NOVELFLEX

زفير الكلمات الموؤودة

الصمت ""خيانة "" · بقلم ttt949379

"" الحياة محطات واصعب محطاتها أن تلقي بأثقالها عليك"

              أنا ليلى، فتاة عشرينية، مهندسة طموحة وجدت نفسي في عالم لم يكن يشبه الأحلام التي رسمتها لنفسي يومًا. كنت أؤمن أن الإنسان يستطيع أن يصنع طريقه بيديه، وأن التعب لا يعني بالضرورة الهزيمة، وأن الكتمان أحيانًا هو الطريقة الوحيدة التي نحمي بها ما تبقى منا.

       كنت هادئة أكثر مما ينبغي، أراقب كثيرًا وأتحدث قليلًا، وأحتفظ بداخلي بأشياء لم أجد الشجاعة الكافية لأقولها. لم أكن ضعيفة، لكنني كنت أؤمن أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وأن بعض الحقائق يمكن تأجيلها حتى يحين الوقت المناسب.

        لم أكن أعرف أن ذلك الكتمان الذي ظننته حماية، سيصبح يومًا عبئًا أثقل من قدرتي على الاحتمال....ومن هنا بدأت حكايتي معركتي مع اشرس منافس لي الكبت !.

           …. في عائلة بسيطة ترعرعت كانا امي وابي كل ما أملك فيها ، منزلى البسيط المكون من شقتين ومطبخ ، لكنه دائما كان يفوح برائحة السعادة والفرح ، كبرت على أنغام البهجة المنتشرة بين أرجائه ، وبين كل زاوية كنت ارسم واحدد اهدافي لأسعد بدوري درري الثمينة ، التحقت بصفوف المدرسة كأي فتاة وتلقيت التعليم المناسب لي وكنت الأذكى بينهم جميعا ، من مرحلة لمرحلة انتقلت ، حتى وصلت لمرحلة الثانوية التي صادفت فيها أجمل جوهرة عندي صديقتي " فيروز " كاتمة أسراري وحلالة مشاكلي ، آه يافيروز لو تعلمين مقدار حبي لك اختي التي لم تنجبها لي أمي لكن الحياة اهدتني اياها ، انتقلنا سويا الى الجامعة لكن حدث ما لم يكن فالحسبان .

  فيروز كانت مهووسة بالأضواء العالية ، الوقوف على المصطبات الخشبية وإلقاء الكلمات العذبة ، كنت أرى فيها النجمة الصاعدة في هذا الميدان ، صوتها الجشي الذي ينتشر بسرعة البرق ويهتز داخلي ليحرك شيئا ما. شيئا جميلا ، لم اغار منها بتاتا لكن لم اكن اريد الافتراق عنها أبدا ، أما عن تخصصي فميولي كله كان عن التصاميم ، البناء ورؤية الأحجار تبنى فوق بعضها البعض لتشكل قصرا جميلا ، بيوتا مزينة ، حينما امسك القلم كان يغوص في أعماق الورقة ليسبح بعيدا فيها و يزينها بأجمل التصاميم المعمارية ، هذه أنا المهندسة ليلى ، صوت طالما اردده حينما ارسم كنت ارى نفسي في أعالي القمم وليس في أسفلها ، ان أصل يعني أن أصل .

        رغم ان الحياة فرقتنا لكننا استمررنا في المسير خطوة بخطوة لنلتحق بأحلامنا التي طالما رددناها سويا ، ورسمنا خطوطها معا ، بقيت على علاقة بوردتي طيلة مسيرتي أتبادل الرسائل معها لأطمئن عليها وعلى أحوالها وادردش احيانا ، لان الحياة حينما تهدينا رفيقا وفيا لا يعرف التراجع يجب علينا أن نتمسك بيه .

   …… بعد مرور خمس سنوات من الجد والمواظبة ها هو اليوم الموعود ، اليوم الذي أعلن فيه للعالم أجمع أنني استتحققت مكانتي بجدارة ، ووصلت رغم كل الصعاب التي واجهتها ، والإنكسارات التي لم تجعلني اتوقف بل لأستمر أكثر ، لأري لهم ان ليلى ان وضعت هدفا في عقلها فهي تستطيع فعله ، بين الحشود والأصدقاء و تصفيقات اهاليهم ، وقفت انا لاصعد على منصة الإستحقاق ان ارفع اسمي والدي في أعالي السماء و استلم شهادتي ، تعبي وتضحياتي انتهت مراسم التتويج ليعود كل منهم الى وكره الى مكانه الأصلي حيث نشأ ، التفت الى والدي لأجري اليهما واعانقها بحرارة لم يسبق لي ان شعرت بها ، لأعبر لهم عن فرحتي العارمة، لكني وكالعادة عجزت مشاعري عن الظهور ، اكتفيت فقط بقول كلمتين لا أكثر "" نجحت يا أمي ، نجحت يا أبي ها قد وصلت "" لا اعلم مشكلتي تحديدا لكنني في كل مرة كنت أقف متحجرة أمام المشاعر وكأنها لا تنتمي الي .

     هل ذلك يعود إلى طفولتي ؟؟؟ أم إلى طريقة تفكيري تجاه الدنيا ؟ آه يا ليلى ماذا عانيت لتصلي الى حالتك هذه ، طفولتي بأكملها عشتها وأنا مقيدة عن الكلام . عن التعبير مثل باقي الأطفال الآخرين ، كنت شخصية هادئة للغاية لا تثير المشاكل ولا المتاعب ، اغلب اوقاتها صامتة في زاوية معينة ، حياتي تسير بانتظام دائم وان تجرأت على الدفاع عن نفسي حتى لا أستطيع أصبح مكبلة الأطراف كليا ، لقد لقد رأيت الكثير والكثير المتنمرون من جهة يسخرون مني ويضربونني ويلقون بي إلى التراب الجاف ماذا أفعل أنا أقوم باكية فقط ، لما لم الكمهم ذاك اليوم والقنهم درسا في حياتهم .

      هكذا دوما ، عندما أتعرض للظلم ابقى كمشاهدة على ظلمي لهم لي ، لا يحق لك الكلام لأن الفتيات المهذبات دوما ما يصمتن ، دوما ما يدعن الأمور تسير على طبيعتها ، لا يمكنك تغيير شيء ، انتي فاشلة ……. تلك الكلمات هي ما جعلتني اليوم في هاته المنصة وعلى القمة لكن ينقصها شيء لم اكن اعرف ما هو .

     بعد العودة الى المنزل من ذلك الحفل البهيج الذي أنساني كل ايام تعبي ، تذكرت صديقتي فيروز فأتصلت بها مسرعة لأعرف ما فعلته هل انتهت هي الأخرى مراسم تخرجها وارتاحت مثلي ، سجلت رقمها في هاتفي مسرعة وبعد دقائق من الإنتظار سمعت صوتها الجميل :" ألو ليلى الجميلة معي "

    سألتها :" اهلا اهلا برفيقة عمري كيف حالك يا فراولتي "

        لتجيب : " حبيبة قلبي ليلى كيف حالك هل انتي بخير ، كيف هي صحتك احكيلي أجواء تخرجك هل انتهيتي منها ام ان تاريخها لم يلتحق بعد ؟؟؟

     -ليلى :" الحمد الله انا بالف خير ، اتصلت لأطمئن عليك شغلتي بالي منذ ليلة أمس لم تكوني في صحة جيدة ، اما عن نهايتي السعيدة فقد ختمتها بكل سرور 

    -فيروز " ياي ايش الخبر الحلو فعلتيها فعلتيها ، وأخيرا ارتحتي الف الف مبروك ليكي والعاقبة لأجمل حدث فحياتك وتتوظفي فأرقى شركة ، الحمد لله انا بصحة جيدة الحين ارتحت شكرا لاهتمامك بيا .

    -ليلى :" فيروز لما لم تجيبي على سؤالي بعد ؟؟؟

    -فيروز : اما انا فيا حبيبتي لم يأتي دوري بعد ، بقي أسبوع لأصفق لنفسي ولأرى تصفيقات الجميع لي على فوزي المستحق 

   -ليلى :" لا يهم متى يأتي دورك ، المهم هو أن تكوني في أتم سعادتك ، ليلى ليلى تعالي ساعديني ( اصوات متعالية من المطبخ ) . فيروز الحين انا مشغوله سأتصل بك فيما بعد تمام احبك يا غاليتي وداعا ، هكذا انتهى الحديث الشيق بينهما لتعرف كل واحدة ما جرى في ذلك اليوم .

      حملت شهادتي الموضوعة فوق سريري لأعلقها على حائطي ، لترني في كل مرة انظر اليها انني واخيرا انتصرت ، غيرت ملابسي لانظر للصوت الآتي من المطبخ وإذا بوالدتي أعدت مفاجأة لي ، مفاجئة رغم بساطتها الا انني شعرت بدفئها وحنانها ، كعكة تضيئها شموع وردية لترسم لي بداية جديدة ، نفختها لأتمنى السعادة مرة أخرى في حياتي المقبلة ،

      بعد أشهر ، وجدت نفسي أركض بين الشركات واقلب على فرص للعمل بين الجرائد وفي الكتب وحتى الهاتف ، قررت ان وظيفتي ستكون أجمل شيء لي ، بعد بحث طويل وعناء كبير وبعد عدة تسجيلات طال البحث عنها ، قمت بالتوقيع عليها لأنتظر بعدها الرد بالقبول ام الرفض ، وعدت ادراجي متيقنة أنني سأقبل في اعتق واحدة فيها وأصبح جزءا يحمل اسمها .

     ظللت اترقب هاتفي ليرن اعد الدقائق والثواني لتمر . اي اتصال سيغير مجرى حياتي بأكملها . بعدها بأسابيع تحديدا في شهر يوليو الموافق لـ 27 منه .أتاني خبري المنتظر واخيرا ، حملت الهاتف وكلي لهفة لأتكلم ، وبعد الإنتهاء تبين لي أنني قبلت لأضمن مستقبلي ، شركة لم تكن كسابقتها ، منحازة للتطور والتقدم في كل خطواتها وميادينها ، أصبحت منها وأخيرا . ذهبت مسرعة لأنقل الخبر لوالدي و افاجأهما بدوري وكانت سعادتهم تضيء حياتي بأكملها . يوما بعد يوم اعتدت على أمور العمل الأوراق التوقيعات ، مراقبة السجلات البنائية والصفقات المتبادلة ، حقيقة الأمر أنني لم أتعود بشكل جيد لكنني تقبلت وضعي وقررت ان اتحدى الظروف الراهنة كي أثبت للجميع أنني مهندسة بارعة في مجالي . لكن لم اتوقع أبدا ان شخصا مثل خالد كان سيدمر لي كل أحلامي المقبلة . منذ اليوم الأول لي معه وهو يكن لي ضغينة حادة تجاهي ، يراقبني في كل خطواتي كي يمتلك الفرصة ليقول عني فاشلة ، هل كنت أفضل منه حتى يصل الى ما وصل اليه ؟؟ أفكاري ، تصاميمي كلها ابهرت الجميع وحتى مدير الشركة قام بمدحي فيها واعتمد عليها في مشروعه القادم ، آه يا خالد ماذا تخبئ لي .

    " البدايات دوما ما تكون مليئة بالتعثرات ، هكذا ينطلق الجميع في معظم احيانهم " .

    بعد أشهر …….

       كانت الساعة المعلقة على حائط القاعة تطقطق بانتظام مستفز، وكأنها تعدّ الثواني المتبقية من كرامتي المهنية. القاعة تعجّ بالضحكات المصطنعة، ورائحة القهوة المرة التي تفوح من الأكواب الورقية تملأ المكان بخنق إضافي، بينما كنتُ أنا الغارقة الوحيدة في بحر من الكلمات التي لم تُقل.

    أمام الجميع، كان "خالد" يقف بزهوٍ مقرف، يسرد فكرتي التي سهرتُ عليها ليالي طويلة، ينسبها لنفسه ببراعة الممثلين الذين يتقنون أدوار البطولة المسروقة. كان يشرح التفاصيل الصغيرة، تلك التي استنزفت من عينيّ النوم ومن عقلي الراحة، وينتظر التصفيق الذي بدأ ينهال عليه كقطرات مطر حارقة على جسدي.

    نظرتُ إليه بكل تمعن … شعرتُ بحرارة الكلمات تتصاعد من أعماق صدري، تمرّ بحنجرتي التي جفت فجأة كأرض قاحلة. كانت الكلمات تودّ الخروج، تودّ أن تصرخ في وجه هذا الزيف: "هذا جهدي! هذه ساعاتي التي سرقتها من هدوئي ومن حق نفسي! هذه الفكرة ولدت من قلقي أنا، لا من وقاحتك!".

      لكن، وكالعادة… خانني صوتي. تيبّس لساني خلف جدار من الأسنان المطبقة بقوة، وكأن هناك حارساً قديماً يسكن حنجرتي يمنع أي حرف من التمرد. شعرتُ بغصة مألوفة، تلك الغصة التي ترافقني منذ الطفولة، حين كان يقال لي إن "البنت المهذبة هي التي تبتلع غضبها بصمت".

    هززتُ رأسي بالموافقة حين نظر إليّ المدير مستفسراً بنظرة عابرة، وكأنني أبارك سرقتي بيدي. ابتلعتُ مرارة الحقيقة مع رشفة قهوة باردة، شعرتُ بها تنزلق في جوفي كأنها شفرات حادة.

    في تلك اللحظة، وبينما كان زملاء العمل يصافحون "البطل المزيف" ويهنئونه على عبقريته المزعومة، كان هناك صوتٌ داخلي غريب، هادئ بشكل مخيف، يهمس في أذني لأول مرة بوضوح لم أعهده من قبل: "لم يكن عدلاً أن أصمت..".

     لم تكن الكلمات موجهة إليهم، بل كانت صفعة لمرآة نفسي. لم يكن العدل يقتضي استرداد الفكرة فحسب، بل كان يقتضي أن أتوقف عن كوني "الضحية المثالية" التي تبتسم للجلاد. في تلك اللحظة، أدركتُ أن الصمت الذي كنتُ أسميه "صبرًا" ليس سوى مقبرة جماعية لأحلامي، وأنني بدأتُ أختنق بزحام الجثث الكلامية داخل صدري.

    خرجتُ من القاعة، وخطواتي ترنّ في الرواق الفارغ، وكل رنة كانت تقول: "تكلمي.. لقد بدأ الانفجار".

       لم تكن الممرات المؤدية إلى مكتبي مجرد أمتار من الرخام البارد، بل كانت نفقاً طويلاً من الندم. كانت أصوات التهنئة التي تلاحق "خالد" في الخلفية تخترق ظهري كالإبر. دخلتُ مكتبي، وأغلقتُ الباب خلفي بهدوء مبالغ فيه، هدوء لا يشبه العاصفة التي تقتلع جذور الطمأنينة في صدري.

    جلستُ على كرسيّ، ووضعتُ يديّ الارتجافتين على سطح المكتب الخشبي. نظرتُ إلى مسودة المشروع الأصلية، الأوراق التي تحمل آثار أقلامي وتصحيحاتي المتأخرة في جوف الليل. كانت تلك الأوراق صامتة مثلي، شاهدة على جريمة انتحال كاملة الأركان.

    فجأة، طُرق الباب. لم أنتظر ردّي حتى دلف "خالد" بابتسامته العريضة التي لم تصل لعينه، تلك الابتسامة التي يوزعها كصدقة جارية على من يسرقهم واقترب مني شيئا فشيئا ليضيف قائلا :

    "ليلى.. لا تخبري أحداً، لكن لم أكن لأنجح لولا لمساتكِ الأخيرة،" قالها بنبرة توحي بالامتنان الزائف، وهو يقترب ليضع يده على طرف مكتبي، وكأنه يحدد ملكيته للمكان وللفكرة ولصمتي أيضاً.

      فتحتُ فمي، شعرتُ بالكلمات تصطف خلف أسناني كجنود ينتظرون إشارة الهجوم. أردتُ أن أقول: "لمساتي؟ بل هو عقلي الذي نهبته!". لكن الحارس القديم في حنجرتي شدّ الوثاق مرة أخرى. اكتفيتُ بنظرة طويلة، نظرة خالية من أي تعبير، جردته من نشوته للحظة.

    "العفو،" خرجت الكلمة من حنجرتي مشروخة، جافة، وباهتة لدرجة أنني لم أتعرف على صوتي. كانت كلمة "العفو" في تلك اللحظة أكبر كذبة نطقتُ بها في حياتي. لم يكن هناك عفو، كان هناك حقد ينمو كاللبلاب السام حول قلبي.

     غادر خالد، تاركاً خلفه رائحة عطره الثقيلة التي خنقت الأكسجين القليل المتبقي في الغرفة. نهضتُ وتوجهتُ نحو النافذة المطلة على الشارع المزدحم. رأيتُ الناس من الأعلى كالنمل، كلٌ يركض خلف غايته، وكلٌ يحمل صمته الخاص.

    تساءلتُ: "كم شخصاً في هذا الزحام يبتلع صرخته الآن؟ وكم عدلاً ضاع لأن أصحابه اختاروا السلام المؤقت؟". لم يكن صمتي حكمة، كان جبناً مغلفاً بالتربية، كان تنازلاً عن الوجود.

    سحبتُ نفساً عميقاً، وأمسكتُ بقلمي، وبدأتُ أكتب على هامش المسودة المسروقة، لا لتعديل فكرة، بل لتفريغ ثقب أسود بدأ يتسع في روحي: "منذ هذه اللحظة، كل حرف لا أنطقه سيتحول إلى خنجر في خاصرتي. لم يعد الصمت خياراً، بل صار انتحاراً بطيئاً."

   وضعتُ القلم بقوة جعلتني أحدث ثقباً في الورقة، وكأنني أعلن بداية التمرد على نفسي قبل الآخرين.

    ------------------------------

       حملتُ حقيبتي وغادرتُ المبنى الزجاجي البارد الذي يمتص الأرواح قبل الأفكار. بمجرد أن وطئت قدماي الرصيف، صفعني هواء الشارع المعبأ برائحة الغبار وعوادم السيارات. كان الضجيج حولي هائلًا، أبواق سيارات، صراخ باعة، وثرثرة عابرة لا تنتهي.. تساءلتُ بسخرية: "كيف يجرؤ كل هؤلاء على الكلام بهذا الاندفاع، بينما أختنق أنا بحرفين؟".

     مشيتُ بخطوات تائهة، أحاول الهرب من صدى صوت "خالد" وهو يسرق حلمي. توقفتُ فجأة عند إشارة المرور، وكان بجانبي طفل صغير يمسك يد أمه بقوة، ويبكي بحرقة يطالب ببالونة ملونة في يد بائع متجول. صرخت الأم فيه بحدة: "اصمت! عيب أن ترفع صوتك في الشارع، كُن مؤدبًا!".

     تسمرتُ في مكاني. شعرتُ وكأن تلك الجملة سهمٌ انطلق من ماضيّ ليصيب حاضري تذكرت تماما ماكان يحصل لي. تلك هي "التعويذة" اللعينة التي كبلتني لسنوات: "اصمت.. العيب.. الأدب". نظرتُ إلى الطفل الذي كتم شهقته بقهره الصغير، ورأيتُ فيه "ليلى" القديمة. أردتُ أن أهز كتفي أمه وأقول لها: "لا تقتلي صوته، سيعيش بقية عمره يحاول استعادته!". لكنني، كالعادة، اكتفيتُ بالنظر.

    تابعتُ طريقي بثبات ، وفجأة اصطدم بي رجلٌ كان يركض مسرعاً، لدرجة أن حقيبتي سقطت وتبعثرت محتوياتها على الأرض. لم يتوقف، بل التفت وألقى شتيمة عابرة وكأنني أنا المخطئة.

    في تلك اللحظة، حدث شيء غريب. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي ثم تحولت إلى غليان. انحنيتُ لأجمع أوراقي، وبينما كانت يدي تلمس مسودة مشروعي المسروق، شعرتُ بتمزقٍ في جدار الخوف داخلي.كبركان يثور في اعماقي ويود الإنفجار امام الملأ .

   وقفتُ، وبدلاً من أن أعتذر -كما كنتُ أفعل دوماً لمجرد اعتراضي طريق أحدهم- صرختُ بأعلى صوتي، صوتٍ لم أسمعه منذ دهر: "اعتذر أيها الأحمق! أنت من اصطدمت بي!".

    توقف الرجل للحظة، ونظر إليّ بذهول، وكأن حجراً نطق فجأة. التفت بعض المارة إليّ بفضول. كانت نبضات قلبي تقرع في أذني كالطبول، وأطراف أصابعي ترتجف، لكن لأول مرة.. لم تكن رجفة خوف، بل كانت رعشة "الولادة".

لم يعتذر الرجل، بل تابع طريقه متمتماً بكلمات غير مفهومة، لكنني لم أهتم. كنتُ أقف وسط الزحام، أتنفس بعمق، وأشعر بملوحة دموع لم أدرك أنها نزلت.

    لم يكن عدلاً أن أصمت أمام خالد، ولم يكن عدلاً أن أصمت أمام هذا الغريب، ولم يكن عدلاً أن أصمت أمام تلك الأم التي تقتل صوت طفلها.

   فتحتُ هاتفي، وكتبتُ في خانة الرسائل لـ "خالد": "المشروع الذي عرضتَه اليوم ليس لك، وسأثبت ذلك للجميع غداً. الصمت انتهى". كدت أن انهي ظلما عرضته على نفسي وبدأته انا الأولى ، وأصبحت الساعات تعيد نفسها أمام مرآة نفسي ولحظات الندم العابرة تتكرر أمامي " لماذا لم أرفض مساعدته ؟؟ لما لم أقل له لا لن أكمل لك التصميم ؟؟ يا لكي من غبية ياليلى أتنصاعين لرجل أحمق مثله ، لو أنكي رفضتي لكنت أنتي في مكانه واعتليت مكانة الجدارة والإستحقاق ، لكنك اكتفيت بالصمت أمام الجميع ، هل خجلك هو السبب أنتي تخجلين من الجميع حتى من نفسك !! " لحظات التأنيب التي لا تتوقف في عقل ليلى هي حالة مشابهة لجميعنا في مواقف معينة .

       لم أضغط "إرسال" بعد، لكن مجرد كتابة الكلمات جعلتني أشعر أنني استعدتُ جزءاً من روحي الضائعة. وضعتُ الهاتف في جيبي، وتابعتُ مشيي، لكن هذه المرة.. كانت خطواتي تضرب الأرض بقوة، وكأنني أعيد تعريف مساحتي في هذا العالم. خالد هذا هو أحد أهم الشخصيات في شركة ابازيد ، يحظى بالاحترام من طرف الجميع والكل يحبه لا لأنه محترم فالأخلاق عنده منعدمة تماما ولا يمكن القول عنه أنه متأدب في التعامل معهم ، لكن بسبب منصبه العالي وأمواله الطائلة إكتسب حب الناس له ، مستفز ومغرور بنفسه أكثر من الآخرين ، متعجرف أحيانا وأحيانا متملك لأفكارهم كما حدث معي ، بسبب لطافتي الزائدة مع زملائي فيها وافقت على أن أساعده في إكمال مشروعه البنائي بغية أن يساعدني يوما ما ، لكني تلقيت منه أكبر غدر في حياتي ، بعد الآن لا يمكنني أن أثق به وأصبح العدو الأول لي او يمكن القول بأني لن أثق بأي أحد مجددا . رغم أنني كنت في طريقي للمنزل إلا أنني قررت مواجهته أخيرا :

------------------------------

     عدتُ أدراجي إلى نفس نقطة الإنطلاق ، لكن في أنفاسي لم أحتمل فكرة أن أغادر المبنى وداخلي يغلي كمرجل. طرقتُ باب مكتب "خالد" هذه المرة بقوة لم اعهدها في يدي، ودخلتُ قبل أن أسمع إذن الدخول.

     كان يجلس خلف مكتبه الفاخر، واضعاً قدماً فوق الأخرى، والزهو يقطر من ملامحه وهو يراجع رسائل التهنئة على بريده الإلكتروني حتى انه لم يلاحظ وجودي . رفع رأسه مستغرباً ، وبقيت الابتسامة الصفراء معلقة على شفتيه.

       "ليلى؟ هل نسيتِ شيئاً؟" سأل بنبرة فيها استعلاء مبطن، وكأنه يخاطب تلميذة متعثرة.

     اقتربتُ من مكتبه حتى لم يعد بيننا سوى بضعة سنتيمترات من الخشب المصقول. وضعتُ يديّ على المكتب وانحنيتُ قليلاً، ونظرتُ في عينيه مباشرة… كانت المرة الأولى التي لا أخفض فيها بصري خجلاً أو ارتباكاً.

    "لماذا فعلتَ ذلك يا خالد؟" خرجت الكلمات هادئة، لكنها كانت تحمل ثقل الجبال. "المشروع.. الأفكار.. حتى الصياغة اللغوية التي قضيتُ ليالي اهذبها.. كيف استطعتَ أن تقف هناك وتسرق عرق شخص وثق بك؟"

     ضحك خالد ضحكة قصيرة، جافة، وكأن سؤالي نكتة سمجة. "سرقة؟ يا ليلى، كبري عقلك قليلاً. نحن فريق واحد، ونجاحي هو نجاح للقسم كله. ثم إنكِ.. دعينا نكن صادقين.. أنتِ تفتقدين لـ 'الكاريزما' اللازمة لتقديم هكذا عرض. لو قدمتِه أنتِ، لرفضوه قبل أن تصلي لمنتصفه."

    شعرتُ بصفعة خفية على وجهي، ليس بسبب إهانته، بل بسبب وقاحته في تبرير السرقة. "الكاريزما لا تبرر السطو،" قلتُ وصوتي يزداد حدة. "لقد ائتمنتكَ على مسوداتي لأنني ظننتُك زميلاً، لا قاطع طريق!"

     نهض خالد ببطء، وتغيرت ملامحه اللطيفة لتكشف عن وجهٍ آخر، وجهٍ حاد ومخيف. انحنى هو الآخر تجاهي وقال بهمسٍ مسموم: "اسمعي جيداً يا ليلى. لا أحد سيتصدق بكِ. من أنتِ؟ الموظفة الصامتة التي بالكاد يسمع أحدٌ صوتها؟ أم أنا، النجم الصاعد في هذه الشركة؟ لو نطقتِ بحرف واحد، سأجعل الجميع يصدقون أنكِ تحاولين ابتزازي لأنكِ فشلتِ في مجاراتي. الصمت كان دائماً حليفكِ.. فلا تخسريه الآن، لأنه الشيء الوحيد الذي يحفظ لكِ وظيفتكِ."

    تراجعتُ خطوة للخلف، ليس هروبا منه ، بل اشمئزازاً وقرفا من تصرفاته وكلماته . كان ينظر إليّ وكأنه يملك روحي في قبضته ، وكأن صمتي القديم أعطاه صكّ ملكية عليّ.

   "لقد أخطأتَ في شيء واحد يا خالد،" قلتُ له، وشعرتُ بابتسامة غريبة ترتسم على وجهي وسط الغضب. "لقد ظننتَ أن صمتي كان علامة رضا، أو ضعفاً لا علاج له. لكن الحقيقة أنني كنتُ أدخر كلماتي ليومٍ كهذا."

   لم أنتظر رده بتاتا لأن خالد ليس بالرجل السهل أبدا ، استدرتُ وخرجتُ، وصوت حذائي يرتطم بالأرض بقوة غريبة، وكأنه يطرد طيف سمومه القذرة من أذني.

------------------------------

      قبل أن تلمس يدي مقبض الباب لتغادر، استوقفني صوته الذي استعاد هدوءه المرعب. "ليلى.. انتظري لحظة."

التفتُّ ببطء، كان قد عاد لجلسته المسترخية، لكن عينيه كانتا تشعان بتهديد صريح. "لا تنسي أنني أعرف عنكِ ما لا يعرفه المدير.. ولا حتى زملاؤكِ 'المحترمون'. أتذكرين تلك القضية القديمة؟ ذلك الخطأ الذي سكتُّ عنه وسترتُه بيدي قبل سنتين؟"

     تجمدت الدماء في عروقي لأن ذلك الماضي إن أفشي سره سيدمر مستقبلي وحاضري ! كان يشير إلى هفوة إدارية بسيطة حدثت في بداياتي، خطأ غير مقصود كاد يكلف القسم الكثير من الأخسار والتراجع بين كبرى الشركات العالمية ، لكن خالد -الذي كان حينها مسؤولاً عني- أخفاه وأصلحه دون أن يخبر أحداً.. أو هكذا ظننتُ. ظننتُه فعلاً بدافع الزمالة، والآن يخرج "الخنجر" من غمدة ليضعه على عنقي.

    "أتظنين أن أحداً سيصدق 'الملاك الطاهر' ليلى إذا قلتُ إنكِ كنتِ تحاولين تخريب المشروع انتقاماً لأنني كشفتُ تقصيركِ القديم؟" تابع ببرود وهو يقلب قلماً ذهبياً بين أصابعه. "صمتُكِ يا عزيزتي لم يكن مجاناً. لقد اشتريتُه بجميلي عليكِ. فإما أن تبقي 'ليلى الهادئة' وتحفظي ما تبقى من كرامتكِ و وظيفتك ، أو أن تقترفي ذنبا تجاه نفسك ، بوحك بما فعلته انا سيعود بالضرر عليك و ستتحملين تبعات الغرق في الوحل.. وحدكِ."

    شعرتُ بجدران المكتب تضيق عليّ. لم يكن يسرق جهدي فقط، بل كان يبتزّ ماضيّ. كانت تلك اللحظة هي الأقسى؛ لأنني أدركتُ أن صمتي القديم عن "جميلة" آنذاك المزعوم هو الذي منحه السلطة ليدوس عليّ اليوم.

    لم أنطق بحرف واحد ، لقد نال مني مثل كل مرة احاول النهوض فيها، ان انقذ نفسي من جهل يتبعها لكني لن أستسلم لك ، نظرتُ إليه نظرة أخيرة، نظرة لم يفهمها. لم تكن نظرة انكسار كما تمنى، بل كانت نظرة "وداع" لليلى القديمة التي كانت تخاف من ظلها.

    خرجتُ وأنا أسمع صدى ضحكته الواثقة خلفي. لكن في رأسي، كان هناك ضجيج آخر.. ضجيج فكرة واحدة تتضخم وتنفجر كالقنبلة: "لقد جعلني صمتي شريكة في قتلي. لم يكن عدلاً.. أبداً.. أن أصمت."

     بمجرد أن أصبحتُ في الممر، لم أتوجه للمصعد، بل توجهتُ لدورة المياه. وقفتُ أمام المرآة، غسلتُ وجهي بماء بارد جداً حتى شعرتُ بلسعته. نظرتُ إلى انعكاسي في الزجاج اللامع ؛ كانت عيناي تلمعان ببريق غريب، بريق شخص لم يعد لديه ما يخسره بعد الآن .

   أخرجتُ هاتفي، ولم أفتح رسالة خالد هذه المرة. بل فتحتُ مسجلاً صوتياً، وبدأتُ أتحدث بهدوء: "التاريخ: اليوم. الساعة: الرابعة عصراً. هذا تسجيل لما حدث في مكتب خالد بعد الاجتماع..". بدأتُ أستجمع شتات نفسي. إذا كان يريد الحرب بالكلمات، فسأعطيه إعصاراً.

        وقفتُ أمام المرآة، أتأمل الغريبة التي تنظر إليّ ببرودٍ التي لم اعهدها . وضعتُ يدي على سطح الرخام البارد، وقلتُ لنفسي بصوتٍ خفيض، لكنه رزين كحكم محكمة:

   "لم أعهد أن أخوض الحروب في حياتي، كنتُ دائماً أختار السلام حتى لو كان ثمنه من لحمي ودمي.. لكنني سأبدأ معك يا خالد، لأنك أنت من قررت، وأنت من حددت ساحة المعركة."

    نظرتُ إلى انعكاس عيني ، كانتا تشبهان سماءً سوداء تسبق زوبعة ستدمر كل شيء . تابعتُ حديثي مع نفسي وكأنني ألقي قسماً مقدساً:

    "بدأتُ أتغير منذ تلك اللحظة التي كشفتَ لي فيها أن الوجوه مجرد أغلفة كاذبة. لقد علمتني -بطريقتك القذرة- أن الأشخاص متغيرون، يرتدون أقنعة البراءة والزمالة واللطف أمامنا، و يوزعون الابتسامات كأنها هدايا، ليظهروا بمظهر الشخص الحسن الجيد.. لكن خلف تلك الأقنعة، تسكن وحوشٌ ضارية، تتربص بنا في الظلام، تنتظر لحظة غفلة منا لتنقضّ علينا، وتمتص أحلامنا، وتشرب من دماء طموحنا دون رفة جفن."

" التغير أحيانا لا يعني الهزيمة ، لا يعني الضعف ، هو الشرارة الأولى للإقلاع نحو المجهول "

      سحبتُ نفساً عميقاً لأتمالك نفسي ، شعرتُ برئتيّ تتسعان لأول مرة منذ سنوات. لم يعد سكوتي وقاراً، بل صار جريمة انتحار.

  "لقد كنتَ تظن أنني فريسة سهلة لأنني كنتُ صامتة، لكنك لم تدرك أن الصمت كان مجرد قفص لوحشٍ آخر بدأ يستيقظ الآن داخلي. شكراً لك يا خالد، لأنك كسرتَ القفص بيدك."

      أصلحتُ هندام حقيبتي وقمت بتسريح شعري الجميل لأرى فيه شخصا آخرا بدأ بالتشكل ، مسحتُ بقايا الماء عن وجهي. و خرجتُ من الشركة بخطوات ثابتة، حتى انني لم ألتفت خلفي أبداً. شعرت لاول مرة بحرية الطائر الكاسر لقفصه ، المحلق لأبعد نقطة في هذا الكون ، مسحتُ بقايا الماء عن وجهي. و خرجتُ من الشركة بخطوات ثابتة، لم ألتفت خلفي أبداً. لان خلفهما إعصار هائل .

      "كم من السنين ضاعت وأنا أهز رأسي بالموافقة؟" همستُ لنفسي، بينما كانت عقارب الساعات خلف الزجاج تتكتك ببرود، وكأنها تسخر من عمري الذي انقضى في "انتظار الإذن" بالكلام.

    تابعتُ سيري، واشتدّ الزحام حولي. رأيتُ وجوهاً كثيرة، وجوهاً تشبه الأقنعة التي حدثتُ نفسي عنها. كنتُ أنظر إلى المارة وأتساءل: "تُرى، من منكم يرتدي قناع 'الصديق الوفي' وهو يخبئ خنجراً؟ ومن منكم يبتسم الآن وفي جوفه وحشٌ ينتظر فريسته؟".

   شعرتُ للحظة أن الشارع كله عبارة عن مسرحية كبرى، والجميع يتقنون أدوارهم إلا أنا.. أنا التي قررتُ فجأة أن أخرج عن النص، أن أمزق الورقة التي كُتب فيها دور "الضحية الصامتة".

    دخلتُ مقهىً صغيراً في زاوية زقاقٍ هادئ، بعيداً عن صخب الشارع الرئيسي. كان المكان يعبق برائحة البن المحروق والورق القديم. جلستُ في ركنٍ مظلم، وطلبتُ قهوة سوداء، ثقيلة ومرة كطعم الحقيقة التي اكتشفتها اليوم.

    أخرجتُ دفتري الصغير من حقيبتي مؤنسي في أشد أوقات العصيبة ، ذلك الدفتر الذي طالما كان مخبئي السري. فتحتُ صفحة بيضاء، وبدأتُ أكتب أسماءهم.. واحداً تلو الآخر. كتبتُ اسم "المجرم الرئيسي" بخطٍ عريض لدرجة جعلتني أغرس القلم في أعماق الورق حتى كاد يمزقها. وبجانبه كتبتُ: "اللص الذي يرتدي بدلة أنيقة".

   لم تكن مجرد أسماء على ورق ، كانت قائمة بالديون التي حان وقت سدادها. نظرتُ إلى فنجان قهوتي، وشعرتُ بمرارتها تتماشى مع مرارة روحي.

   "لن يكون عدلاً أن أصمت بعد اليوم،" كتبتُ هذه الجملة في أسفل الصفحة وأحطتها بدائرة سوداء سميكة. "فالصمت في وجه هؤلاء الوحوش ليس أدباً، بل هو الوقود الذي يغذي أنيابهم."

   شربتُ رشفة طويلة، وشعرتُ بحرارة القهوة تسري في جسدي كأنها قوة جديدة. لم أعد أخاف من الأقنعة، لأنني قررتُ أن أكون الشخص الذي يمزقها.

   أخرجتُ هاتفي والتردد ينهش أصابعي. كنتُ بحاجة لصوتٍ لا يحاكمني، صوتٍ يخرجني من بئر أفكاري المظلمة. ضغطتُ على اسم "فيروز". لم يمر سوى رنين حتى جاء صوتها المنطلق، المشعّ بالحياة رغم ضجيج الشارع خلفها.

    "ليلى! يا غائبة.. هل تذكرتِ أخيراً أن لكِ صديقة تنتظر سماع أخباركِ؟"

  " فيروز هي صديقة طفولة ليلى المقربة ، " لم تكن فيروز مجرد رفيقة لي ، كانت الشاهدة الوحيدة على كل انكساراتي التي حاولتُ ترميمها بالصمت. هي تلك الفتاة التي ولدت من رحم الصخب لتوازن هدوئي القاتل. أتذكرها في ساحة المدرسة، ضفيرتيها المتمردتين وعينيها اللتين لا تعرفان الانكسار؛ كانت دائماً تسبقني بخطوة، تزيح من طريقي المتنمرين قبل أن تصلني إهانتهم.

    كبرت فيروز وظلت كما هي، امرأة لا تؤمن بـ 'أنصاف الحلول' ولا بالسكوت الذي أسميه أنا صبراً وتسميه هي 'انتحاراً بطيئاً'. كانت تعمل في عالم الإعلام، حيث الكلمة هي الرصاصة، وحيث لا مكان لمن يبتلع صوته. كانت دائماً تقول لي بنبرتها الساخرة الممزوجة بالخوف عليّ: 'يا ليلى، العالم غابة من الذئاب المتأنقة، وإن لم ترفعي صوتكِ، سيعتبرون صمتكِ دعوةً مفتوحة لنهش روحكِ'. فيروز هي 'مرآتي الشجاعة'. حين أنظر إليها، أرى النسخة التي تمنيتُ دوماً أن أكونها؛ تلك التي لا تخشى أن تقول 'لا' في وجه أقوى العواصف. هي الوحيدة التي تملك مفتاح 'خزنة أسراري'، وهي الوحيدة التي لم تنسَ تاريخ مراسلاتنا، تلك النسخة الرقمية من مشروعي التي كانت تحتفظ بها في بريدها كأنها كانت تتوقع يوماً ما أن يغدر بي أحد 'الوحوش'.

في حياتي، كانت فيروز هي 'الدويّ' الذي يكسر رتابة صمتي، واليد التي تمتد لتنتشلني من بئر ترددي، واليوم.. هي التي قررت أن تضع في يدي السلاح وتهمس في أذني: لقد انتهى زمن السكوت يا ليلى."

    غصت الكلمات في حنجرتي للحظة، ثم انفجرت بمرارة لم أعد أستطيع كتمانها. "فيروز.. لقد سرقني. أمام الجميع، وبدمٍ بارد، سرق خالد كل شيء!"

   ساد صمتٌ مفاجئ من جهة فيروز، صمتٌ لم يدم سوى ثوانٍ لكنه كان محملاً بالغضب. "توقفي عن البكاء يا ليلى، وقصي عليّ كل حرف. ماذا فعل ذلك الوحش الأنيق هذه المرة؟"

    حكيتُ لها كل شيء. رويتُ لها كيف وقف يتبجح بجهدي، كيف صفقوا له بينما كنتُ أنا أبتلع غصتي، وكيف هددني في مكتبه بـ 'جميلة' القديمة وبسمعتي. كنتُ أتحدث بسرعة، والكلمات تخرج مني كأنها سدٌ انهار فجأة.

    "يا له من سافل!" صرخت فيروز، وشعرتُ وكأن صرختها هي التي كنتُ أود إطلاقها في وجهه. "أتظنين أن صمتكِ سيحميكِ منه؟ ليلى، استمعي إليّ جيداً.. هؤلاء الأشخاص يقتاتون على خوفنا. هم يلبسون أقنعة 'الكمال' فقط لأننا نمنحهم مساحة للتمثيل. لو سكتِّ الآن، فأنكِ تمنحينه الضوء الأخضر ليدمر مستقبلكِ تماماً."

"لكنني خائفة يا فيروز.. هو يملك النفوذ، والجميع يصدقه،" قلتُ وصوتي يرتجف.

    "النفوذ يُصنع بالكلمات، ويُهدم بالحقائق،" ردت فيروز بنبرة حازمة لم تترك لي مجالاً للشك. "أنا معكِ. لن تفعلي هذا وحدكِ. تذكرين المسودة التي أرسلتِها لي عبر البريد الإلكتروني الشهر الماضي لتأخذي رأيي فيها؟ لا تزال عندي! بتاريخها، وساعتها، وبكل تفاصيلها التي لم يلمسها خالد بعد. هذا هو الدليل الذي سيحرق قناعه أمام المدير."

     توقف قلبي للحظة. المسودة! كيف نسيتها؟ في زحام خوفي، نسيتُ أنني تركتُ أثراً رقمياً لا يمكن تزويره.

    "ليلى.. اسمعيني،" تابعت فيروز بصوتٍ أهدأ لكنه أكثر قوة. "غداً صباحاً، لن تذهبي للعمل كضحية. سنلتقي قبل الدوام بنصف ساعة. سنطبع كل شيء، وسندخل مكتب المدير معاً. لن يكون عدلاً أن تصمتي، ولن يكون عدلاً أن أترككِ وحدكِ في هذه الغابة."

   أغلقتُ الهاتف وشعرتُ بشيء غريب يسري في عروقي. لم يكن غضباً هذه المرة، بل كان "يقين". نظرتُ إلى سماء المدينة التي بدأت تظلم، وشعرتُ أن النجوم التي بدأت تظهر هي ثقوب في رداء الخوف الذي كان يغطيني.

-إليكِ مشهد لقائهما في الحديقة، حيث يمتزج عبق الطبيعة بمرارة الخيانة، وتظهر فيه فيروز كالسند الحقيقي لـ ليلى في لحظة ضعفها:

   "لم أنتظر طويلاً حتى رأيتُ خيالها يطلّ من بعيد، كانت تمشي بخطوات واسعة واثقة تضرب بها رصيف الحديقة، وكأنها تعلن للأرض أنها قادمة لتغيير شيء ما. فيروز.. التي كانت دائماً تأتي في اللحظة التي أشعر فيها أن رئتيّ ضاقت عن استيعاب الهواء.

ارتميتُ في حضنها قبل أن تنطق بكلمة. شممتُ فيها رائحة طفولتنا، رائحة الياسمين الذي كان يملأ ساحة مدرستنا القديمة. لم أستطع كتمان شهقاتي هذه المرة؛ انهار السدّ الذي بنيتُه طوال النهار، وسالت دموعي بغزارة على كتفها.

'اشهقي يا ليلى.. أخرجي هذا السمّ من صدركِ،' همست فيروز وهي تمسح على شعري بحنانٍ لا يملكه غيرها. 'الدموع ليست ضعفاً، إنها غسيلٌ للروح قبل المعركة.'

     جلسنا على مقعد خشبي قديم، يطلّ على نافورة مياه كانت تثرثر بصوتٍ رتيب. بدأتُ أحكي لها كل شيء بالتفصيل، من أول نظرة انتصار سرقها خالد في الاجتماع، وصولاً إلى تهديده القذر في المكتب. كانت فيروز تستمع إليّ وعيناها تزدادان اتقاداً، كانت تقبض على يدها بقوة حتى ابيضّت مفاصليها، وكأنها هي من تتلقى الصفعات بدلاً مني.

    'حبيبتي ليلى،' قالتها بنبرة تقطر مواساة، لكنها مواساة القويّ للكسير. 'خالد لم يسرق فكرةً من ورق، لقد حاول سرقة إيمانكِ بنفسكِ. هو يظن أن صمتكِ هو قيدكِ، ولا يعلم أنه هو من صنع بيديه المفتاح الذي سيفتحه.'

    أخرجت منديلًا ومسحت دموعي، نظرتْ في عينيّ مباشرة وقالت: 'أتذكرين حين كنا صغاراً وكسر أحدهم لعبتكِ المفضلة؟ يومها بكيتِ في الزاوية، لكنني أخذتُ حقكِ بيدي. اليوم، أنتِ لستِ تلك الطفلة، وأنا لن أكتفي بأخذ حقكِ، بل سأعلمكِ كيف تاخذينه بنفسكِ. غداً، سنذهب ومعنا كل دليل، وسنرى من الذي سيصمت في النهاية.'

    في تلك اللحظة، وسط سكون الحديقة وظلال الأشجار التي بدأت تطول مع غروب الشمس، شعرتُ بدفءٍ غريب يسري في أطرافي. لم تكن مجرد مواساة صديقة، كانت إعلاناً رسمياً بأنني لم أعد وحدي في هذه الغابة."

  هذا العتاب يضيف لمسة واقعية جداً لعلاقة الصديقات؛ ففيروز رغم قوتها ودعمها، هي أيضاً إنسانة تشعر بالتقصير، وعتابها نابع من خوفها على ليلى التي تنسحب دائماً إلى صمتها وعزلتها.

    قبل أن تفتح لي ذراعيها، وقبل أن تترك لي مساحة لسكب عبراتي، وقفت فيروز أمامي بملامح حادة، تقطب حاجبيها في وجهي بجمودٍ مصطنع سرعان ما كشفه قلق عينيها.

"أهلاً ليلى.. أهلاً بـ 'الغريبة' التي لا تتذكر أن لها صديقة إلا حين تضيق بها الأرض!" قالتها بنبرة عتاب لا تخلو من لسعة جارحة.

   خفضتُ رأسي، وشعرتُ بخجلٍ يضاف إلى ثقل همومي. "فيروز.. أنا.."

   "لا تقولي أنا!" قاطعتني وهي تضع يدها على خصرها وتزفر بضيق. "كم مرة أخبرتُكِ أن صمتكِ هذا سيبتلعكِ يوماً؟ تختفين لأسابيع، لا تردين على الرسائل، وحين أتصل بكِ تكتفين بكلمة 'بخير' الباردة التي تميت أي حوار. هل تظنين أن القوة في أن تواجهي العالم وحدكِ؟ أم أنكِ استكثرتِ عليّ أن أحمل معكِ ولو جزءاً بسيطاً من تعبكِ؟"

    كانت كلماتها كالسوط، لكنه سوط يوقظ النائم. نظرتُ إليها، فرأيتُ دمعةً حائرة في طرف عينها، أدركتُ حينها أن عتابها ليس غضباً مني، بل هو غضب "عليّ". هي تعاتبني لأنني حرمتُها من حقها في أن تكون سندي، ولأنني استسلمتُ لصمتي الذي جعلني أبدو كشبحٍ عابر حتى في حياة أقرب الناس إليّ.

   "سامحيني يا فيروز،" قلتها بصوتٍ متهدج، واقتربتُ منها أشدّ على يدها. "كنتُ أظن أنني أحميكِ من كآبتي، لم أكن أعلم أنني أخسر نفسي وأخسركِ أيضاً."

   تغيرت ملامحها في لحظة، ذاب الجليد وحلّ محله ذلك الحنان الجارف الذي عهدتُه فيها منذ الطفولة. سحبتني إلى صدرها بقوة، وكأنها تعيدني إلى مكاني الصحيح.

  "يا حمقاء،" همست في أذني وهي تضمني. "الصداقة ليست للمسرات فقط. لا تختفي مرة أخرى، لا تفعلي هذا بي.. ولا بنفسكِ. والآن، أخبريني كل شيء، من البداية، ولا تتركي حرفاً واحداً يسقط في بئر صمتكِ اللعين."

     تمسكت ليلى بحبل ثقتها العمياء بصديقتها التي لن تخون ابدا يوما مقدار الوفاء الذي بينهما ،ابتسمت في عينيها وكلها ثقة لتسرد معاناتها الطويلة مع زمن أثقل قلبها وحطم نوعا من أحلامها ، أحلام كانت ترى نفسها فيها دائما في مرتبة تستحق أن تصل إليها بمقدار تعبها المستمر في شركة صاوبتها مباشرة . تحدثت وأفرغت مثقال الألم الذي تحمله معها الى حبيبة دوما مساندة لها تكلمت وأطلقت معها كل شرارات الظلم التي تعرضت لها زميلتها في حياتها وفي كل مرة وفي كل حكاية توجع قلبها تتساقط قطرات من اللؤلؤ على وجنتيها و زفير طويل يصف مقدار ما عايشته وهي تنصت لها وتدقق في كل تفاصيل ما تقوله كلمة كلمة لتجد الحل الأنسب لتنقذ أختها التي ألقتها إليها دروب الحياة .

   ……. في تلك اللحظات التعيسة من حياتي لحظات شتاتي وتمزق أفكاري ، مري بي ما لم أكن أفكر به ، شخص حاول أن يمسح عن قلبي حزنا لم أكن أرغب في البوح به إليه . "طارق " بين كل تلك المعارك الشرسة مع الحياة أخيرا آمنت بأنها ستمنحني هدية صبري وثباتي على طريق الحق والتمسك به.

        " طارق " هو شاب عشريني ، يكبرني بثلاثة أعوام وبضعة أشهر ، احببته عند أول لقاء لنا او ربما يجدر بي القول أقول أول موقف محرج لي معه ، في شتاء تلك الليلة الباردة كنت خارج منزلي أتجول لأدفء روحي بأصوات الامطار ، ا. وحفيف الأشجار من حولي ، هكذا اعتدت دائما عندما تحصرني الهموم في زاوية لا أعرف كيف أخرج منها ، وعندما تثقلني بكلماتها السامة التي أتلقاها منها عندما أقول أنني وقفت وأنني سأنجح ، أتمشى دائما بمفردي بين الأشجار على هطول حبات المطر ومشاهدة ذلك المنظر يجعل قلبي مرتاحا فرحا وينسى كل شيء ، 

     اتمشى واتمشى بالساعات ، فجأة !!!! وجدت نفسي في بركة وحل كبيرة محاطة بالطين من كل ناحية ، حذائي الملطخ وسروالي الأبيض الذي أصبح كسواد تلك الليلة لقد اصبحت كقطعة جبن فاسد .

     تنهدت قليلا لأستجمع نفسي ، " افففف تبا ما هذا الحظ العثر الذي وقعت فيه " ، إشمئززت من حالتي عندما رأيتها وتمنيت ان تنشق الأرض وتبلتعني في تلك اللحظة ، المراة ينظرون الى وساختي وينفرون مني كقطة شارع متشردة ، تمنيت ان يسحبني شخص ما مما انا فيه .

        التفت ورائي لأطلب النجدة بصور مهموس خافت ، لم يسمعني أحد ولن يسمعوني ، لكنني لم استسلم ظللت اردد النداء حتى التقيت عابرا من ناحيتي استنجدت به كي ينقذني من غرقتي ويساعدني على النهوض . إنه هو ! نعم هكذا تمام التقت طرقاتنا ناديته فأتى مسرعا الي وكأنه كان ينتظر مني أن أناديه (ههههه ) ضحكت على حالتي الغريبة في تلك الدقيقة لا أعلم ما بها أفكاري في تلك اللحظة لكنني تشوشت قليلا ، قام طارق باخراجي من تلك الحفرة وقمت أنا بدوري بشكره على عمله النبيل إتجاهي ، 

         ظننت لوهلة انه يمجرد ان سمع صوتي الخافت سيكون لبقية حياتي مأوى لي ،. بقيت أنظر إليه وادقق في تفاصيله بكل تمعن : ر شعره البني المنسدل على وجهه . عيناه السوداوين وحاجباه وكل شيء ، شعرت بأنه الشخص المنتظر عندما التقيت به تغير كل شيء ، طلب مني أن نلتقي بعدها في مكان ما لنتحدث قليلا لنشارك الهموم ونفرغ ما بداخلنا ، فطارق لم يكن شخصا عاديا كان جندي حروب لسنوات طويلة ، ذاق فيها الويلات وشرب فيها مر ايامه ، عند النظر اليه تخيلت ان عمره يقارب الاربعين عاما وهو فتى عشريني !!! 

            ترددت للوهلة الأولى لاني لم اكن اعرفه فكيف يمكنني الخروج مع شخص غريب ، كيف أثق به ولعله سيفعل بي مثل ما فعل بي خالد ، تبا صرت أرى كل الأشخاص من حولي بنفس صفاته الخبيثة والملعونة ، تبا لك يا خالد ، بعد لحظات من التفكير وافقت على طلبه لنلتقي بعدها ، بعد أسبوع بالضبط في مطعم قريب من البحر رائحته ورائحة الأسماك المشوية تجعلك حتما تشعر بالسعادة ، تحدثنا كثيرا وبحت له بثقل قلبي المتعب وصرت أبكي مثل طفل صغير تائه لا يعرف مايفعله ، أمسك طارق منقذي بيدي وقال لي :

      " لا بأس يا ليلى ، انت بطلة حقيقية لتحملك كل هذا ، تعلمين لو أنني مكانك لسقطت منذ زمن بعيد "

        (ههههه) ضحكات متعالية من ليلى لتنسى ألمها ردا على ماقاله طارق لها ، هل أنا حقا بطلة في نظرك سألته ليرد علي :

      " انتي بطلتي يا ليلى ، اتعلمين لماذا ؟؟؟ ، قالها وكله حماس 

    -ليلى : " لماذا يا طارق ما الذي يميزني عن البقية ،  طيلة حياتي وانا ابحث عن جواب لهذا السؤال 

      -طارق :" لان ظروفك مشابهة تماما لظروفي ، انتي مميزة بطباعك ، بشجاعتج وجرأتك على التحدي والنهوض في وسط كل تلك الألام ليس امرا سهلا . أنتي اعظم شخص قابلته مسرور بالتعرف اليك واتمنى أن لا تنتهي طرقاتنا أبدا "

     - ليلى :" أحقا ما تقول ؟؟؟ ااعلم انك لم تهنأ يوما في حياتك. ولم تعش سعادة واحدة تنسيك قليلا مما عشته لذا اظن ااننا نتفق على نقطة ما .

     -طارق :" نعم يا ليلى اتمنى ان تضيئي لي بقية حياتي وتكوني سعادتي الباقية .

  "" بدأت حكاية جديدة يسنها القدر ل ليلى وهل هيا سعيدة أم أنها سترسم حزنا جديدا على قلبها في النهاية "" .