1
لماذا سرقت النجوم وأسكنتها في حشاك الظليم؟ وكيف حبست ضياء المجرات خلف الجفون وفي مقلتيك جحيم؟ ألم تخش ليل السماء إذا ما استفاقت بغير شموع وقامت تنوح كطفل يتيم؟ وكيف اجترأت على لمس طهر الثريا وكيف احتملت عبير السديم؟ أتخفي لآلئ هذا الوجود بصدرك؟ خلف انكسار الشعور القديم؟ لماذا سرقت النجوم؟ وكيف ستنجو من اللوم والكون خلفك صمت عظيم؟ ألم تدر أن النجوم دماء الملائكة الهائمين بواد سقيم؟ وأن سناها إذا ما استقر بقلب.. تفتق فيه عذاب أليم؟
أتحبس نور الفضاء الرحيب.. وتغفو كأنك خصم غريم؟ وكيف ستستر جرح الضياء.. إذا ما استبد بقلب سليم؟ فما عاد في الأرض إلا الوجوم.. يلف الحيارى بصمت عتيم أعدها! فكل المدى صار قيدا.. يطارد فينا الشعور الحميم أعد لآلئ السماء لتبقى.. منارا يضيء لنا كل هيم لقد تاهت الأرض لما رحلت.. وصار الربيع شحوبا أديم فلا عطر يزهو بوجه الروابي.. ولا نبض يغدو ببوح رنيم فإن الجمال إذا ما سجنّاه.. غدا في الحنايا بؤسا مقيم
فأطلق سراح البريق المذاب.. وعد لرحاب الوجود الوسيم فليس امتلاك الضياء فخارا.. إذا ما بقيت وحيدا ضريم دع النجم يرجع فوق الروابي.. ليمسح دمع الليالي تريم فأجمل ما في النجوم هداها.. إذا ما أطل بليل بهيم وعد يا غريب لحضن الأمان.. بصدر نقي وعقل حكيم فإن السماء تنادي بنيها.. وتفتح باب الصفاء العميم
2
تلفت خلفك صمت المدى وسأل الضياء: أين الممر وأين الصباح الذي كان يغسل وجه الزهر؟ رآك الشجر.. وأنت تلملم دمع المجرات فوق الرصيف وتودعه في ثنايا الحجر! رآك النسيم وقد جمدت في يديك بروق السماء فصار يئن ويشكو هوان السحر وكيف سيعرف أهل القرى أن ليل المدينة صار قميصا لأسطورة من كدر؟ وكيف ستخفي بريق السهى في ثيابك؟ والضوء يفضح كل ثقوب الحذر؟ لقد صرت كونا يمشي على قدمين.. ولكن روحك غارقة في ضياع الفكر!
هنا جثت البيد.. تصرخ: أين المدار؟.. وأين مسارات هذا القدر؟ لقد خنق الذعر صوت الينابيع.. لما رأتك تفتت قلب القمر! فلا موجة في البحار تطل.. لتمسح ملح الأسى عن جبين الجزر لقد صرت سجنا لروح الشعاع.. فمن ذا سيعتق نبض الحياة إذا ما انهمر؟ ألم تبصر الشهب فوق يديك.. تمزق ثوب الظلام وتبحث عمن مكر؟ وكيف ستسكت أجراس موتك.. والكون يقرع طبل الخطيئة خلف المطر؟
رأتك العصافير.. تخفي لهيبا عصيا.. يمر كنزف وراء المآزر.. خلف الوتر فأمسى رداؤك غيما ثقيلا.. يفيض برعد، ويمطر هولا، ويذكي الشرر وكيف الفرار؟ وظلك خلفك يعدو.. يطالب بالثأر للنور ذاك الذي انتحر لقد صرت منبوذ كل الزوايا.. وأسوار بيتك كف تضيق.. وقلب نحر فلا الفجر يجرؤ أن يستفيق.. ليبصر أرضا بلا ملمح.. أو ربيعا غبر حملت الجمال عذابا وسما.. فكيف ستنجو ووجه الحقيقة حزن سطر؟
3
أين ستهرب؟ أين ستخفي هذا الضجيج المنير بصدرك وهو يضج بصوت اللغات؟ نجومك ليست صموتة.. إن لها في الحنايا دويا يهد جدار السكوت! ستفضح عطرك.. تثقب ثوب الغموض.. وتملأ رئة الفجر بالذكريات ستنمو بجوفك غابات ضوء.. وتأكل منك الهدوء وتعطيك مر الشتات أين ستهرب؟ والكون صار يراك منارة حزن بوسط مفاوز مقفرات
تطارد نبض الشموس بعرقك.. تسمع تحت الجلود صهيل الحياة! فكل بصيص حبست بقلبك.. أضحى جذورا تشق طريق النجاة لقد نبتت في الضلوع بروق.. تفر كخيل تسابق ريح الفوات رأتك المداخن تشرق نارا.. وتترك خلفك ليل الحصاة فليس الوميض وشاحا ستطويه.. بل هو روح تضيق بسجن الرواة ألم تدر أن الجمال انتحار.. إذا ما حبسنا بواد الموات؟
أين ستأوي؟ وكل المرايا.. تحدق فيك برغم انطفاء الجهات! لقد صرت عريا أمام السناء.. وعين الليالي تراك بكل اللفات فحتى الظلال التي كنت ترجو.. غدت خنجرا يطعن الخلوات أعد للعوالم جفن الرؤى.. ودع كل نجم يضيء طريق الصلاة فما نفع صدر يفيض احتراقا.. ويمشي غريبا ببيت الرفات؟ ستبقى منارة تيه وفرار.. إذا لم تعد للفضاء هبات!
4
سأل الرعاة: أين التي كانت تضيء لنا الأغنيات وتفرش درب المنى بالشموس؟ وأين القناديل؟ هل سرقتها يد النائبات لتتركنا في ظلام النفوس؟ وكيف سنغزل أحلامنا.. والسماء رماد.. وقد أعدمتنا يد العبوس؟ سأل الرعاة.. وأنت تخبئ سر الوجود وتمنع عنا ارتعاش الكؤوس!
بكت سجدات الفيافي.. وغابت معالم كل الطقوس رأتك المفاوز تقتات ومضا.. وتغرق في قاع ذنب غموس فلا غيمة ترتجي السحب.. تحنو على وجنتي العروس وكيف ستطوي رداء الوميض.. وتكتم صرخة تلك الدروس؟ لقد صمت الناي.. جف الحنين.. وضاعت قوانين هذا الناموس!
أتحبس روح السماوات قسرا.. لتمشي شريدا بقلب منحوس؟ رأتك البراري.. وأنت تخيط منافذ ذاك الفانوس! لقد صار كنزك خلف الحنايا.. يدوي كدق الثقيل الناقوس ستغلي المجرات فيك.. وتذوي.. لتكسر كبر عناد الرؤوس أعد للحكايات نبض الرؤى.. ونقش الخلود فوق الطروس فما نفع كنز بغير فضاء.. سوى أنه القيد.. مر الحبوس؟
5
أتظن بأنك تملكها؟ وهي التي لا تحد بسور ولا تنطوي تحت ظل الرداء؟ ستحرق قلبك وجدا.. وتجعل كفيك قيدا من النار يصبو لعين السماء هي الروح في ثوب ماس.. تفر من الأسر.. تجتاز صمت القبور بغير عناء أتظن بأنك تملكها؟ أم هي التي ملكت من حطامك كل الرجاء؟
رأتك الفيافي.. وأنت تضيق.. بفيض سناها وعمق الإباء فما للتراب وعشق السديم؟.. وما للجراح ووشم الضياء؟ لقد جف فيك رحيق اليقين.. وصار الوجود نداء رثاء أتحسب أن المجرات طوع.. لكف تلطخ فيها الصفاء؟ هي الوحي يسري بغير حدود.. ويغسل عن وجه كون شقاء لقد صرت طيفا يطارد ذاتا.. ويغرق في لجة من دهاء!
ستنفجر الآن تلك السجون.. وتترك روحك محض هباء أعد للحقيقة جلباب طهر.. وخل النجوم تعود ضحاء فما أنت إلا دخان يموت.. ونور المدى صرخة للكبرياء رأتك الرعود تداري احتراقا.. وتنسج وهما بخيط رياء ستبقى ذليلا لسر عظيم.. يذيب الحنايا.. ويحيي البكاء فأطلق سراح الخلود.. لتنجو.. وتعتق قلبا طواه الفناء!
6
سارق النجوم.. رفقا بقلبك إن النجوم جراح تضيء بوسط الضلوع الكسيرة تؤلم من يقتنيها.. وتجرح من كان طبعا رقيقا وصار سجين السريرة خبأت في صدرك عرس الكواكب.. والكون في الضيق بحر يهد الجزيرة سارق النجوم.. رفقا بقلبك.. إن الطريق حريق ونارك ليست ضريرة!
أتحسب برد المجرات سلما؟.. وفي الروح تغلي جمار عسيرة! لقد صار نبضك رعدا يدوي.. يهز جبال الخطايا المريرة رأتك البوادي.. تئن ذهولا.. وتطلب غوثا لعين مطيرة أتحبس وحيا يعاف القيود.. لتجعل شمس الضحى كالأيرة؟ لقد جف فيك رحيق الأمان.. وأمست رؤاك غيوما نكيرة
فما نفع كنز يفتت عمرك.. ويترك شمل البرايا حصيرة؟ رأتك الروابي.. تجر انكسارا.. وتبكي بصوت الثواكل.. خبيرة وكيف ستنجو وصمت المرايا.. يطارد وجهك خلف الستيرة؟ أعد للحيارى مرايا الرجاء.. وكحل المآقي.. وروحا بصيرة فما كنت إلا هباء يطير.. بوسط لظى من لهيب الهجيرة! سارق النجوم.. تنح جانبا.. فخلفك تلهث ريح مغيرة!
7
غدا سيعود الضياء.. وتصحو السماء على وقع خطاك الحزينة بين الزحام وتدرك أن النجوم التي سرقت.. لم تكن في البعيد.. ولم تحتجب في غمام بل كانت هناك.. مخبأة في خريف فتاة.. تزهر رغم الهلاك وبطش الظلام غدا سيعود الضياء.. وتبقى وحيدا بغير نجوم.. وبغير كلام!
ألم تدر أن انبعاث السناء.. يمر كبشرى بليل الوئام؟ رأيت الجمال وشاحا قصيا.. فمزقت طهرا بغير ذمام! لقد أورق الصمت في مقلتيها.. وصار الخريف ربيعا ينام فليس الضياء بريقا نراه.. بل هو نبض يصد الحطام لقد سكنت في الحنايا دهور.. تغني وتنفض كد السقام
فأنت العراء بكل المرافئ.. وجرح الغرور ثقيل الركام ستغدو غبارا بذاكرة التيه.. وتنسى خطوطك درب القيام أعدت النجوم لعرش العروق.. ومت غريبا.. بواد العدام! فما نفع كف تطول المدى.. وقلب السجين أسير الانهزام؟ وداعا لسر أضاعك خوفا.. وأهلا بنور عصي الفصام غدا يزهر الفجر فوق الرفات.. وتبقى وحيدا.. بوسط الزحام!