رغد
تمشي في الشارع بمفردها منهكة، حقيبتها الوردية على ظهرها، تضم كتبها بذراعها، وتسحب نفسها من شدة التعب.
بعد يوم مرهق مليئا بالتركيز والبحوثات، شعرت بصداع في رأسها، لم تتحمل الألم، أخذت تفرك عينيها وتضغط عليهما، تغمضهما وتفتحهما بثقل تارة أخرى.
تقول في نفسها: "آآآه… متى أصل؟!"
أكملت سيرها حتى تبصر إلى المكان المألوف الذي تأتي إليه دائما بعد خروجها من الكلية.
تدخل إلى مقهى (العم جمال)، تردّد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رادين عليها من كان هناك:
وعليكم السلام...
تتقدم نحو مكان العم جمال وتحاول إخراج كلماتها بصعوبة،
قائلة: "يا عم جمال، أعطيني عصيري كالمعتاد". ثم أردفت قائلة له: هل يوجد عندك مسكن آلام؟
رد عليها: "نعم يا بنتي، انتظريني ثواني".
رغد: "حسنا".
أعطاها عصيرها وفوقه حبة مسكن آلام." "شكرا ياعم جمال"
تبسم العم قائلا لها:
"بالهناء وشفاء يا بنتي".
أخذت عصيرها المفضل متجهة إلى مكانها المعتاد، ألقت نفسها على الكرسي بإرهاق شديد،
تشرب مسكن الألم مع عصيرها. ثم تسند رأسها على الطاولة وتغمض عينيها.
اقتربت من مكانهما الموعود، دخلت إلى المقهى قائلة:
"السلام عليكم".
رادين عليها: "وعليكم السلام".
تقدمت خطوات ثابتة نحو العم جمال قائلة له:
"من فضلك يا عمي، أعطني شاي الزنجبيل مع الليمون".
العم جمال: "حاضر يا بنتي".
واقفة منتظرة، استلمت شايها. وشكرت عم جمال.
ثم استدارت باحثة عن صديقتها رغد،
تجولتا عينيها العسليتين ذات الرموش الطويلة الجميلة، في أنحاء المقهى تنظر إلى الموجودين شخصا شخصا.
وهي تقول في نفسها:
أين أنتِ يا رغد؟!
وفجأة، توقفت عيناها عند طاولة قريبة من النافذة،
حيث كانت فتاة محجبة ترتدي حجابًا شرعيًا طويلًا يستر جسدها، بلونٍ بيجٍ حليبيّ ناعم، يضفي على إطلالتها البسيطة لمسةً من الهدوء والأناقة،
تسند رأسها على ذراعيها وسط الكتب والأوراق المتناثرة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه صفية، وتمتمت بصوت خافت:
يا إلهي، رغد! لا بد أنكِ غفوتِ من شدة التعب؟!
ثم اتجهت نحوها بخطوات أسرع، وهي تهز رأسها بابتسامة تجمع بين العتاب والمودة.
وصلت للمكان التي تجلس فيه رغد، طرقت على الطاولة بأصابعها المنثنية.
فتحت عينيها الزرقاوين الجميلتين التي تحفهما رموشًا طويلة، رفعت رأسها من الطاولة واعتدلت في مكانها متجهة صوب صديقتها صفية، تفرك عينيها التي لم تستطع فتحهما من النعاس، وتمسح بيديها وجهها الناعم شاملة وجنتاها الورديتين،
قائلة: ها صفية، تأخرتي، أين كنتي؟!
ردت عليها صفية مبتسمة:
" على أساس أنك انتظرتني، هااا..."
تبسمت رغد قائلة:
" كنت متعبة وغفوت ريثما تأتين، حتى عصيري لم أشربه... "
رفعت حاجبها الأيمن قائلة وهي تحدق بصديقتها :
"على ما أظن تنتظرين مني أن أعزمك على الجلوس؟!…
طرقت الطاولة براحة يدها، ثم قالت بنبرة هادئة ممزوجة بالفضول والحماس.
اجلسي يا بنت".
"ههه".
صفية: "ههههه".
وضعت حقيبتها على الطاولة وجلست.
سألتها بفضول مع بعض العتاب؛ قائلة :
"من ذلك الشاب الذي كنتِ تتحدثين معه؟!!"