع خصلات شعرها البني المموج في كعكة مهملة، بينما عيناها البنيتان اللامعتان لا تفارقان الورقة.

واصلت تركيزها على الورقة، بينما النسيم البارد المتدفق من الشرفة يداعب خصلات شعرها، لتنكمش في منامتها القطنية المزينة برسم كرتوني لدب بني. وفجأة، هتفت بصوتها الناعم بانتصار والإبتسامة تملا وجهها، رفعت الورقة بين يديها لتأمل رسمتها؛ كانت لقطتها البيضاء وهي مستلقية تنظر إليها بعينيها الزرقاوين اللامعتين. قفزت نحو قطتها وعانقتها بحب هاتفة: «وأخيراً انتهيت من رسمك يا صغيرة!». أصدرت القطة خرخرة هادئة وهي تداعب وجهها بفروها الناعم، وكأنها تفهم كل كلمة قالتها.

------------------------------------------------------

رنّ هاتفها الموضوع فوق المكتب، التقطته مجيبة:

«مرحباً لورين، كيف حالك؟»

أردفت لورين بنبرة قلقة:

«أنا بخير، وأنتِ كيف حالكِ يا لونا؟ لم تأتي اليوم إلى الجامعة فقلقت عليكِ.. هل أنتِ على ما يرام؟»

أجابتها لونا بمهل:

«أجل أنا بخير، لكن ليس لديّ حصص اليوم.. هل نسيتِ مرة أخرى؟»

هتفت لورين حين تذكرت:

«أوه! لقد نسيتُ مجدداً..»

قاطعتها لونا مازحة:

«حقاً لقد أصبحتِ كالعجائز تنسين كل شيء! عليكِ استشارة طبيب.»

ردت لورين متذمرة:

«كفى يا لونا! أنتِ تعلمين أن ذاكرتي ضعيفة قليلاً فحسب.. اتركينَا من هذا، ما رأيكِ أن نلتقي هذا المساء في المقهى المقابل لشقتكِ؟»

جالت لونا بعينيها في أرجاء غرفتها الفوضوية؛ رسوماتها مبعثرة على الأرضية، والكتب متكومة على سريرها بينما بعضها الآخر يحشو خزانتها البنية المصنوعة من الخشب العتيق والمزينة بنقوش ذهبية، يستند إلى جانبها سلم طويل للوصول إلى الرفوف العالية.

ألقت نظرة على مكتبها المليء بالأوراق التي تساقط بعضها حوله، فعبست متذكرة محاولاتها لكتابة روايتها الخاصة، والتي باءت بالفشل ككل مرة. رفعت نظرها إلى الصورة الكبيرة التي تشغل الحائط المقابل لسريرها، فابتهجت ملامحها؛ فكلما نظرت إلى صورة كاتبها المفضل، يعود إليها الإلهام والتحفيز لتصبح مثله.

تأملته قليلاً؛ كان شاباً في أواخر الثلاثينات، بملامح حادة، شعر أسود فحمي، وعينين عسليتين لوزيتين، وحاجبين كثيفين معقودين. تمتمت في سرها: «لِمَ لا يبتسم؟».

انتشلتها لورين من عالمها هتفاً بضجر:

«هل تتأملين صورته ثانية؟»

أنكرت لونا بسرعة:

«لا، أبداً! كنتُ أتأمل غرفتي فقط.. إنها فوضوية جداً ويجب أن أرتب كل هذا، لا أظن أننا سنلتقي اليوم، غداً أنسب.»

علّقت لورين بتهكم:

«أجل أجل، اقتنعتُ بكلامكِ! أراهن أنكِ كنتِ تائهة في صورته ولن أزعج نفسي بمجادلتكِ.. حسناً، سأنتظركِ غداً في المقهى. إلى اللقاء.»

أغلقت الخط تاركة لونا حانقة من كشفها السريع لها.

تجاهلت كلمات لورين المستفزة وتابعت الترتيب. بدأت برسوماتها، تلتقطها واحدة تلو الأخرى، ثم رتّبت رواياتها في الخزانة، وأخيراً اعتلت السلم لتمسح الغبار عن الرفوف العالية.

عقدت حاجبيها حين لامست أناملها شيئاً غريباً في زاوية الرف العلوي. مدت يدها وأخرجته؛ كانت مفكرة صغيرة سوداء، تزينها خطوط ذهبية تشكل وجه ذئب مكشّر عن أنيابه.

تأملتها باستغراب؛ فهي لا تذكر أنها اقتنت مثلها يوماً.

لم تستطع مقاومة فضولها، ففتحتها. أثار إعجابها الخط؛ كان أنيقاً، حاداً، واحترافياً. همست بصوت خفيض وهي تقرأ:

«جون ريكاردو - تمت تصفيته

روني سيلفا - تمت تصفيته

سانتياغو داكوستا - تمت تصفيته»

وامتدت القائمة طويلاً بنفس العبارة الباردة.

قلبت باقي الصفحات بدهشة متزايدة، حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة. كانت فارغة إلا من اسم واحد كُتب وحده في المنتصف:

_آرثر مورغان._

تجمد الدم في عروقها. ارتجفت يداها حتى كادت المفكرة تسقط، وهتفت بذعر مكتوم: "جدي!"

مسحت الصفحة بعينيها مرة أخرى، لعلها أخطأت القراءة. كان اسمه مكتوباً وحده، دون أي ملاحظة أمامه.

وهذا يعني شيئاً واحداً: إنه الهدف التالي

"تُرى، أي سر مظلم تحتويه تلك الصفحات المتبقية.. وهل كانت لونا مستعدة حقاً لتحمل عواقب معرفته؟"🥀