سحَر انهضي بسرعة!"
تململتُ في سريري وأنا أسمعُ صوتَ أمّي تناديني، فتحتُ عينيّ بصعوبة شديدة وأنا أقاومُ النوم ورددتُ بصوتٍ ناعس:
" نعم، ماذا تريدين؟"
"لا زلتِ تسألين؟ لقد قلتُ لكِ البارحة أننا سننظّف المنزل اليوم!"
" دعينَا نؤجلها لغذاً"
" لا يوجد تأجيل فرمضَان على الأبواب ولم يبقى وقت كافي، انهضي هيّا"
" افف، رمضان بقيَ له أسبوع وأنت تقولين ليس هناك وقت!!"
" ومَن أخبركِ أن التنظيف سيكون في يوم فقط؟ بل سيكون على مدَارِ أسبوعٍ كامل"
نهضتُ مصعوقةً بالخبر وأنا أفتحُ عينيّ على وُسعهما :
" لم أسمَع جيداً؟ كيف لأسبوع؟!"
" نعم أسبوع وهيّا انهضي أيتّها الكسولة الذين في عمركِ ينفضُون البيت كلّه وحدهم دون مساعدة"
خرجت من الغرفة وأنا بقيتُ في الداخل أحاول استيعاب كلامها، لا لابدّ أن النوم لازال مؤثّراً عليّ نعم بالطبع فأنا لم أنَم جيداً وهذه مجرّد كوابيس لا أكثر، عدتُ للنوم وأنا أبتسم لهذه الفكرة التي خطرَت لي ولكن لم تمّر دقائق حتى سمعتُ صوت صراخها مجدداً فعلمتُ أنه كابوسٌ حقيقيٌ للآسف وليس حلماً.
" انظري إلى الغبار في الجدران نظفيها هي أولاً"
" أمي!! إنها جدران لماذا عليّ تنظيفها هل سأجلس عليها؟!"
" نظفيها وأنتِ صامتة لا يزالُ ينتظرنا الكثير من العمل"
تأففتُ دون صوت وأنا أريدُ البكاء، أنا لا أطِيقُ أعمال البيت ولا سيمَا إذا كان تنظيفاً عميقاً يستغرقُ لساعاتٍ طويلة وأيضاً لأيام!!، هذه العائلة تحبّ أن تراني أتعذّب في التنظيف والأعمال الشاقّة لا يملكون الرحمةَ في قلوبهِم أبداً أحياناً أشعرُ وكأنني لستُ ابنتهم الحقيقية قد أكون متبناةً فقط وأنا لا أعرف، نعم ربما أنا كذلك وإلا لماذا أنا فقط التي يفعلون بها هكذا دون إخوتي البنات و الأولاد؟ سمعتُ صوت أختي سناء وهي تقهقهُ على كلامي وترّد:
" مسكينةٌ سحَر أشفقُ عليكِ كثيراً ستظلّين هكذا دائماً كسولة"
" هَه، هيا نضحكُ كلنا على دُعابتها، سخيفة!" قلت لها هذه الجملة وأنا أرمقُها بنظرات التي لو كانت تنطِق لقالت ارحمِينا من حسّكِ الفكاهيّ الذي لا تملكينهُ أساساً.
"بسرعة أنهُوا تنظيف الجدران لأنه لا زالَ لدينا غسلُ الآواني كلها في الحوش"
"كيف؟ ماذا؟ نغسلُ الآواني في هذه الشمس؟! لا أنتم جننتم صراحةً ستقتلونني اليوم بالتأكيد!"
رددتُ وأنا أكادُ أجّن من هذا العمل الذي لا ينتهي وهم لا يُشفقون عليّ أبداً وكأنني لست إنسانة لديها حقٌ في الراحة.
" هيّا بسرعة اسمعِي الكلام، سيأتي وقتُ الغذاء وأنتم لازلتُم مع هذه الجدران"
" حسناً دعينَا نغسلهم في المساء، تكون الشمس قد اختفت جزئيا ويمكننا الجلوس في الحوش"
" لا ستغسلون الآن، المساء لدينا أشغالٌ أخرى"
هنا أردتُ البكاءَ حقاً لماذا عليّ تنظيف كل هذا البيت الكبير؟ لماذا لا يأتون بعاملةٍ تهتم بتنظيفه؟ أنا أتعبُ كثيرآ إذا نظفتُ لأكثر من ساعة حقآ أشعرُ بتعبٍ غير طبيعي يقولون لي هذا وأنتِ لازلتِ صغيرة في عمر الزهور، أي زهورّ هذه التي يتكلّمون عنها؟ أنهضُ من فراشي وظهري ومفاصلي يؤلماننِي كعجوزٍ بلغت التسعينَ من عمرها يُسنِدها الصغار حتى تستطيع النهوض، وإذا نهضت أشعرُ بدوارٍ رهيب وكأنه سيُغمى علي الآن، كل هذا وأنا لازلتُ صغيرةً في عمر الثامنة عشر فكيف سأكون عندما أبلغُ التسعين؟ هذا إن بلغتها أساساً .
أنهينَا أشغال النهار وذهبت لفراشي كي أخُذَ قسطاً من الراحة، ولا أحكِي لكم عن ظهري الذي لم أعُد أشعرُ به وكأنّه انقسمَ إلى نصفين، تمددتُ وأنا أريد النوم بعد كل هذا التعب ولكن على مَن؟ عقلي لا يستجيبُ لي قبل أن أفكّر في ذلك الشخص ويخترِع سيناريوهات كبيرة عريضة ونفس المشهد يتكرّر كل مرة مع تعديلات متوقفٌ عند تلك النقطة لا يريدُ التحرّك وكأنه يخشَى أن يكونَ المشهَد ليس مثالياً كما يُحب أن يكون، وكل تلك الخيالات والأوهام تجعلني أبتسِم دون وعيٍ منّي، آهْ لا أعرفُ كيف فعل هذا وأخذَ قلبي بسهولة حتى من دون أن نتحدّث مع بعض وأعرِف شخصيته إن كآنت تلك الشخصية التي تَجذُبني في الرجال أم لا؟ من دون أن يُعاملني بالمعاملة التي أحبّها ومن دون أن يهتم بي، أتعلمون؟ أشعرُ بحنانٍ فائضٍ منّي إليه ولكن لا يمكنني ترجمة هذا الحنان إليه أبداً لأنني أعرف أن هذه العلاقات هي محرمة في ديننا وفوق هذا أنا أخجل من قول كلمات الغزل والحب لأنني لم أقلها قبل ذلك لأي شاب ولأنني لا أجيدُ التعبير عن مشاعري للأسف لكني أودّ كثيراً أن أغمرَهُ بحبّي وحناني الذي كنت أظنّ أنه لا يوجد داخلي مثل هذه الصفة أبداً أو ربما كانت موجودة من قبل وهو مَن أحيَاها مجدداً، وددتُ كثيرآ لو أعَانقهُ وأجلسَ بجانبِه وأشعر بدفَا يديهِ وأخبرهُ كم أننّي أحبه بل أعشقُه وكم أنّه وسيم ولا عيبَ موجودٌ بهِ، لن أكذِبَ عليكم تمنيتُ لو لم يكُن كلّ ماذكرتهُ سابقاً حراماً لأفعلَ كل هذا معه ومع كل هذا التمنّي جاءتنِي فكرة وكأنها إلهامٌ من عند اللّه عزوجل أن أدعُو بأن يحبني آسِر وكان هذا ما فعلتُ حقآ بدأتُ بالدعاء هذا طوال شهر رمضان كنتُ أدعُو دائمآ في صلاتي بأن يحبني ويكون من نصيبي، لم يكن لديّ شكٌ في أن لا يُستجابَ دعائِي ولكن لم يكن لديّ يقينٌ كذلك فقط أدعو لعلّها تُستجابُ يومآ مَا.
انتهَى شهرُ رمضان وعيدُ الفطرِ كذلك وأقبلَت الامتحانات النهائية للسداسي الثاني، أذكُر في اليوم الآخير قبل العطلة كنتُ أصعدُ السلالمَ مع صديقاتي وأخبرتني منَار أنها رآت آسِر مع فتاةٍ في ساحة الجامعة(نعم لقد أخبرتُ الجميع أنني معجبةٌ بهِ فقط ولستُ مغرمة) فعرفتُ تلك الفتاة هي نفسها بالضبط التي تلتصقُ بهِ أينمَا ذهب وأنا لا أضعُ اللّومَ على الفتاة فقط لأنني أحبّه بل الجميع يقولُ ذلك وهي بنفسها قالت أنها معجبةٌ به وتريدُ أن تكون معه في علاقة أما هو فلا يطيقُها أساساً ومَن هذا الذي يُطِيق شخصاً فرضَ نفسهُ عليه؟ وبينما أنا وصديقاتي نتحدّث عنه وأصواتُنا مرتفعة إذ بنا نراهُ وهو ينزلُ السلالم ومعه تلك الفتاة بالضبط التي كنّا نتحدّث عنها، المشكلة ليست هنا المشكلة أنني أظنه سمِعَ حديثنَا عنه لأنه نظرَ إليّ مباشرةً وهو يرفعُ حاجبهُ الأيسر لي وفوق هذا قطعَ عنّي الطريق لأنه وقفَ أمامي مباشرةً يرفضُ التحرّك من مكانه وأنا لم أستطِع أن أتحدّاه وأبقَى في مكاني فغيّرتُ الجهة وقلبِي ينبضُ بقوة حتى أننّي أظن أنه سمعَ دقاتّه، ومنذ ذلك اليوم تغيّرت أشياءٌ كثيرة وبما فيهم أنَا و آسِر !