NOVELFLEX

الفصل الثاني

ضجيج لا يسمعه أحد · بقلم Author

الظلام دامس، كل ذرة من جسدي تؤلمني، حتى النبض يبدو موجعًا في هذه اللحظة لدرجة أنني أتمنى لو يتوقف، رأسي ثقيل وأشعر بصفير حاد في أذني، لكن بوسعي سماع صوت أمي، لماذا تتحدثين بهذه النبرة القلقة، نعم أنا أتألم لكنني بخير، هناك صوت فيليب أيضًا، وكذلك صوت آخر.. أعرفه جيدًا لكنني لا أستطيع استحضار اسمه إلى سطح ذاكرتي، آه نعم طبيبي السيد مارك، ماذا يقول؟ لا أستطيع سماعه بشكل واضح

فتحت عينيّ بصعوبة، هرعت إليّ أمي وأمسكت بيدي بقوة، تارة تمسح على شعري ووجنتي ثم تعود لاحتضان يدي بكلتا يديها، قالت بصوت مرتجف: بنيّ كيف تشعر الآن؟ هل تشعر بتحسن؟ هل هناك ما يؤلمك؟

أومأت بالنفي، لأنني لم أستطع الكلام من شدة الألم، نظرت إلى فيليب الذي بدا وكأنه يريد لكمي لكنه يضبط نفسه بصعوبة، قال: ما الذي حصل لك؟ ألم أطلب منك انتظاري في المتجر! لمَ خرجت؟ وفوق ذلك خلعت سماعاتك؟! هل هوايتك الجديدة هي محاولة الانتحار؟

نظرت إليّ أمي بعينين دامعتين، بنبرة معاتبة أردفت: لماذا خلعت سماعاتك وأنت لوحدك؟ لقد كدت أموت من قلقي وأنا أنتظر استيقاظك هنا، شعرت أن الزمن توقف منذ اتصال فيليب، مرت علي ست ساعات وكأنها دهر. اعتقدت بأنني سأفقدك حقًا هذه المرة...

ست ساعات؟ إذن كنت فاقدًا للوعي لست ساعات، ضغطت على يدها وأنا أمسح ظاهر كفها بإبهامي، ما زالت الكلمات تأبى الخروج، اقترب مني الطبيب وقال موجهًا كلامه لفيليب وأمي: على الأغلب أنه لا يزال متعبًا، لنتركه كي يرتاح قليلًا ثم سأعود لتفقد وضعه، وأومأ لي بابتسامة

خرج الطبيب من الغرفة وأحضر فيليب كرسيًا وجلس على الجهة المقابلة لأمي، نظرت إليه هو الآخر، كانت يداه ترتعشان، مددت يدي الأخرى وربتت على ركبته، أدار وجهه عني، لكنه نظر إليّ مجددًا بطرف عينيه، قرأت فيهما القلق والغضب بسهولة، أغلقت عينيّ رغمًا عني من فرط التعب، فكرت بكمية الرعب التي عاشها كلاهما وأنا مستلقٍ هنا دون حراك، نعم لقد كانت ست ساعات وقت قصير مقارنة بذلك الوقت، لكنها بالتأكيد لم تكن كذلك بالنسبة لهما، يجب أن أكون أكثر حرصًا، لكن... ماذا كانت تلك الكلمات في المجمّع؟

....

استيقظت مجددًا في الساعة الخامسة مساءً، مازلت خائر القوى، فيليب وأمي غادرا، كان هاتفي على الطاولة بجانبي، وبينما كنت أحاول الوصول إليه سمعت طرقات على الباب ثم فُتح، كان السيد مارك، هو طبيبي الخاص والمسؤول عن حالتي منذ صغري، شخص لطيف وهادئ ووديع للغاية، البقاء بجانبه مريح لأن أفكاره هادئة كذلك

تقدم إليّ وقال بابتسامته المعهودة : كيف تشعر الآن؟ هل تملك طاقة للحديث؟

- قليلًا فقط...

- لنستغلها إذن في الاطمئنان على حالتك، ثم بعدما تصبح أفضل لنتحدث عما حصل، أتبع بضحكة : لأن خلع السماعة بدون أي سبب هي بالتأكيد محاولة فاشلة للموت

ابتسمت له وبدأت أجيب على أسئلته المعتادة، عمّا إذا كنت أشعر بأي ألم وماهي طبيعته، للتأكد من أنه لا توجد أعراض جديدة أو مستمرة، كانت جميع الأعراض حالية فقط وستزول مع الراحة وتناول الأدوية، باستثناء الصداع والدوار المزمن طبعًا

مر يومان بعدها ببساطة واستطعت الخروج، خلال هذين اليومين.. لا أستطيع العد كم مرة بكت فيها أمي ونتاليا، حتى الآن حين جاءت أمي لأخذي، هاهي تضغط على شفتيها كي لا تبكي، ركبت السيارة وتركتها تتولى القيادة، وحين ركبت احتضتني وقالت: قلت هذا كثيرًا لكنني سعيدة بأنك بجانبي، ثم ابتعدت سريعًا ووضعت الحزام قبل أن أتمكن من إبداء أي ردة فعل

التفتُ إلى النافذة وفتحتها قليلًا بما يسمح بدخول الهواء، كانت أفكار أمي كصندوق ممتلئ تحاول إغلاقه بالقوة

قلت بلا مقدمات: أنا أرتدي السماعة ولكن مازال بوسعي سماعك يا أمي، يرتفع صوت أفكارك كلما حاولت قمعها بهذه الطريقة

- أنا آسفة يابنيّ، أعلم بأنك خرجت من المستشفى للتو، وموضوع كهذا__

قاطعتها قائلًا: لنقف على جانب الطريق أولًا، ثم أردفت بعد توقفنا: والدي مجددًا صحيح ؟.

طأطأت رأسها واكتفت بإيماءة، ثم بدأت في البكاء بصمت. في الأيام الماضية لم أكن بخير بتاتًا، ولم أستطع السماع بشكل واضح أو ترتيب أفكاري حتى، لكنني شعرت أن أمي كانت عاطفية بشكل مبالغ فيه، أخبرت نفسي عدة مرات أن ذلك بسبب خوفها لكن كان جليًّا أن هناك شيء آخر، أنا فقط لم أستطع الملاحظة مبكرًا

لم أجد ما أقوله لها كي تتوقف عن البكاء، كان بكاؤها بسبب كتمانها، لذا توجّب عليّ تركها تفرّغ ما بداخلها، علمت بأن أمي لديها ما تقوله وكنت أفكر بذلك حتى ذهابي للمجمّع، انشغلت بما حصل لدرجة أنني نسيت الأمر، يالي من شخص...

ربتّ على كتفها وأمسكت بكلتا يديها وأنا أقول: هلّا تنظرين لي يا أمي؟

رفعت بصرها إليّ، تنفست بعمق وصمتّ للحظات قبل أن أقول: تطلقا فحسب

اتسعت عينا أمي، لا أعلم لمَ لم تتوقع ذلك، هزت رأسها وهي تقول: لا يمكنني، لا يمكنني فعل ذلك يا بني، ماهذا الذي تقوله؟ إنه والدك!

تنهدت حين سمعت كلمتها الأخيرة، والدي... والدي إذن، هل شعرت يومًا أنه والدي؟! لا أتذكر وجوده في حياتي أنا ونتاليا، لا في لحظاتنا المهمة ولا غير المهمة، أتفهم سبب كرهه لي، وعدم رغبته بي لأكون ابنه، لكن نتاليا؟ كبرت مع كراهيته رغم أنها لم تفعل شيئًا، تحاول في كل فرصة أن تراه وأن تستجدي عطف أبوته التي هي غير موجودة أساسًا، ورغم أنه يعاملها بقسوة، إلا أنها تزوره مجددًا.

- هل أدركتَ ذلك يا بني حين قلتُه؟ لا تقل هذا الكلام مرة أخرى

وضعت أمي يدها على المفتاح لتعيد تشغيل السيارة، لكنها توقفت حين قلت: بل أدركت مجددًا أنني لم أشعر بأبوته قط!

- رو!

- أمي، ألا تعتقدين أنكِ تخطئين فهم شيء ما؟

- ماذا؟

- لماذا تعتقدين أنني لم أوقف نتاليا في كل مرة تذهب فيها إلى والدي وتعود خائبة الأمل منفطرة القلب؟

- لأنه والدك

- بل لأنني أردتكِ أن تري بعينيكِ ما يفعله بها، أردتكِ أن تكوني شاهدة على كل المرات التي تحاول فيها نتاليا إصلاح علاقة مهشمة أساسًا

- رو... ماهذا الذي تقوله؟

- نتاليا تحاول يا أمي منذ طفولتها البحث عن مشاعر لم تلد أساسًا في قلب ذلك الرجل الحقير

قالت أمي بغضب: رو راقب ألفاظك!

- لأنني أراقب ألفاظي اكتفيت بهذه الكلمة اللطيفة، ألا تذكرين ما قاله حين اكتشف أنكِ حامل بها؟... أمي، نتاليا لم تعد طفلة! ألا تشفقين على حالها؟ يجب أن ترى الحقائق، إنها تتمسك بهذه الآمال لأنها تعتقد أنكما يمكن أن تعودا معًا، إنها لا تعرف حتى أن مابينكما انتهى من قبل أن تلد أساسًا!

- يكفي! لا تقل المزيد

- لم يعد لدي ما يقال أساسًا.. هل يمكنني إشعال سيجارة؟

- افعل ما تشاء

نفثت دخان سيجارتي، أمي غاضبة لدرجة أنها لا تنظر إلى وجهي. بصراحة... لم أعتقد أنني سأستنزف طاقتي سريعًا هكذا، ساد جو خانق في السيارة، كانت أمي تفكر بعشوائية لدرجة آلمتني، ومع ذلك لم أنبس ببنت شفه حتى وصلنا إلى المنزل

فتحت باب السيارة، تمهلت للحظة قبل أن أنزل وقلت: كلانا نكره ماحدث في ذلك اليوم، لكن أنتِ بحاجة لتذكر تفاصيله لتدركِ أن ذلك الرجل لا يستحق حتى أن يصبح أبًا، افعلي هذا المعروف من أجل نتاليا وانفصلي عنه، وجوده وعدمه واحد أساسًا.

أغلقتُ الباب وتوقفت قليلًا، ثم دخلت المنزل وصعدت إلى غرفتي مباشرة، كانت الخادمة صوفيا هناك، رحبت بي وأخبرتني أنها أعدت الفطور، لم أكن في مزاج لتناول الفطور لذا شكرتها وأخبرتها أنه يمكنها المغادرة لليوم، أردت أن أحظى بلحظة هدوء لوحدي، وحين غادرت، كان آخر شيء سمعته هو صوت الباب وبعدها عمّ سكون محبّب في المنزل، رغم بعض الضوضاء الخارجية، إلا أن هدوء المنزل كان مريحًا للغاية، شعرت أنني في خضم هذه اللحظات أود أن أمتّع نفسي بحمّام بارد، خصوصًا بعدما حصل.

وبالفعل استحممت وخرجت، ساعدني هذا على تهدئة أعصابي كثيرًا، وكان أول شيء خطر في بالي هو ما حدث آنذاك، استرخيت على مقعدي وبدأت أحاول استرجاع ما حصل، ذاكرتي تتشوش حين أفقد الوعي ويصبح من الصعب علي تذكر ما حدث قبلها، وصلني حينها إشعار على بريدي الإلكتروني الخاص بالعمل، ألقيت نظرة سريعة عليه، قررت فقط أن أقبل، وشرعت بكتابة رد مختصر، ثم باشرت التصميم، كان هذا أحد أفضل القرارات في حياتي؛ أن أعمل كمصمم مستقل، أقوم بكل شيء من المنزل، ونادرًا ما أضطر إلى الخروج.

اندمجت بعدها في عملي لدرجة أني لم ألحظ حتى أن الساعة قاربت الثالثة ظهرًا، مضى وقت طويل على موعد الغداء. نهضت من مكاني وتمطيت قليلًا، شعرت بألم أسفل ظهري، هذا ما يحصل حين لا آخذ فترات استراحة، لكن لأكون صريحًا العرض هذه المرة كان ممتعًا

نزلتُ إلى المطبخ، وأعددتُ شطيرة سريعة ثم صعدت إلى غرفتي مجددًا، أردت أن أنهي أكبر قدر ممكن من عملي قبل عودة عائلتي، وعند الساعة الرابعة شعرت أن هذا يكفي لليوم فاستلقيت على سريري محاولًا النوم، لكن لم أفلح، فقد بقيت أتقلب يمنة ويسرة حتى سمعت رنين الجرس، نهضت بتثاقل لأرى وقد كان فيليب كما توقعت

- هل خرجت؟ لمَ لم تخبرني؟

- لقد نسيت

- هل يعقل أن تنسى شيئًا كهذا؟

- حصلت بعض الأمور فور خروجي وبعدها انشغلت بالعمل

- ماذا حصل؟

- خضت شجارًا مع أمي

- ماذا؟ لماذا؟ أنتما متفاهمان عادة، أم أنه...

- تمامًا

- هل كان الوضع سيئًا للغاية؟

- لم تنظر لوجهي بعدها

- لهذه الدرجة إذن. ولماذا تشاجرت معها؟ كان بإمكانك توضيح وجهة نظرك بهدوء كما تفعل عادة في بقية الأمور، لماذا تفقد أعصابك بهذا الشكل حين يأتي الأمر لوالدك!؟

ارتميت على سريري ووضعت غطائي على وجهي وقلت: أمي بحاجة لرؤية ما تحاول أن تتجاهله، لم يعد الأمر متعلقًا بها فحسب، نتاليا أصبحت داخل هذا، لقد طال الأمر كثيرًا من الأساس، لا يمكنك زرع بذرة فاسدة وانتظار شجرة ضخمة

- ماذا عنك؟

- ماذا تقصد؟

- تجعل الأمر وكأن والدتك ونتاليا فقط من يعاني، ألا تواجه صعوبة أنت أيضًا؟

- لقد تخليت عن مشاعري تجاهه منذ وقت طويل. إنه شخص مقزز، التفكير به وحده كاف لإفساد مزاجي

- وها أنت ذا تقول نفس الكلام مجددًا

- صدق أو لا تصدق، إذا انتهيت من حديثك فغادر، أود أن أرتاح قبل مجيئ أمي ونتاليا

- لم ينتهِ حديثي ولكن.. ليمضي الأمر هكذا حاليًا

همّ بالخروج لكنه توقف وقال : لم أنسَ سبب انهيارك. سنتحدث عن هذا بالتفصيل غدًا

أشرت له بيدي ليخرج، وفور خروجه أزحت الغطاء عن وجهي، لا أعلم لماذا جعلني حديثي عن الأمر مع فيليب أفكر أنني ربما قسوت على أمي، في نهاية المطاف هي تفعل ذلك لأنها تظن أن ذلك لمصلحتنا، مع أنني لا أرى أي مصلحة في إبقاء رجل كهذا مرتبطًا بنا لكن هذه هي نظرتها كأم

أغلقت عينيّ لأستريح، تخليت عن محاولة النوم، حتى التظاهر بالنوم يصبح مفيدًا لي حين أعجز عن النوم، بقيت هكذا غارقًا في أفكاري تجاه ما حصل مع أمي حتى سمعت ضوضاء نتاليا وخطواتها الراكضة، ثم مباشرة قفزت علي، ماهذا؟!؟!!؟

- هل تخططين لطحن أعضائي؟!

- لقد أخذت وقتًا طويلًا للعودة للمنزل، كنت أضحك طوال طريق العودة حين علمت أنك خرجت

- ومن بين كل الطرق لاستقبالي، اخترتِ هذه!

- ألم تعجبك؟

- بتاتًا، تبًا! فقط ألم في عضلات بطني هو ما كان ينقصني... ثم قلت وأنا أدفعها بعيدًا: انهضي عني أنتِ ثقيلة!!

ضحكت بصوت مرتفع وقالت: كنت أريد أن أسأل ما إذا كنت تشعر بتحسن لكن أرى من فظاظتك هذه أنك أصبحت بخير تمامًا

قفزت من السرير وغادرت الغرفة وهي تهمهم، هل هي مجنونة؟

ستعود أمي قريبًا إلى المنزل، وبما أنها غاضبة فلن تتناول العشاء معنا غالبًا لذا قررت طلب الطعام من الخارج، بعد تفكير مطوّل تيّقنت أنني فعلًا كنت قاسيًا مع أمي، كانت هناك بالتأكيد طرق أفضل، كله بسببه، أجد نفسي في غضب غير مبرر كلما عاد الموضوع إليه، يجب علي إصلاح هذا

انتظرت عودة أمي حتى أعتذر لها، ووصلتٰ في الوقت الذي وصل فيه الطعام، كنت قد أخطرت نتاليا مسبقًا فذهبت لأخذه، سمعت أمي تسألها عن صوفيا، نبرتها باردة للغاية، حتى حين سألتها نتاليا عما إذا كان كل شيء على ما يرام اكتفت بإيماءة، كنت أنظر إليهما من الطابق الثاني وانتظرت حتى دخلت غرفتها ثم نزلت

نتاليا : آه رو، كنت قادمة إليك، وصل الطعام

- نعم

- هل أمي بخير؟ كانت تبدو مرهقة ومستاءة

- خضنا شجارًا صغيرًا، لا تقلقي، سأذهب للتحدث معها

- لماذا؟

- لم يكن شيئًا مهمًا، ابدئي قبلي

نظرت نتاليا إلى الأرض وشبكت يديها، ثم جلست على طاولة الطعام فيما اتجهت أنا لغرفة أمي، طرقت الباب ودخلت، كانت تجلس على السرير بملابس العمل وظهرها للباب

- أمي؟

جفلت حين ناديتها، كانت على وشك الالتفات إليّ لكنها عادت سريعًا للنظر أمامها، قالت بجفاء: ماذا تريد؟

- أنا آسف... لم يكن من المفترض أن أتحدث بتلك الطريقة، أدرك أنني اخطأت، أعتذر

-...

- كانت هناك صيغ أفضل لشرح ما أفكر به، قلت ما خطر في بالي ولم أضع مشاعرك بالحسبان

- لا بأس، لم أعد غاضبة منك، يمكنك الخروج

- إذن لمَ لا تنظرين إليّ؟

لم تجبني، تقدمت خطوة ثم توقفت، أردت الذهاب إليها لكنني خشيت أنها لاتزال غاضبة، ومع ذلك أردت المحاولة، إذا كانت لا تزال غاضبة فسأسترضيها مجددًا حتى تنظر إلي، حتى لو عنى ذلك أن أتراجع عن كلامي، مؤقتًا...

اتجهت إليها وجلست أمامها، كانت تحبس دموعها، حين رأتني عانقتني وبدأت في البكاء، قلت وأنا أربت على ظهرها: أعتقد أن قنواتك الدمعية قد جفت تمامًا يا أمي، لماذا تبكين مجددًا؟

قالت أمي بضحكة: لأنني أعتقد أنك محق

- إذن توقفي عن البكاء أولًا ولنتحدث بهدوء، حسنًا؟

أخذت أمي بعض الوقت حتى استجمعت نفسها ثم قالت: كنت أفكر بما قلتَه هذا الصباح

لأكون صريحًا... لم أتوقع ذلك، ظننت بأنها تأثرت بشجارنا فقط بما أنني بالغت بكلامي لأول مرة. تابعت أمي حديثها وقالت: كانت هذه المرة الأولى التي تتحدث بها إلي بهذه الطريقة، نعم أنت تغضب حين أطرح موضوع والدك ولكن غضبك يتشكل على هيئة ردود مقتضبة وصمت طويل، لكن ماحصل هذا الصباح جعلني أتمعن بالأمر، لقد فكرتُ كثيرًا لدرجة أنني لم أنجز أي شيء في عملي، وانتهى بي المطاف في نهاية اليوم دون أي إنجاز يذكر، تناولت العشاء مع زميلتي ولم أستطع الاستمتاع على الإطلاق، قدت ببطء شديد حتى وصلت إلى المنزل، وحين رأيت وجه نتاليا البريء عند الباب، تلك الصغيرة التي أرادت فقط أن تحظى بأب مثل بقية صديقاتها، وكأنني استوعبت كل شيء دفعة واحدة، ارتفعت غصة مريرة إلى حلقي، ولم أستطع تمالك نفسي حين جئت لتعتذر إلي عن الحقائق التي فتحت عيني عليها أخيرًا، كانت تلك اللحظة التي أصبح فيها كل شيء يفوق مقدرتي على التحمل. أنت الذي رأيت معاناتها لوقت طويل، بينما أنا والدتها التي لم تستطع إدراك ذلك، كيف حملت كل ذلك لوحدك طوال هذا الوقت بينما كنت أنكر ذلك تحت غطاء حمايتكما، هذا ثقيل للغاية... وأجهشت بالبكاء بعدها

كنت أستمع فحسب دون أن أنطق بشيء، نهضت وجلست بجانبها على طرف السرير واحتضنتها وأنا أقول: لقد كنت تبذلين ما بوسعك من اجلنا طوال هذا الوقت، من الطبيعي أن تغفلي عن بعض الأمور، وقد كنتِ تصرين على رأيك لأنكِ اعتقدتِ كأم أن هذا يخدم مصلحتنا، أنتِ أفضل أم يمكن لأي إنسان أن يحظى بها وأنا ونتاليا محظوظان جدًا بذلك

قالت وهي تضع يدها على ذراعي: وأنت أفضل ابن يمكن لأي أم أن تحظى به. ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت: أتعلم؟ أشعر أن حملًا ثقيلًا انزاح عن كتفي فقط حين فكرت بالأمر بهذه الطريقة، سآخذ الأمور بروّية وأعيد ترتيب أفكاري ومشاعري مجددًا ثم سأخبرك، لكن شكرًا لك يابني

- من الجيد أنكِ تشعرين بتحسن وسأكون بانتظار قرارك، و مرة أخرى.. أنا آسف لقولها بتلك الطريقة

- أنت تعتذر منذ دخولك إلى الغرفة، هل هذا حقًا ابني صاحب اللسان السليط؟

تجنبت نظرات أمي بوضوح تام فبدأت تضحك، ابتسمتُ حين رأيت ذلك، كما قالت أمي، يبدو أن حملًا ثقيلًا انزاح عنها لدرجة أن ذلك بدا جليًا على تقاسيم وجهها حين ضحكت

قطع تلك اللحظة صوت نتاليا، كانت تقف عند الباب المفتوح بتردد، قالت وهي تنظر إلينا بتهرب: هل تصالحتما؟

فتحت أمي ذراعيها لنتاليا وقالت: نعم لقد تصالحنا، نعتذر على إقلاقك ياصغيرتي، تعالي

احتضنت نتاليا أمي، نتاليا حساسة للغاية رغم أن ذلك لا يبدو واضحًا عليها

نظرت إليّ أمي بقلق قائلة: لكن يارو، لو أنني اتخذت ذلك القرار في النهاية. هل حقًا ستكون الأمور بخير؟

- لا تقلقي، سأتحمل كامل المسؤولية

- أنا محظوظة بوجودك يابني

رفعت نتاليا رأسها بنظرة تشير إلى أنها تبحث عن مديح هي الأخرى فقالت أمي: ومحظوظة بك أيضًا، أنا أسعد أم في العالم لامتلاك صغيرين لطيفين مثليكما

نهضت من مكاني وقلت: لننهي هذه الأجواء العاطفية التي لا داعي لها ولننم، حياتنا ستصبح أكثر صفاءً منذ الآن

هيلين: ستتناول عشاءك اولًا ثم ستنام

- لا أشعر بالجوع

- لا يهمني حقًا ماتشعر به، كيف ستتناول دواءك على معدة فارغة؟

- ليست فارغة، بداخلها شطيرة

- منذ كم هذه الشطيرة؟

- فهمت، سأتناول طعامي

كان ذلك أسرع من الدخول بجدال خاسر، إذا بدأت أمي بطرح الأسئلة بهذا الشكل فلن تتوقف ابدًا. شطيرة أخرى لن تضر، ثم الأدوية؛ وأخيرًا سأفرغ ذهني تمامًا لحل ما تم تأجيله...