NOVELFLEX

بداية الانهيار

مغفل نادم · بقلم Novelist Mo

عندما كنت طفلًا ألعب في حديقة المنزل لمحت طفلة جميلة ابنة جار لنا ذاب قلبي عندما نظرت إليها، ثم اقتربت منها متوترًا أحاول التكلم معها، ولم ترفض أن تتكلم معي بل كانت تلعب معي أيضًا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت صديقة طفولتي (هند أحمد)، وعلى الرغم من أنني أُعجبت بها وتقربت منها وكنت في البداية متوترًا عندما أتعامل معها لكن مع الوقت اعتدّ على وجودها وزال التوتر والخجل.

عندما بدأنا المرحلة الثانوية وأثناء يوم دراسي عادي لم أتوقع حدوث حدث مميز فيه دعتني إلى مكان هادئ بالمدرسة لا يوجد به أي أحد غيرنا، وقالت لي ووجهها محمر:"محمود، أنا..أريد أن أقول... أنا..أنا أحبك"، ثم أعطته ظهرها من الخجل، وكان ردي باردًا بعض الشيئ دون أن أقصد:"أحبك أيضًا يا هند ولكن كصديقة، ولا أريد أن نخسر علاقتنا الوطيدة هذه"، فانهمرت دموعها قبل أن تستوعب ما يحدث، وقالت له بصوت مرتعش:"حسنًا، معك حق"، ثم انصرفت مطأطئة رأسها، ولا أعلم ما إن كان تصرفي هذا صحيحًا أم لا، هل كان يجب أن أكذب وأقول أنني أحبها؟ أم كانت الصراحة أفضل خيار؟ لا أعلم حقًا.

في اليوم التالي من هذا الموقف وعندما نظرت إلى وجهها بدت مرهقة جدًا وعندها هالات سوداء تحت عينيها، ولكن كانت صامدة ولم تبكي بعدما رأتني، وحينها أحسست بالذنب على الرغم من أنني لم أكن مخطئًا، ثم ونحن عائدون إلى المنزل قلت لها:"هل أنتِ بخير؟"، فنظرت إليّ قليلًا بعينين يملؤهما الحزن ولم ترد عليّ، وظلت صامتة لفترة قصيرة ثم قالت:"لا بأس"، ولكن لم يرضيني هذا الرد فكررت سؤالي، وفجأة وعينيها تلمعان وتحبس دموعها تقول:"لم أعد أريد أن نكون أصدقاء، ولا معنى في بقائنا هكذا بل الأفضل أن ننفصل تمامًا عن بعضنا البعض...لا تهتم بمشاعري؛ فلا أشتاق أبدًا إلى أحد قد تركتُه..لك حياتك عشها كما تريد وركز على بناء مستقبلك، وأنا بالمثل"

"هل أنت تمزحين؟! لِما من الأساس أوصلنا مجرد موقف إلى هذه النقطة؟!!...لقد كنت دائمًا أحاول إسعادك..أترمين ما فعلته من أجلك على الأرض!"

"لم أعد أهتم...سأدعو لك بأن تُوَفّق في حياتك وتُرزق بزوجة تُسعدك، وأما أنا فأنتظر الذي يستحقني"

وقتها تركتني ومازلت واقفًا مصدومًا...بالتفكير في الأمر لم أعرف حقًا كم من الوقت ظللت هكذا..ربما ساعات...ليتني لم أسألها عن حالها..ربما كان ذلك سيحدث في جميع الأحوال ولكنني عجلت حدوثه، وعلى الرغم من كلامها في ذلك اليوم وحظْري من جميع حساباتها إلا أنني حاولت معها كثيرًا حتى عدنا نتكلم ثانية، وأظن ربما أن ذلك بسبب أنها لم تستطع التخلص بشكل كامل من مشاعرها تجاهي، ومع ذلك أصبح كلامنا قليلًا.

في فترة الجامعة تقريبًا لم نعد نتكلم وانشغلنا عن بعضنا البعض، وكانت تزداد فترة انقطاعنا عن الكلام أكثر وأكثر مع زيادة خوفي من أن ترفض أن تكلمني عندما أحاول فعل ذلك...هل كنت أفرط في تفكيري؟...لقد كنت مترددًا كثيرًا..وأستحق كل ما يحدث لي..ربما هنالك فرصة، أليس كذلك؟ لم يفت الآوان بعد...أعتقد أنه لن يحدث في حياتي شيئ أسوأ مما حدث.

بعد فترة من تخرجنا من الجامعة صُدِمتُ بخبر خطوبتها، ولسبب ما لا أعرفه غضبتُ..لِما يا تُرى؟! هل أحببتها؟! ربما...بل عند التفكير مليًا في الأمر أجد أن هذا احتمال كبير، وصحيح أنني في البداية كنت معجبًا بها إلا أنني بعد ذلك ظننت مشاعري تجاهها تلاشت..ربما عندما لم أعد متحمسًا أو متوترًا منها لم أدرك أنني طوال هذا الوقت كنت أحبها..هذا صحيح..كنت أحبها بشدة وأدركت ذلك بعد مراجعة مشاعري، ولكن للأسف كان ذلك بعد فوات الأوان.

يومًا بعد يوم يزداد ألمي ولا أعرف ماذا أفعل، ثم قمت بفعل شيئ خاطئ لا أعرف بصراحة ما إن كنت نادمًا على فعله، حيث على الرغم من كونها مخطوبة إلا أنني ذهبت إليها واعترفت بحبي لها، وأدركت كم أن هذا الاعتراف صعب جدًا ما بين تردد، توتر، وخوف، أكان ذلك ما أحست به عندما اعترفتلي؟...نظرت إليّ بعينين تؤكد على أن الآوان فعلًًا قد فات..وبالتأكيد رفضتني، وعلى الرغم من أنها كانت تحاول الرفق بي أثناء كلامها على عكس برودي في الماضي إلا أنّ كلامها أهانني وجرحني عميقًا، وكرهت نفسي خصوصًا عندما أهانت رجولتي...أنا معترف أنني مخطئ ولكن لم يكن الأمر في يدي، فمشاعري كانت تفيض وأنا أتألم بشدة عندما أحاول كبحها، وظننت أن مع اعترافي سيزيل هذا بعضًا من آلامي، وظننت أنه عندما ترفضني سأتخطاها وأركز على حياتي، ولكن كلامها اخترق قلبي، وكدت أن أبكي بينما كنّا في الشارع، ثم ركضت إلى منزلي وإلى غرفتي أبكي وأُخرج كل مشاعري...كم كان هذا اليوم صعبًا عليّ!

ظللت ألوم نفسي نادمًا على ما مضى...لست أصدق ما يحدث لي!....لقد كان أمامي فرصة مؤكدة أن نكون معًا ولم أغتنمها بل كان هناك أكثر من فرصة عندما كان الباب مازال مفتوحًا...وكنت قد رأيت هيئة خطيبها وكرهته بدون سبب على الرغم من عدم فعله أي شيئ خاطئ.

تدفقت الذكريات في رأسي كأن عقلي يحب أن يؤذي نفسه....لقد التقطنا معًا صورًا كثيرة، وعندما نظرت إلى هذه الصور تألمت بشدة..تساقطت دموعي كشلال دون أن آذن لها...كل صورة، كل رسالة، وكل ذكرى ونحن معًا أردت محوها...لم أعد أريد أن أسمع عنها شيئًا..لكن ليس هذا ما بداخل قلبي حقًا..هل كرهتها؟...لا، بل أنا فقط شخص منهار يحاول الصمود والتكيف...كنت أحاول أن أزيل من قلبي علاقة حُفرت فيه سنينًا طويلة، وكان الأمر كأنني أقتلع عضوًا حيويًا من جسدي فلا أستطيع أن أكمل حياتي...هل حياتها هكذا أيضًا؟ أم أنها استطاعت أن تنساني بسهولة؟...هل أحبت خطيبها؟..تبًا..لا أريد التفكير في هذا.