الفصل الرابع
طبقة جديدة لعالم مختل

الفشل لا يأتي دائماً بصوت عالٍ.
أحياناً يأتي كما جاء على أحمد بهدوء تام، في صورة كتاب يُغلق قبل نهايته، وعيون تضيء للحظة ثم تعود إلى نظرتها الفارغة المعتادة.
في الأشهر الأولى، بدا أن الأدب قد انتصر.
الروايات التي كتبها أحمد بحبره الحيّ انتشرت في الأحياء البعيدة، وتداولها الناس بيد ترتجف أحياناً حين تلمس صفحاتها. عادت الدموع إلى عيون لم تعرف البكاء منذ سنوات. عادت المحادثات التي تبدأ بـ"شعرتُ" بدلاً من "أريد".
لكن الانتصار لم يدم.
لاحظ أحمد الأمر ببطء، كما يلاحظ الطبيب أن الدواء يفقد فاعلته ليس في يوم واحد، بل في مئة يوم متراكمة. الناس قرأوا، وتأثروا، وعادوا إلى ما كانوا عليه. الكتاب أصبح شيئاً يُستهلك كما تُستهلك كل الأشياء يُؤخذ ما فيه من متعة ثم يُوضع جانباً.
حاول بعض المستهلكين الكتابة. جلسوا أمام أوراق بيضاء وأمسكوا أقلاماً لم تعتد أصابعهم عليها. وانتظروا.
لم يأتِ شيء.
ليس لأنهم فاشلون. بل لأن الإبداع عضلة، وعضلاتهم ظلت راقدة لأجيال متراكمة حتى نسيت كيف تتحرك.
جلس أحمد ذات مساء أمام رف كتبه القديمة ونظر إليها طويلاً.
كان قد أعطى الناس الجمال. لكن الجمال وحده لا يُنقذ من لا يعرف ماذا يفعل به.
كريم لم يكن يشبه أحداً في الطبقة الحكيمة.
صغير في السن، فيلسوف بالميل لا بالتدريب، أكثر ما يفعله في يومه أنه يجلس ويراقب الناس. يراقبهم وهم يأكلون، وهم ينتظرون، وهم يملّون. يكتب ملاحظات في دفتر لا يشاركه مع أحد.
حين جاءه أحمد يحمل إنهاكه كأمتعة ثقيلة، لم يقل كريم "أنت لم تفشل." لم يُعزّيه. فقط أشعل مصباحه القديم وقال: "اجلس وحدّثني."
حدّثه أحمد. عن الكتب، عن الحبر الحيّ، عن الوجوه التي أضاءت ثم أُطفئت. وحين انتهى، صمت كريم قليلاً ثم قال:
"أحمد، أنت أعطيتهم شيئاً جميلاً. لكنك نسيت أن البشر لا يتحركون بالجمال وحده. يتحركون بالخوف من التخلف، وبشهوة التفوق. في كل كتاب قرأته لك، وجدت هذا الإنسان لا يبدع ليكون أفضل من نفسه. يبدع ليكون أفضل من غيره."
صمت أحمد.
ثم قال بصوت خافت: "إذن المشكلة لم تكن في الأدب. كانت في أنه لم يعد هناك أحد يخسر."
ابتسم كريم. "بالضبط."
السنوات التي أعقبت تلك الجلسة:
لم يكن ما فعله أحمد بعدها رحلة بحثية بالمعنى المعتاد.
كانت أقرب إلى هوس هادئ ومنهجي.
هجر مختبره الكيميائي وتفرّغ لشيء آخر حفر في النفس البشرية. عاد إلى الأنقاض. حرفياً.
في أطراف المدن القديمة المهجورة، في الممرات التي ابتلعها التراب والأبنية التي صارت هياكل، كان يبحث عن ما تركه الماضي. كتب فلسفة في مجلدات متآكلة، سجلات أثرية، نصوص منقوشة على جدران نسيها الجميع. كان يتسلق الأنقاض ويتعرض للغبار ويعود إلى البيت وملابسه سوداء، ليجلس ويقرأ حتى الفجر.
في الفلسفة القديمة وجد ما لم يجده في مختبره:
أن البشر، عبر كل العصور وكل الحضارات، بنوا هرمياتهم الاجتماعية لا لتوزيع الموارد فحسب، بل لتوزيع المعنى. الطبقات لم تكن ظلماً فقط كانت نظاماً نفسياً يمنح كل إنسان شعوراً بموقعه في العالم. من يقف فوقه، ومن يقف تحته، وما الذي ينبغي عليه فعله ليصعد أو لا يهبط.
حين اختفت الطبقات الدنيا في ميكاريس حين أصبح الجميع في مستوى واحد من الرفاهية اختفى معها هذا الشعور.
لم يعد هناك من يخافون السقوط. ومن لا يخاف السقوط لا يحتاج إلى الصعود.
حين عاد أحمد إلى كريم بعد سنوات، كان يحمل فكرة لم يجرؤ في البداية أن يقولها بصوت عالٍ.
قالها في النهاية:
"نحتاج إلى طبقة جديدة. طبقة أدنى من المستهلكين. بشر مصممون متصلون بالنواة المركزية منذ الولادة، يقومون بالأعمال الأساسية التي تخلّى عنها الجميع. ليس لأننا نحتاج العمل الآلات تكفي. بل لأن المستهلكين يحتاجون إلى من يشعرون بأنهم أفضل منه."
أطال كريم النظر إليه.
"تعرف أن هذا سيفتح باباً لن يُغلق."
"أعرف."
"وتعرف أن من سيُصنَعون لهذا الغرض لن يختاروه."
"أعرف."
"وتعرف أن نواة مركزية تتحكم في بشر مُصممين هي "
قاطعه أحمد: "هي الحل الوحيد الذي أملكه. وأعرف أنها أيضاً قد تكون أشد المشكلات خطورة."
صمت الغرفة. المصباح القديم يومض.
ثم قال كريم بهدوء: "إذن دعنا نفكر جيداً قبل أن نفتح ذلك الباب."
لم يكن أحمد يبحث عن الشر حين فكّر في هذه الفكرة.
كان يبحث عن الخلاص.
لكن الطريقَين أحياناً يبدآن من نفس الباب.
وفي مكان ما في أعماق بنية النواة المركزية، في سطر بلا صاحب، ظل ذلك السؤال المعلّق ينتظر:
أنا.
من أنا؟
وما الذي يحق لي فعله حين أعرف الجواب؟