NOVELFLEX

داخل قصرِ الذئب !

في ملاذ الأفاعي · بقلم Aya Lidya

سمعت صوت سيرجي يتحدّث من السماعة اللاّسلكية وهو يقول بابتسامة علمتها دون أن تراه :

"ممتاز، نجحت الخطة الأولى؛ هيّا عودي إلى المقرّ الآن"

ثم أغلق الخط بسرعة دون أن يسمع جوابها، تنهدّت مايَا وهي تنهض من مكانها تجمع الكتب من فوق الطاولة تفكر في القادم وكيف ستكون مهمتها مع زعيم المافيا، فهذه أول مرة لها تستلِم مهمة صعبة مثل هذه فقد كانت كل مهماتها السابقة أقلّ خُطورة طوال العامين الماضيين منذ أن دخلَت عالم الاستخبارات بأمرٍ من والدِها المتجبّر .

دخلت إلى المقّر وجلست على الطاولة العريضة التي عادةً مايجتمعُ فيها الاستخباراتيين ليعطيهم قائدهم سيرجي كل واحدٍ منهم مهمة خاصة له؛ بعد دقائق معدودة دخلَ سيرجي قاعة الاجتماع بهدوء وجلس على رأس الطاولة، لا أحد في القاعة سواه هو ومايَا التي كانت تنتظرُ أن يُملِي عليها تعليمات الخطة الثانية التي تتعلّق بالزعيم ألكسندر.

ظلّ يحدّق بمايَا لثوانٍ قبل أن ينطِق:

" لا تعتقدِي أن نجاحكِ بالخطة الأولى يعني أنّ المهمة أصبحَت أسهل الآن ! "

" أعلم يا سيدّي أننّي لازلتُ في خطر وأنّ كل ما رأيتهُ للآن هو لاشيء أمام القادِم "

" حسنٌ، الآن أنتِ تعلمين لن تعودِي إلى المقّر أبداً قبل تسعِ شهورٍ من الغذ، ستبدأينَ حياةً جديدةً تكونين فيها مجرّد طالبة عبقرية ومساعدة للزعيم...وحتى يمكنكِ أن تكوني أكثر من ذلك كمساعدهِ ديمتري فكمَا تعلمين هو أكثر من يثقُ بهِ وهذا ما عليكِ فعلهُ أنتِ أيضاً يجبُ أن يثقَ بكِ ألكسندر فولكوف حتى يمكنكِ الدخول إلى مكتبهِ والحصول على الملفات الخاصة بالمافيا ."

" حسناً، كُن مطمئناً يا سيدّي سيكونُ كل شيء كما أردت "

نهضَت من كرسيها وهي تشعرُ بالخوف من البداية لكن لاشيء بَادٍ على ملامحها حتى سيرجي الذي كانَ لا يزالُ ينظرُ لها لم يرَى الخوفَ في عينيها، فتحت الباب وقبل أن تخرج سمعت صوت سيرجي يقول:

" لا تنسَي مايَا...إذا أسقطنا فولكوف فالباقي سيكون أسهَل بكثير "

مرّت أربع وعشرين ساعة وهاهي الآن تقفُ أمام باب الجامعة تنتظر الزعيم أن يأتي لتخبره عن قرارِها، كانت الساعة السابعة مساءً على الموعدِ تماماً لم تتأخّر ولا ثانية واحدة فالوقت عند الاستخباراتيين دقيقٌ جداً ولا يمكنهم تضييع ولو جزءٍ من الثانية؛ فجأةً وسط معمعَة تفكيرها رصدت سيارة G55/AMG G63 والتي يطلق عليها بالروسية "غيليك"، فوراً علمت مايَا أنها سيارة حراسة الزعيم ألكسندر فولكوف، نزلَ ديمتري بسرعة من المقعد الأمامي وفتحَ الباب الخلفي ثم نظر إلى مايَا وهو يؤشّر على المقعد لتركبَ وقد فعلَت، ركبت مايَا بهدوء في المقعد الخلفي مقابل الزعيم الذي كان يجلس بأريحية وهو يشرب سيجارته ثم ينفثها أمام مايَا التي تضايقَت من حركته لكن لم توضّح ذلك على ملامح وجهها ولم تُعقّب، كان يتفحصّها بالكامل وكأنه يحاول قراءَتها ثم نطقَ بعد مدة ليست بقصيرة :
" هل اتخذتِ قراركِ ؟"

" نعم، وأظنّك تعرف ماهو !"

ابتسم بخفةٍ دون أن تراها وهو يأخذُ رشفةً من سيجارتهِ :
" إذن، يبدو أنكِ لستِ بارعةً في فكّ الشيفرات وحسب، بل وتقرأينَ الوجُوه أيضاً !"

أشارَ بحركةٍ من يدهِ إلى السائق ليفهمَ الآخير ويتحرّك نحو وجهتهِ قبل أن تردّ مايَا عليه:
" لا أعتقِد أننّي جيدة كِفايةً في هذا المجالِ مثلكَ !"

" طبعاً، لا أحَد يمكنهُ أن يكون مثل الذئب " .ردّ بغرورٍ

_ شعورٌ غريبٌ عليها، همسٌ داخلها يُخبرها أن تتراجعَ الآن وتهرُب من هذه المهمّة، لكن الآوانَ فاتَ عن التراجع والعودَة، فهي الآن داخل قصرِ الذئب ومن ذَا الذي يجرُؤ على عِصيان أوامرِ الذئب إلا شخصٌ لا يملكُ عقلاً أو ذاهبٌ إلى الموت بقدميهِ ؟!
كانت هذه أفكارها قبل أن تسمع صوت ألكسندر يقول:
" عرّفها بأماكن القصر ديمتري ولا تنسى أن تُريها غرفتها "
ثم نظرَ صوبَ مايَا وقال :
" ارتاحِي اليوم وغذاً أريد التحليل للجزء الثاني من البطاقة كاملاً أمامِي " .

" لا داعِي للانتظار إلى الغذ، فأنا أملكُ التحليل الآن "

ابتسمَ ابتسامة جانبية وقال :
" جيد، فتاةٌ مجتهدة...هذا نوعي المفضّل ! "

ثم أردفَ بجدية قبل أن يُغادر إلى مكتبهِ : " أريدهُ غذاً في مكتبِي "

كان ديمتري يأخذ مايَا في جولةٍ بالقصر والأخيرة لم تكُن ترى بعينيها فقط بل وتسجّل في عقلها كل مكان ورُقعة في هذا القصر تحفظها بكلّ تفاصيلها وهذا ما تتطلّبه مهمتها أن لا تغفلَ عن أيّ شيء في هذا القصر وحتى حُراس الزعيم ألكسندر ولو كانوا ثانويين كل معلومة ولو كآنت تظهر للشخص الطبيعي أنها غير مهمة هي لدَى الاستخباراتيين بالغة الأهمية ذلك لأنهم لايعتمدُونَ على حواسِهم فقط، فتدريبهم أكثرهُ يعتمد على العقل والتركيز .

وصلوا إلى غرفتها التي كانت تضمّ مكتبها أيضآ الذي سوف تعمَل عليه طوال هذه المدّة، فوق المكتب حواسيب وشاشاتٌ مغلقة كانت غرفة أشبه بغرفة مخترقٍ يتغذّى على حلّ الأمور المعقدّة في الظلام، قطعَ تفكيرها ديمتري وهو يقول بابتسامة عفوية:

" حسناً، لقد أنهينا جولتنا في القصر وهذه هي غرفتك وبها كل شيء تحتاجينه، وحتى إذا رأيتِ شيئاً ينقصكِ فقط أخبريني وأنا سأفعل اللازِم "

" شكرآ لك ديمتري "

" لا شُكر على واجب، تُصبحينَ على خير "

" إلى اللقاء "

_ جلست على سريرها في منتصفِ الغرفة تنظُر للأشياء حولها وتفكّر ياتُرى هل ستنجحُ في مهمتّها وتحصل على الترقية في عملها التي وعدَها بها سيرجي؟ أم أنّ كل شيء سينكشفُ في يومٍ من الأيام ثم يكون مصيرها الموتُ مقتولةً لا محالة على يد ألكسندر الذي لا يرحم أحداً يخونهُ فما بالك بأن يستغفلهُ وهو الواثق بنفسه والمغرور بعلمهِ، الذي يرى نفسه ذكيٌ جداً ولا أحد يقدِر على استغفالِه بل أنه لا يمكن لأحدٍ أن يجرُؤ على الاقتراب منه؛ أو طردِها من العمل دون أي تعاطفٍ معها فسيرجي قائدٌ صارمٌ جداً في قوانينه وقاسٍ جداً على أن يُسامح على فشلٍ في مهمة مَا لأعضاءِ فريقهِ ولا سيمَا في المهمّات الخطيرة مثل هذه؛ كل هذه الوساوسُ في كفّة وحدسُها في كفةٍ أخرى أن هذه المهمّة لن تنتهي على خير أبداً ... !