NOVELFLEX

البداية

أثيرُ عينيها · بقلم Lavinour

الفصل الأول: البداية 

ريان هو ذلك الرسام الذي يبحث عن الضياع؛ ليس ضياعًا عاديًا، بل ضياعًا يجعله يجد نفسه. في الثامنة والعشرين من عمره، كان قد رسم مئات اللوحات، باع بعضها، وأحرق أخرى، وأخفى البقية في مرآب منزله كذكرياتٍ ثقيلة لا يريد أن يتذكرها. يعيش في شقة صغيرة فوق مقهى قديم، حيث تنام فرشاته في علبتها منذ أشهر، وكأنها فقدت الرغبة في اللمس.دائمًا ما يرتدي قمصانًا رمادية، كأنه يحاول التلاشي في الخلفية. شعره البني المُهمل، ونظراته الشرودية التي لا تستقر على شيء، وعادته الدائمة في النقر بأصابعه على الطاولة حين يفكر.. كلها تفاصيل تجعله يمر دون أن يُلاحظ. لكن ما لا يعرفه أحد، أن عينيه تحملان بحرًا من الأحلام التي لم تُرسم بعد.يحب القهوة السوداء بلا سكر، وكأنه يعاقب نفسه على شيء لم يفعله. يؤمن بأن الفن ليس مجرد موهبة، بل طريقة للتنفس، وأنه عندما يتوقف عن الرسم.. فإنه يختنق.

وفي صباح ذلك اليوم، كان يوما غائما ومعتما كأن الغيم اثقلته الدموع كحال قلب بطلنا، دخل ريان مقهى "أثير" للمرة الأولى. لم يكن يعلم لماذا اختاره بالتحديد من بين كل مقاهي المدينة، لكن شيئًا خفيًا جذبه إليه؛ ربما ضوء الشمس الهادئ على النافذة، أو رائحة الياسمين، أو ربما هي

نور هي تلك النادلة التي تقدم القهوة كأنها تقدم أمنيات في الثانية والعشرين من عمرها، تعلمت أن الحياة لا تُقدم لك على طبق من فضة، بل تُسكب في فنجان صغير وتُشرب رشفةً رشفة. تعمل في مقهى "أثير" منذ ستة أشهر، وهناك وجدت ذلك الهدوء المراوغ الذي لم تجده يومًا في أي مكان آخر. شعرها الأسود كالليل المعتم ، لكن عينيها كالصباح؛ عينان ليستا عاديتين، بل كأنهما تخفيان سرًا قديمًا بلون البنّ الداكن الذي يلمع بالذهب حين تسقط عليه أشعة الشمس. وجهها البيضاوي الناعم، والنمش الخفيف الذي يزين أنفها ليمنحها مسحة من الطفولة البراءة، وابتسامتها المشرقة التي حين تظهر.. تنشر الدفئ.  تحمل الصينية برشاقة، وتمشي بهدوء وكأنها تخاف أن توقظ العالم من خوابيه. صوتها خافت كهمس المطر، لكن كلماتها واضحة وحادة حين تتطلب الضرورة ذلك. 

نور لا تحلم كثيرًا؛ لأنها تعلم أن الأحلام مؤلمة حين تخذلها الواقع. ومع ذلك، تحتفظ بدفتر صغير في جيب مئزرها، تكتب فيه خواطرها حين لا أحد يراقب؛ تكتب عن الضوء، عن القهوة، عن مشاعرها وعن رجلٍ لم تره بعد، لكنها كانت متأكدةً تمامًا.. أنه سيدخل المقهى يومًا ليغير كل شيء.