البعثة
طُرِق الباب ثلاث طرقات. إنه هو؛ دائمًا ما يقاطعني.
«تفضل، نيكاسيو. ماذا تريد الآن؟»
«أخبرني، كيف تعرف أنني هنا دائمًا؟ هل تثرثر كثيرًا هكذا؟»
«حسنًا، أبوك يريد مقابلتنا. قال إن هناك أمرًا يجب أن يُحل اليوم».
«وما هو؟»
«لم يخبرني بشيء. سأذهب الآن؛ تعال خلفي».
كان منزل العائلة ملتصقًا بمنزل أنسيلمو؛ الأول أكثر فخامة ورقيًا، أما الآخر فكان أشبه بكنيسة دموية.
دخل أنسيلمو ونيكاسيو إلى مكتب الأب.
«أهلًا، أهلًا بابني! هل نحتاج إلى دعوة كي تحضر إلى منزل أبيك؟»
«أنت تعرف تمامًا أنني مشغول دائمًا، والآن أيضًا. ماذا تريد أن تقول؟ ليس لدي وقت».
«إنه موضوع تلك الفتاة. سمعت أنك تتابع أمرها وتريد إحضارها إلى المنزل. لماذا؟ مَن تكون؟»
قال نيكاسيو: «أجل، إن أمرها مريب بالنسبة إليّ. أريد أن أعرف ما إذا كان العم محقًا في ذلك».
«لماذا الجميع مشغولون بها؟ إن الأمر يخصني، ولا أحب التدخل في أموري الشخصية».
«سأجيبكما، لكن تذكّرا أنني لن أقبل بتداول موضوعها. لن أرحم أحدًا، وأنتما تعرفان ذلك».
تنهد أنسيلمو، ثم قال:
«هذه الفتاة ستقدم لي الكثير. أحتاج إليها بجنون. اخترتها لأنها ملاكي، جوهرتي، وماستي. لديها الكثير لتقدمه لنا».
ثم ابتسم ابتسامة جانبية وهمس:
«إنها تستطيع الحصول على ما تريد من أي شخص، لأنها ستصبح صحفية. إنها مثلي تمامًا… تأخذ المعلومات، وتقتل بكل وحشية».
💀💀
***
جسمي مثقل، والحركة صعبة في جميع أطرافي. أشعر كأن الأصوات تصلني من قاع بئر عميق، بينما تستشعر عيناي ضوءًا أبيض ساطعًا.
مهلًا… بدأت أمي وأبي وميلي تتضح أصواتهم. كانوا يكررون كلمة واحدة.
«استيقظي!»
استيقظت. كيف؟ ولماذا أُغمي عليّ؟ بدأت الرؤية تتضح. أين أنا؟ ولماذا تفوح رائحة المطهرات بقوة؟ أنا أكرهها… هل أنا في المستشفى؟
«أجل يا سيرافين، أنتِ في المستشفى. لقد أُغمي عليكِ، ونقلك رجل إلى هنا».
«مَن هو؟ ألم تعرفوا؟»
«قال إنه يعرفك».
«مَن تقصدين بأنه يعرفني، يا صديقتي؟»
إنه ذلك الرجل…
شعرت بورقة في يدي، فقبضت عليها بقوة وفتحتها بتوجس. كانت عليها جملة واحدة مكتوبة بالدم:
«لقد أطلتِ النوم، يا ملاكي».
شعرت بدوار شديد، وببرودة في أطرافي، وأخذ نفسي يتسارع. وبعد ثوانٍ معدودة، أُغمي عليّ مجددًا.
بعد ساعات، أفقت من غيبوبتي القصيرة. ماذا حدث لي؟ لا أتذكر شيئًا فعلًا.
قال الطبيب إن مستوى السكر لديّ انخفض بشدة، ثم شرح لي أنني أعاني من رهاب الدم، وأن رؤية الدم قد تؤدي إلى الإغماء الوعائي المبهمي. ونصحني بتجنب مشاهد الدم قدر الإمكان، لأن تكرار التعرض لها قد يسبب نوبات إغماء أخرى.
«يمكنكِ العودة إلى المنزل الآن».
«شكرًا، أيها الطبيب».
***
مرت أيام وأنا أفكر في الحادث.
أفرطت في التفكير، ولم أبرح غرفتي ليلًا. لم أخرج من المنزل، وكانت الستائر مغلقة، فيما يطرق المطر النافذة.
لكن إلى متى سأبقى هنا؟
إلى متى سأختبئ؟
لا. سأكمل حياتي، مهما صعب الأمر أو تعقّد. لن أستسلم. سأحقق حلمي بأن أنشر أول عمل لي على التلفاز، وسأرى الملعب الذي حلمت به منذ طفولتي.
فتحت حاسوبي بيدين ترتجفان، وبدأت أكتب مقالًا رياضيًا… مقالًا يشبه شغفي بالحياة نفسها.
«الكامب نو لا ينام: برشلونة يبتلع أستون فيلا»
لم تكن مجرد مباراة في دوري الأبطال. كانت عودة. في ليلة 3 نوفمبر 2026، تحت أضواء الكامب نو الممتلئ، لم يلعب برشلونة كرة قدم فحسب، بل كتب قصيدة. أمام أستون فيلا، كانت كل تمريرة وعدًا، وكل هدف انتقامًا من سنوات الغياب.
لامين يامال لم يركض، بل طار. والجمهور لم يشجع، بل صلى. هذه هي كرة القدم التي نحبها؛ ليست تسعين دقيقة، بل حياة كاملة في ليلة واحدة. من ليل إلى برشلونة، جئت لأرى هذا الشغف عن قرب.
في اليوم التالي، ذهبت إلى الجامعة وساقاي مثقلتان، ويداي ترتجفان خوفًا، وأنفاسي متقطعة، وقلبي يخفق بقوة خشية أن يظهر أمامي ذلك الرجل. سرت في الطريق الضيق وأنا أتمنى ألّا يحدث شيء مفاجئ؛ لم أكن أظن أنني سأتحمّل ذلك مرة أخرى. ومن يدري؟ ربما سأتحمّل، رغم أن أفكاري مبعثرة إلى حدّ أن الجنون نفسه يبدو أهون منها.
ها قد أوشك الطريق على الانتهاء. هناك شخص أعرفه… أظنها ميلي. كانت تنتظرني. نعم، إنها هي. كم أنا محظوظة لأن لديّ صديقة مثلها.
ميلي أخيرًا استطعت رؤيتك خارج المنزل، وخارج غرفتك المظلمة! تعلمين أن الوقت يداهمنا لتسليم المقال، أليس كذلك؟ أوه، لم أسألك إن كنتِ بخير. كان يجب أن أكون معك في ذلك الممر الضيق، لكنني تأخرت، كالعادة.
سيرافين أنا بخير. يبدو أنني تجاوزت الأمر، أو على الأقل تجاوزت هذا الطريق. أما المقال، فهو جاهز. لننطلق إلى الجامعة ونسلّمه. أظن أن يومين لن يكفيا لحزم أمتعتنا، كما أن الرحلة ستكون فرصة لتحسين مزاجي.
ميلي أجل، أجل! أنا متحمسة جدًا لهذه الرحلة
سرنا نحو الأستاذ بعد انتهاء المحاضرة، وسلّمناه مقالينا. قال إنه كان سيخيب أمله لو لم أُسلّم المقال، لكنني استغللت الوقت فعلًا وأنهيته في الموعد.
بعد ذلك عدت إلى المنزل، وأخذت استراحة قصيرة قبل أن أبدأ بحزم أمتعتي. استغللت اليومين كاملين لأمنح نفسي ما أستحقه من راحة، ولأستعد للرحلة.
يوم الذهاب — ليل | 04:17 صباحًا
استيقظت قبل أن يرنّ المنبّه.
كانت شقتي في ليل باردة، والمطر يضرب النافذة. اليوم هو يوم برشلونة.
غسلت وجهي بسرعة، وارتديت جينزي ومعطفي الطويل. كانت حقيبتي تنتظر عند الباب، لكنني لم أستطع شرب قهوتي.
05:10 صباحًا. نزلت إلى شارع ليل الضبابي الخالي، وجررت حقيبتي نحو محطة ليل فلاندر.
قطار TGV إلى باريس، وقلبي يخفق. كل دقيقة تقرّبني من إسبانيا.
مطار شارل ديغول — 07:30 صباحًا
تفتيش، ثم بوابة الصعود. جلست في مقعدي على متن الطائرة المتجهة إلى برشلونة. وحين أقلعت واختفت ليل تحت الغيوم، ابتسمت. لأول مرة منذ أسابيع، شعرت بأنني حرة.
مطار برشلونة إل برات — 10:15 صباحًا
هبطت الطائرة.
اندفعت شمس برشلونة إلى وجهي من نافذة الطائرة؛ كانت حارّة وقوية، على النقيض من برد ليل. كان الركاب يضحكون ويتحدثون، بينما فككت حزام الأمان ويدي ترتجف، لكن هذه المرة كان ارتجافها من الحماس.
أخيرًا، وصلت وحدي.
فتحت هاتفي وألغيت وضع الطيران. اهتزّ بجنون؛ رسائل من ميلي «وصلتِ؟»، ورسائل من أمي، ومن الجريدة.
ثم ظهرت رسالة واحدة جديدة في أعلى القائمة، من رقم مجهول.
توقف قلبي لثانية قبل أن أفتحها.
«ألم أقل لكِ إنكِ لن تذهبي إلا معي، يا ملاكي؟
حمدًا لله على السلامة في برشلونة.»
سقط الهاتف من يدي على المقعد أمامي.
لم يكن معي في الطائرة. كنت وحدي. تفحّصت الركاب حولي طوال رحلة ليل–باريس–برشلونة، ولم أره.
كيف عرف أنني وصلت الآن؟ وكيف عرف أنني في برشلونة؟
رفعت رأسي. كانت المضيفة تطلب مني النزول، والطابور يتحرك.
شعرت فجأة بان برشلون لم تكن فكرة حريتي... بل كانت فخا
نزلت من الطائرة لكن عقلي ظل عند تلك الرسالة وبينما كنت اتجه الى صالة استلام الامتعة، رن هاتفي كانت ميلي: اين انتي؟ انا انتظرك في الفندق. هل وصلتي؟ كنت قد نسيت امر ميلي تمتما برشلونة من النافذة. كانت المدينة نابضة بالحياة، لكن الرسالة لم تفارق ذهني. كنت أعود إلى الهاتف بين لحظة وأخرى، أقرأها من جديد، وكأنني أبحث بين كلماتها عن تفسير.
وصلت إلى الفندق قرابة الظهيرة. كانت ميلي تنتظرني عند المدخل، وما إن رأتني حتى أسرعت نحوي.
ميلي: أخيرًا! ظننت أنني سأضطر إلى المجيء والبحث عنك في المطار بنفسي.
سيرافين: الرحلة كانت طويلة، ثم إنني أضعت بعض الوقت عند استلام الأمتعة.
عانقتني ميلي، ثم أخذت حقيبتي الصغيرة وقادتني إلى الغرفة. أخبرتني بما رتّبته خلال اليوم السابق، وبالأماكن التي تنوي أن نراها. حاولت مجاراتها والابتسام، لكن ذهني كان في مكان آخر.
وضعت هاتفي على الطاولة وجلست قرب النافذة. سألتني ميلي إن كان كل شيء على ما يرام، فأجبتها بأنني متعبة من السفر فقط. لم أرد أن أفسد حماسها، ولم أكن مستعدة لأخبرها عن الرسالة. أقنعت نفسي بأنني سأفكر فيها لاحقًا، بعد أن أرتاح قليلًا.
مرّت الساعات أسرع مما توقعت. استحممت وبدّلت ملابسي، ثم تناولنا شيئًا خفيفًا. ومع اقتراب المساء، اقترحت ميلي أن نخرج قليلًا؛ فقد أرادت أن تريني محيط الكامب نو، وأن نستمتع بأجواء المدينة قبل أن نبدأ برنامج رحلتنا في اليوم التالي.
لم أكن متحمسة للخروج، لكنني لم أشأ أن أبقى حبيسة الغرفة. ربما كان عليّ أن أترك أفكاري خلفي ولو لساعات قليلة. أخذت معطفي وهاتفي، وخرجنا معًا.
وعندما وصلنا إلى محيط الملعب، انشغلت ميلي بمكالمة قصيرة. قالت إنها ستلحق بي عند المدخل، وطلبت مني الانتظار قرب الباب 7. لم أجد في الأمر ما يدعو للقلق؛ كان المكان قريبًا، والناس يتحركون في كل اتجاه.
الباب 7 — الكامب نو — 18:27
وقفت عند الباب 7. كان الممر شبه خالٍ، وصوت الجمهور يصل مكتومًا من بعيد، أحد. لكن رائحة غريبة باغتتني؛ الرائحة نفسها التي شممتها في حلم الفندق. رائحة خانقة جعلت معدتي تنقبض، فوضعت يدي على أنفي وفمي.
«من هناك؟!» صرخت.
من زاوية موقف السيارات المظلم، ظهر ظل طويل. لم أستطع رؤية وجهه؛ كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا وقناعًا طبيًا أبيض. وفي يده حقيبة جلدية صغيرة، مواربة، تنبعث منها الرائحة ذاتها.
اقترب. ومع كل خطوة، كانت الرائحة تزداد وضوحًا.
«لا تقترب… لا تقترب!»
حاولت الابتعاد، لكن ساقيّ لم تسعفاني. داهمتني الدوخة، وأخذت عبارة «ملاكي النادر» تتردد في رأسي مع كل نبضة.
توقف أمامي. لم يظهر من وجهه سوى عينين رماديتين باردتين فوق القناع. مد يده وأمسك بذراعي؛ كانت باردة على نحو أعاد إليّ ذكرى اليد التي قبضت على معصمي في مطار شارل ديغول.
«أطلتِ النوم كثيرًا في برشلونة، يا ملاكي. حان وقت التشريح.»
اختلطت الرائحة بالخوف، وبدأت الرؤية تضطرب أمامي. حاولت أن أنادي ميلي، لكن صوتي خذلني.
آخر ما أتذكره أنه قادني إلى المقعد الخلفي للسيارة السوداء. أُغلق الباب، ثم غبت عن الوعي.
استيقظت على برد قارس.
فتحت عينيّ ببطء.
لم أكن في الكامب نو. كنت في البيت.
البيت نفسه الذي رأيته في حلم الفندق: الممر الطويل، والضباب، والجدران التي غطّتها لوحات غريبة لأعضاء بشرية مرسومة بألوان داكنة.
ثم سمعت صوت باب يُغلق بالمفتاح من بعيد.